موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

النهي عن السؤال عن كيفية صفات الرب سبحانه وتعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ وصفيه من خلقه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وارزقنا العلم النافع والعمل الصالح يا رب.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبد الله ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا اللهم علمًا وعملًا وتقىً يا كريم، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه وللحاضرين والمسلمين.

قال الإمام البربهاري:

ولا يقول في صفات الرب: كيف؟ ولمَ؟ إلا شاك في الله، والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره، وليس مخلوقًا؛ لأن القرآن من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء قبلهما وبعدهما، والمراء فيه كفر.


هذا العنوان وهذه الفقرة في قول البربهاري رحمه الله تعالى: ولا يقال في صفات الرب كيف، بهذا يمكن أن نُعنون لهذه المسألة بأن السؤال عن كيفية الصفات، فالنهي عن السؤال عن كيفية الصفات جاء عن السلف رحمهم الله كما قد قدمنا كما ورد عن الإمام مالك رحمه الله تعالى حينما سأله السائل عن الاستواء؛ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ولهذا فلا يقال عن صفات الله تعالى كيف، قد قدمنا لكم القاعدة التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في التدمرية: قطع الطمع عن إدراك كيفية الصفات، فلهذا لا يقال: كيف استوى؟ وكيف ينزل؟ ولا كيف يسمع؟ ولا يُسأل عن صفات الله عزّ وجلّ بكيف لأن الله عزّ وجلّ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)، فالله تعالى متصف بالصفات وهذا الاتصاف لا يعني المماثلة بأي وجه من الوجوه، هذه قاعدة وعقيدة عند المسلم، لا يوجه هذا السؤال إلا مبتدع أو شاك في دينه، أما المؤمن فإنه يقول: آمنت بالله، قد قدمنا أنه لا يقوم الإيمان إلا على التسليم – على قدم التسليم - لما جاء في كتاب الله وفي سُنَّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فيقال كما قال السلف: آمنت بالله على وبما جاء عن رسول الله على مراد الله وعلى مراد رسوله صلّى الله عليه وسلّم، على حد قوله سبحانه وتعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(2)، وقال: لا يقال كيف؟ ولمَ؟ هذا السؤال: لم فعل الله كذا ولماذا أفقر فلانًا؟ ولماذا أغنى فلانًا؟ هذه أسئلة يقذفها الشيطان في قلب العبد ليزيغه عن دينه، والله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل، فلا يُسأل عن أفعال الله، لمَ؟ لا توجه لأفعال الله، لأن الله يفعل سبحانه ما يريد ويحكم ما يريد فـ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(3)، وله الحكم البالغة التي تقصر عقول البشر عن إدراكها، فلهذا هذه الأسئلة الشيطانية يقذفها الشيطان في قلب العبد ليصرفه عن الإيمان بالله وبما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا باب القضاء والقدر باب يلج من خلاله الشيطانُ ليصرف الناس عن الإيمان بهذه الأسئلة، ولهذا قاعدة: أن الله تعالى لا يُسأل عما يفعل، والخلق ملك لله سبحانه وتعالى، ولهذا هذه الأسئلة إنما يوردها الشاك في دينه، أما المؤمن يُسلّم بما جاء عن الله وعن رسوله صلّى الله عليه وسلّم فلا يسأل، كما قد بيّن الإمام البربهاري رحمه الله تعالى، فإنه قال: لا يقال لصفات الرب كيف؟ ولمَ؟ ولا يقولها إلا شاك في الله تعالى، ثم تكلم رحمه الله تعالى عن مسألة مهمة، وهي مسألة القرآن، أن القرآن كلام الله عزّ وجلّ، وتحت هذا مسائل:

المسألة الأولى: أن القرآن كلام الله تعالى، والكلام صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، وصفات الله وإضافتها إضافة صفة إلى متصف بها، أما كون القرآن كلام الله فقد قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ(4)، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: وتنزيله، يعني تنزيل رب العالمين وأن القرآن مُنزّل وليس بمخلوق، وقد جاء هذا الوصف في كلام الله تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ(5)، التعبير بالتنزيل جاء في كتاب الله، وكذلك قول الله عزّ وجلّ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ(6)، وآيات كُثر في هذا الباب تبيّن أن القرآن تنزيل رب العالمين، قال البربهاري رحمه الله تعالى: ونوره، وصف القرآن أنه نور قد جاء في كتاب الله ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(7)، نور، ووصف القرآن بأنه من الله، وهذا التعبير أنه من الله، ولهذا يقول بعض أهل العلم وبعض السلف يقول: منه بدأ؛ ليردّوا به على طوائف من أهل البدع من الأشعرية والجهمية، لأن الجهمية يقولون: إن ابتداء كلام الله عزّ وجلّ ليس من الله، لأنهم يقولون: إنه مخلوق، فقول البربهاري رحمه الله تعالى: من الله؛ يعني هو كلامه سبحانه وتعالى، وما كان من الله تعالى فليس بمخلوق، فإذًا هذا التعبير: من الله، والقرآن كلام الله عزّ وجلّ وأن القرآن من الله؛ أراد به الردّ على طوائف من أهل البدع، ووصف كلام الله عزّ وجلّ بأنه غير مخلوق لأن الله تعالى تكلم به، والكلام صفة من صفات الله عزّ وجلّ، وصفاته سبحانه وتعالى ليست بمخلوقة، ثم أورد البربهاري رحمه الله تعالى ما يثبت هذا من كلام الأئمة فقال: هذا قول مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء، يعني هذا قول أهل السُّنَّة، جماعة من أهل العلم حكوا الإجماع على هذا منهم الإمام اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، السلف أجمعوا على أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وإنما خالف في هذا طوائف من أهل البدع وعلى رأسهم الجهمية كما تعرفون، وبسبب هذه المسألة امتُحن إمام أهل السُنَّة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.

قال: والمراء فيه، يعني الجدال في القرآن، وهو كفر، طبعًا لأنه قد قدمنا أن المراء في القرآن كفر أن هذا بحسب المرائي، وقد يصل الأمر إلى أن يصل الإنسان ويقع في الكفر الأكبر وقد يقع فيما هو دون ذلك، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن التماري في القرآن، وهو أن يتمارى اثنان في آية، واحد منهما يستدل بها والثاني يجحدها، فإذا جحدها لا شك أن ذلك كفر، لكن كل ما يفضي إلى الجدال في القرآن هو كفر على وجه الإجمال.


(1) الشورى: 11.
(2) الشورى: 11.
(3) الأنبياء: 23.
(4) التوبة: 6.
(5) النحل: 102.
(6) ص: 29.
(7) المائدة: 15.


 مواد ذات صلة: