موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

الإيمان برؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة

والإيمان بالرؤية يوم القيامة، يرون الله بأبصار رؤوسهم، وهو يحاسبهم بلا حجاب ولا ترجمان.


هذه المسألة من أصول أهل السُّنَّة، أن أهل الإيمان يرون ربهم يوم القيامة، وهذا حق، الله تعالى قد ذكر ما يدل على ذلك في كتابه في مواضع، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(1)، يعني إلى ربها تنظر، فعدا الأمر إلى الأعين التي في الوجوه، وقال الله عزّ وجلّ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ(2)، وفُسرت الزيادة كما في حديث صهيب الذي في صحيح مسلم أنها النظر إلى وجه الرب سبحانه وتعالى(3)، وهذه الرؤية تكون بالعينين، وقد جاء ذلك مُصرحًا به بحديث النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون البدر التمام لا تُضامُّون في رؤيته»(4)، شبّه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الرؤيةَ بالرؤيةِ، لا المرئي بالمرئي، يعني أنكم كما ترون القمر ليلة البدر سترون ربكم هكذا، لا تُضامُون في رؤيته، يعني لا يظلم بعضكم بعضًا في رؤيته، فالقمر إذا كان في التمام لا أحد يقول: أنا لا أراه، الكل يرونه دون مشقة ولا عناء، هذا المقصود من الحديث، ولهذا التصريح بأن أهل الإيمان يرون ربهم بأعينهم جاء عن أئمة السلف، يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: الناس ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة، يرون الله عزّ وجلّ بأعينهم، وهذا من أعلى النعيم يوم القيامة، وهذه الرؤيا لها آثار عظيمة يوم القيامة وفي الجنة، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: من قال: إن الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر، لظهور هذه المسألة من جهة دلالة النصوص، مسألة ظاهرة وليست مسألة خفية، والنصوص متواترة في بيان ذلك، ولهذا بعض السلف صنّف مصنفات في رؤية الله عزّ وجلّ في الآخرة، وإيراد الآثار والأحاديث الدالة على ذلك، هذه الرؤية – يعني من المسائل الداخلة في مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى – هل هي للمؤمنين وحدهم أم لأهل الإيمان ولأهل النفاق أم للناس جميعًا؟ هذه الأقوال في مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، يعني قال بهذه الأقوال جمع من أهل العلم فالخلاف فيها يسير لأن الأمر ليس بظاهر من جهة دلالة النصوص، ولهذا أذكر فيه فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه حصلت خصومة بين فريق من أهل السُنَّة فكتب رسالة في بيان هذه المسألة، المخالفون في الرؤية طوائف من أهل البدع على رأسهم الجهمية والمعتزلة الذين يقولون بنفي الرؤية، لهذا الزمخشري في الكشاف لما جاء عند قول الله تعالى ﴿لَنْ تَرَانِي(5) -وهو ممن يعتقد نفي الرؤية- فقال: لن : للتأبيد، يعني لن تراني أبدًا، لأنه يورد مذهبه الاعتقادي في هذه المسائل، طبعًا هذا باطل وردّ عليه أئمة اللغة في بيان أن لن لا تفيد التأبيد كما يعتقد الزمخشري، والزمخشري يورد عقائده الفاسدة في التفسير بطريقة خبيثة وماكرة، فالمعتزلة يقولون بنفي الرؤية، أما الأشعرية يقولون: إنه يُرى لا في جهة، وهذا من أعظم التناقض، يقولون: يُرى لا في جهة، لأنهم يزعمون أن إثبات الجهة يلزم منه التحيز، والتحيز لا يكون إلا لجسم والله ليس بجسم كما يعتقدون من مقدماتهم الكلامية التي يعتمدون عليها وهذا باطل.

المؤلف البربهاري رحمه الله تعالى يقول: يحاسبهم بلا محاسب وترجمان، هذا يشير إلى ما ورد في الحديث عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان»(6) يعني الرب سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث الصحيح أن «الله تعالى سوف يكلم العبد ثم ينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمل، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدّم، ثم ينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه؛ فاتقوا النار ولو بشق تمرة»(7)، هذا الحديث العظيم يبيّن أن الله سبحانه وتعالى يحاسب العبد ويكلمه ليس بينه وبينه واسطة، ولهذا يجري الكلام على هذا العنوان إلى مسألة الحساب، هل يحاسب الكفار؟ ما المراد بالحساب لأهل الإيمان؟

أما مسألة الأولى -مسألة حساب الكفار- فتنازع بها المتأخرون من أصحاب الإمام أحمد، سبب الخلاف هو الإجمال في اللفظ، وأكثر ما يكون الخلاف بين أهل السُنَّة هو بسبب اللفظ المجمل، فكل طائفة تنزع إلى نفي شيء وطائفة تثبت ذاك الشيء، وقد يكون الخلاف في اللفظ المجمل، ما المراد بالحساب؟ ولهذا الخلاف كما ذكرت لك بسبب الإجمال في اللفظ، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يراد بالحساب عرض أعمال الكفار عليهم، ويراد بالحساب الموازنة بين الحسنات والسيئات، فعلى الأول لا ريب أنهم يُحاسبون، يعني الكفار سوف يحاسبون بعرض أعمالهم التي عملوها، وعلى الثاني فإن الكفار ليس لهم حسنات في الآخرة، يعني لا يدخلون في الحساب الذي هو موازنة بين الحسنات والسيئات وإنما بعرض أعمالهم عليهم، فإذًا على كلام شيخ الإسلام ابن يمية رحمه الله تعالى الخلاف بسبب اللفظ المجمل، وإلا لو حُرّر النزاع وحُرّر معنى اللفظ لم يكن ثمّة نزاع، أما أن أعمالهم سوف تكون هباءً؛ فالله تعالى قد صرح بذلك في كتابه ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(8)، لهذا لا بد في قبول العمل من الاستقامة على التوحيد والإيمان، وإلا فالله تعالى لا يقبل هذه الأعمال من المشركين وممن كفر بالله عزّ وجلّ، ولهذا ما يعملونه من حسنات ومن أشياء كالإحسان إلى الخلق؛ ورد في الحديث أنهم يكافؤون عليه في الدنيا(9)، ولهذا الشأن كل الشأن هو ما أعده الله تعالى لأهل الإيمان في الآخرة، نسأل الله تعالى أن لا يضيع من أعمالنا شيئًا، أما حساب أهل الإيمان فإن الله سبحانه وتعالى يخلو بعبده كما ورد في بعض الأحاديث ويقول: فعلت كذا في يوم كذا بكذا، ويقرّره بها؛ حتى إذا أقرَّ يقول الله عزّ وجلّ: قد غفرتها لك(10)، هذا حساب أهل الإيمان الذين سبقت رحمة الله عزّ وجلّ لهم بالجنة.


(1) القيامة: 22، 23.
(2) يونس: 26.
(3) صحيح مسلم (181).
(4) صحيح البخاري (554).
(5) الأعراف: 143.
(6) صحيح البخاري (7512).
(7) هو نفس الحديث السابق.
(8) الفرقان: 23.
(9) صحيح مسلم (2808).
(10) صحيح مسلم (2768).


 مواد ذات صلة: