موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

التسليم للنصوص

واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعًا مُصدّقًا مسلّمًا، فمن زعم أنه بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد كذبهم، وكفى بهذا فُرقة وطعنًا عليهم، فهو مبتدع ضال مضل مُحدِث في الإسلام ما ليس منه.


مسألة مهمة تحت هذا العنوان، يمكن أن نُعنون لها بعنوان: التسليم للنصوص، أن يكون الإنسان مسلّمًا لما جاء عن الله وعن رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا الطحاوي رحمه الله تعالى في عقيدته يقول: ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، حتى تكون مسلمًا لا بد أن تكون مسلّمًا لما جاء عن الله وعن رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا ما يُميّز أهل السُّنَّة عن غيرهم من الفرق الوعيدية، ولهذا مسألة التسليم للنصوص ولدلالات النصوص أصل من أصول أهل السُنَّة، فمصدر التلقي كما بيّنت لك قبل ذلك هو الكتاب والسُّنَّة، لا العقل ولا الأذواق ولا الأهواء، لأن أبواب الشريعة في الاعتقاد والعمل تأتي فيها مسائل ربما يكون في هذه المسائل نوع إشكال في ذهن المكلف أو في ذهن الناظر؛ إما في علّتها أو في التسليم لها، ولا خلاص لك من ذلك إلا بلزوم التسليم للنصوص، وذاك أن الدين قائم على البرهان، والبراهين أنواع: برهان غريزي مثل الجوع العطش؛ لا يحتاج إلى دليل، هو برهان، والعطش، لا يحتاج العطشان والجوعان إلى دليل لأنه غريزي، والنوع الثاني: هو البرهان العقلي، برهان حسابي، واحد زائد واحد يساوي اثنان، لا يحتاج لدليل، البرهان الثالث: البرهان الديني، وهذا البرهان مبني على مقدمة عظيمة وهي التسليم لما جاء في كتاب الله وما جاء في سُنَّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا سمّى الله القرآن وما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم برهانًا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا(1)، برهان ونور، فإذا طلب منك كائن من كان شيئًا فيكفي الدليل، كافي، برهان عظيم، لأنه ما جاء عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لأن هذا برهان على ما جاء فيه من الحق، وهكذا في مسائل الاعتقاد كلها، براهين عظيمة كمسألة العلوّ، ثمّ براهين على أن الله تعالى عالٍ على خلقه، فأنت مجرد إيراد الدليل هذا برهان.

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم فقد كذبهم، هذا يصلح أن نُعنون له عنوان أن الدين تام وكامل، مسألة تمام الدين وكمال الدين تحت هذا العنوان، فلم يتوفَّ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حتى أكمل الله به الدين، وبلغ البلاغ المبين حتى قال صلّى الله عليه وسلّم: «تركتكم على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها؛ لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»(2)، وأنزل الله قبل وفاة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بثمانين يومًا: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا(3)، والله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ(4)، صدقًا في الأخبار –أخباره صادقة-، وعدلًا في الأوامر والنواهي، الأمر والنهي مبني على العدل، لا مبدل لكماته، فمن ادّعى أنه يحتاج هذا الدين إلى زيادة فقد كذَّب وكذَب وافترى وردّ مدلول هذه النصوص، الدين لا يحتاج إكمالًا، كامل وقد كمُل ببعثة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلهذا كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: من زعم أن أمرًا من أمر الدين لم يكفوناه أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم فقد كذّبهم، وهذا يجرّنا إلى مسألة مهمة جدًا وهي تُبحث في مسائل الاعتقاد وهي مسألة: أن الصحابة رضي الله عنهم بلّغوا الدين ولم يكتموا منه شيئًا، ولهذا دعوى أن الصحابة كتموا شيئًا من الدين خرجت على يد الشيعة والروافض، هذه الدعوى، ولهذا خرجت هذه الدعوى حتى في وقت عليّ رضي الله عنه، في وقت عليّ وهو حي حاضر، فخرجت هذه الدعوى فقيل لعليّ رضي الله عنه: هل عندكم سوداء في بيضاء ليست في كتاب الله؟ يعني هل هناك شيء مكتوب؟ كذا يعتقد الشيعة والروافض أن إمامة عليّ والنص على ذلك أنه مما كتمه الصحابة وغيّروه، فقال عليّ: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا – وفي رواية: إلا فهمًا يعطيه الله تعالى في القرآن – كأن يفتح الله عليه في الأفهام، وما في الصحيفة، قال: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، العقل يعني الدية، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتل مؤمن بكافر، صحيفة عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما روى ذلك الترمذي في كتاب الدية(5)، فهذا مما يُشكل عليه شيء عندما تقرأ في كتب السُّنَّة ما قاله أبو هريرة رضي الله عنه لأن الصحابة بلغوا البلاغ المبين ولم يكتموا شيئًا وعليّ رضي الله عنه بيّن أنه ليس ثمّ شيء من العلم مكتوب، ولكن أبا هريرة قال: حفظت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني الحلقوم(6)، هذا رواه البخاري في صحيحه، فأهل العلم قالوا: هذا الوعاء الذي تكلم عنه أبو هريرة رضي الله عنه جزمًا أنه مما لا تعلّق له بأحكام الدين – جزمًا -، قالوا: الوعاء هو أسامي أمراء الجَور وأحوالهم والزمان الذي هم فيه، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يُكني عن هؤلاء الأمراء؛ فيقول: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، وقال بعض أهل العلم : يشير بذلك إلى إمارة يزيد بن معاوية وما حصل فيها من الفتن كما تعرفون، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما ورد أنه قام مقامًا طويلًا من صلاة الفجر حتى غربت الشمس؛ فحدّثهم بما هو كائن حتى أدخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ(7)، فذكر لهم الأسماء والأحوال التي تمر بها الأمة، فقال الراوي: فكان أحفظنا هو أعلمنا، ولعل الله سبحانه وتعالى أن من الحكمة أن الله تعالى أنسى بعض أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعض الأسماء لحكم يعلمها الله تعالى ، وكان أبو هريرة رضي الله عنه من الحفاظ، وكان يعرف أشياءً وأسماءً وكان يرى أنه من المصلحة عدم التسمية وبث هذا الوعاء، إما لما يخشاه على نفسه رضي الله عنه، وإما لما يرى من المصلحة، ومما يدلك على أن هذا الوعاء ليس له تعلق بأحكام الدين أن أبا هريرة رضي الله عنه هو الذي روى الحديث المُخرّج في الصحيحين «من كتم علمًا يعلمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار»(8)، فكيف يكتم علمًا جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ ولهذا نقول: إنما امتنع أبا هريرة رضي الله عنه من هذا التبليغ لأمور: الأول: أنه لا تعلق له بأحكام الدين، الثاني: خشية أن يُكذّب، لأنه جاء في رواية أنه قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم لما صدقتموني ولكذّبتموني(9)، وهذا حدث، قتلوا عثمان بن عفان، يعني قتل أهلُ الإسلام وممن ينتسبون للإسلام عثمانَ بن عفان، وهذا هو السبب الثاني، الثالث: أنه ذكر ذلك (لقُطِعَ مني الحلقومُ) يعني الخشية من أمراء الجَور، الرابع من الأسباب: عدم تحقق المصلحة في ذلك، لا مصلحة من التسمية وبث هذا الوعاء، ولهذا جاء في الأثر «حَدِّثُوا الناسَ بما يعقلون، أتريدون أن يُكذّب الله ورسوله»(10)، فإذًا الصحابة رضي الله عنهم بلغوا البلاغ المبين.


واعلم رحمك الله أنه ليس في السُّنَّة قياس، ولا يُضرب لها الأمثال، ولا تُتبعُ فيها الأهواءُ، وهو التصديق بآثار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلا كيف ولا شرح، ولا يقال: لِمَ ولا كيف؟


طبعًا هذه الفقرة هي تابعة لما قبلها في أن المؤمن مطلوب منه التسليم لما جاء في كلام الله وفي كلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم، والسُّنَّة ليس فيها قياس ولا يُضرب لها الأمثال، وإنما هي مبنية على التلقي، ولا تسأل عما جاء في النصوص، بلا كيف، وسيأتي في الشرح معنى ذلك من خلال إيضاح المؤلف رحمه الله تعالى، ولا لمَ؟، يعني في الأحكام الشرعية، لمَ فرض الله علينا صلاة المغرب ثلاث ركعات، ولماذا صلاة الفجر اثنتين، فلا تقل كيف فيما يتعلق بصفات الله تعالى وأسمائه، ولا تقل لمَ فيما يتعلق بأحكام العبادات، بل ابقَ على ظهر التسليم والاستسلام لما جاء في النصوص.


(1) النساء: 174.
(2) صحيح. ابن ماجه (43) وأحمد (17142). الصحيحة (937).
(3) المائدة: 3.
(4) الأنعام: 115.
(5) صحيح. الترمذي (1412)، وفي البخاري (3047) بنحوه. صحيح وضعيف الترمذي (1412).
(6) صحيح البخاري (120).
(7) صحيح مسلم (2892) بنحوه.
(8) صحيح. الترمذي (2649). صحيح الترمذي (2649)، ولم أعثر عليه في الصحيحين.
(9) البداية والنهاية ط إحياء التراث (8/ 114).
(10) صحيح البخاري (127) عن علي موقوفًا.


 مواد ذات صلة: