موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الإيمان بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم

والإيمان بحوض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكل نبيّ حوض إلا صالحًا عليه السّلام فإن حوضه ضرع ناقته.


الإيمان بحوض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذا العنوان تحته مسائل:

أولًا: الحوض - حوض النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم - دلّ عليه ظاهر القرآن في قوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(1)، فقد ثبت في الصحيح أن الكوثر هو حوض النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وجاء كذلك أن الحوض يُسكب فيه من الكوثر - الذي هو نهر في الجنة -، جاء في بعض الروايات أن الكوثر نهر في الجنة يصب في حوض النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم(2)، فالكوثر ماء حوض النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومادة هذا الحوض، أما السُنَّة فقد تواترت الأحاديث عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بإثبات هذا الحوض، فجاء عن أكثر من خمسين صحابي - تواتر إثبات الحوض نقلًا ومعنى - أن حوض النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كائن يوم القيامة وأنه في عرصات يوم القيامة.

المسألة التي تليها: وصف هذا الحوض، أقرب ما يكون هذا الحوض إلى أنه مربع الزوايا، وهذا ما تعرفه العرب من معنى الحوض، الحوض في لغة العرب على هذا النحو، ولهذا قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «طوله شهر»(3) في رواية «وعرضه شهر، وزواياه سواء»(4)، وهذا أقرب شكل له هو أن يكون مربعًا، وهكذا هو المشهور عن الحوض في لغة العرب أن الحوض لا يكون إلا على هذا الوصف.

المسألة التي تليها: أوصاف هذا الحوض، الوصف الأول: أن طوله وعرضه سواء، جاء في بعض الروايات وصف هذا الطول «من أيلة إلى صنعاء»(5) وبعض الروايات «من المدينة إلى عُمَان»(6) وغيرها من الروايات، لكن المسافة كبيرة جدًا لهذا الحوض، مكان هذا الحوض يكون في عرصات يوم القيامة في الأرض المبدلة، آنية هذا الحوض: يعني الوعاء الذي يُغترف به ماء الحوض هي الآنية، جاء في الروايات أن آنية الحوض كنجوم السماء(7)، ووصفها أنها كنجوم السماء يدلك على أنها كثيرة وأنها جميلة، لها من الجمال والبهاء ما توصف بأنها كنجوم السماء، ماء الحوض: جاء في الروايات أنه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل(8)، ورائحته كرائحة المسك(9)، مصدر هذا الحوض كما قدمنا لكم من الكوثر، نهر من أنهار الجنة، وهو من أوائل النعيم الذي يذوقه أهل الإيمان، لأن مصدر هذا الماء من الجنة، جاء في الروايات أنه من شرب منه لم يظمأ أبدًا، لأنه من ماء الجنة، ولهذا جاء في الروايات أنه يُذاد عنه من أحدث في دين الله، أهل الإحداث والتغيير يُذادون عنه، لهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يختلج أقوام دون أن يصلوا إليه»(10)، والذود هذا ذودٌ من النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمن لم يعرف من أمته، وذود من الملائكة، يذودونه يعني يبعدونه، أما الذود من الملائكة فالنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يستنكره ويستغربه، فيقول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أصحابي أصحابي»(11)، وفي رواية «أصيحابي أصيحابي»(12)، وفي رواية «أمتي أمتي» فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك(13)، كيف يعرف النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذين يردون الحوض؟ ورد في روايات أنه يعرفهم بآثار الوضوء غرًا مُحجلين لهم سيما - صفة يعرفها النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم -، فمن لم تكن فيه هذه السيما لا يرد الحوض، أما أحاديث ذود الحوض فإن الرافضة كما هي عادة أهل البدع يشبهون على الناس المتشابه من النصوص فزعموا أن أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هم من يُذادون عن الحوض، وهذا الكلام باطل من وجوه كثيرة لا داعي للإطالة فيها، لكن الذين يُذادون هم أهل الإحداث – كما أخبر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم - من أُمَّة محمد صلّى الله عليه وسلّم الذين وقعوا في البدع والمحدثات والتغيير فيما جاء عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

أما أول الشاربين من حوضه؛ فقد جاء في الروايات «فقراء المهاجرين الشعث رؤوسًا، الدنس ثيابًا، الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم السُّدد»(14)، طبعًا هذا على وجه الإخبار، يعني هذه أوصافهم خبرًا لأنهم فقراء، فقراء المهاجرين هم أول من يرد حوض النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، هل للحوض أسباب يمكن للإنسان أن يعمل بها؟ نعم، من أعظم الأسباب عدم الإحداث في دين الله ولزوم السُّنَّة، فمن لزم السُنَّة فهو حري بأن يَرِدَ حوض النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأن يشرب منه، لأنه لم يغير ولم يبدل، وكذلك من أسباب الورود الصبرُ على الأَثَرة والجَور من أئمة الجَور، لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما أخبر الأنصار قال: «إنكم سترون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»(15)، هذا يدلك على أن ما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه خيري الدنيا والآخرة، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر الصابرين، أما قول البربهاري رحمه الله تعالى: ولكل نبي حوض؛ هذا صحيح، وهو ثابت لأنه جاء في الروايات أن لكل نبيّ حوض، وأنهم يتباهون، الأنبياء يتباهون أيّهم أكثر واردًا على الحوض(16)، أما قول البربهاري رحمه الله تعالى إلا صالحٌ النَّبيُّ؛ فإن حوضه ضرع ناقته، وهذا الحديث موضوع لا يصح عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخرجه العقيلي في الضعفاء وذكره ابن الجوزي في الموضوعات(17)، ولهذا من اللازم من يكتب في مسائل الاعتقاد أن يُجرّد استدلاله من الأحاديث الموضوعة، ولعل المؤلف رحمه الله تعالى له عُذر في إيراد هذا الحديث، لكن يهمنا أن نبيّن أنه ليس بحديث، فصالح كغيره من الأنبياء له حوض.


(1) الكوثر: 1.
(2) الفوائد الشهير بالغيلانيات لأبي بكر الشافعي (1/ 682).
(3) صحيح. ابن حبان (6458). التعليقات الحسان (6424).
(4) صحيح مسلم (2292) بنحوه.
(5) صحيح. ابن حبان (6458). صحيح الترغيب والترهيب (3621).
(6) صحيح. ابن حبان (6451). التعليقات الحسان (6417).
(7) صحيح البخاري (6579).
(8) صحيح مسلم (2300).
(9) صحيح البخاري (6579).
(10) صحيح البخاري (6575).
(11) صحيح البخاري (3349).
(12) صحيح مسلم (2304).
(13) صحيح. النسائي في الكبرى (11095). صحيح الجامع (7027).
(14) صحيح. الترمذي (2444). صحيح الجامع (2060).
(15) صحيح البخاري (4330).
(16) صحيح. الترمذي (2443). صحيح الجامع (2156).
(17) موضوع. أخرجه العقيلي في الضعفاء (3/ 64 - 65) وعنه ابن الجوزي في الموضوعات (3/ 244) وقال: حديث موضوع لا أصل له.


 مواد ذات صلة: