موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

مخالفة السُنَّة قد يكون على وجهين

اعلم أن الخروج على الطريق على وجهين: أما أحدهما فرجل قد زلّ عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير؛ فلا يُقتدى بِزَلَـلِهِ؛ فإنه هالك، ورجل عاند الحق فخالف من كان قبله من المتقين، فهو ضال مضل شيطان مريد في هذه الأُمَّة، حقيق على من عرَفه أن يُحذّر الناسَ منه، ويبين لهم قصته لئلا يقع في بدعته أحد فيهلك.


قال البربهاري رحمه الله تعالى: واعلم أن الخروج عن الطريق على وجهين، ولهذا نُعنون مسألة وهي مخالفة السُنَّة قد يكون على وجهين، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، الأول خالف السُنَّة وهو مريد للخير، وهذا قد يكون على ضربين – القسم الأول على ضربين - أن يخالف السُنَّة وهو من أهل الاجتهاد والعلم في مسألة فرعية وليست أصلية، فهذا مأجور وخطأه مغفور ولا يقتدى به في هذه المسألة، الضرب الثاني: أن يخالف السُنَّة وهو ليس من أهل الاجتهاد والعلم، فهذا لا يؤجر على اجتهاده، بل هو آثم لأنه مطلوب منه أن يسأل أهل العلم ويرجع لأهل العلم؛ لا أن يخالف السُنَّة بهواه.

القسم الثاني: وهو أن يخالف السُنَّة على وجه المعاندة وترك الحق مع العلم به، هذا - والعياذ بالله – شيطان كما قال المؤلف وشيطان مضل يجب أن يحذر منه، وهذا - والعياذ بالله - أشبه باليهود، لأن اليهود خالفوا الحق كما أخبر الله عزّ وجلّ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ(1) ظلمًا ومعاندة، هم يعرفون الحق وعاندوا في المتابعة، ولهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بُعث وفِئَام من اليهود في المدينة، قال الله عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ(2) ومع ذلك عاندوا وخالفوا الحق، فمن خالف الحق بعد العلم به فهو ضال مضل، ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى قال: شيطان مريد في هذه الأُمَّة، ولهذا الشياطين أيها الأخوة أنواع: شياطين الإنس وشياطين الجن، وكلهم يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا -كما أخبر الله عزّ وجلّ- يغرُّ بعضهم بعضًا، ولهذا أهل الأهواء هم كالشياطين يصرفون الناس عن الصراط المستقيم - والعياذ بالله -، والشيطان بحسب المفارقة -نسأل الله السلامة والعافية- فهناك من شياطين الإنس من يزين للناس الشرك، والشيطان تلاعبه بالعباد لا حدّ له، ولهذا الشيطان جعل الناسَ في بيوت الله عزّ وجلّ يرقصون كما يفعل المتصوفة، يضربون بالطبول ويرقصون، ويعتقدون - والعياذ بالله - بأشياء يضحك منها أي عاقل، لهذا كتاب طبقات الصوفية للشعراني حافل بمثل هذه الأمور -نسأل الله السّلامة والعافية-، فهؤلاء الشياطين جاء في بعض الروايات أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما أخبر بأن الصراط المستقيم واحد وأن الطرق والسبل كثيرة قال: وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه(3)، شيطان يدعو إلى الهوى والبدعة، أن تحسب أن أهل الأهواء معهم الشيطان، شياطين الإنس والجن تعينهم وتؤزهم، ولهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال في أوصاف دعاة جهنم ودعاة الأهواء: «يتكلمون بألسنتنا وهم من جلدتنا»(4)، هذا أعظم الضلال، يأتيك من يضلك، يتكلم بلغتك ويلبس مثلما تلبس، وهو شيطان من شياطين الإنس، يضلك عن الصراط المستقيم، ولهذا تحذر من هذه البدع ولا تجامل فيذلك أحد، تكون ثابتًا على الحق ومعتصمًا بالحق، ولهذا قال بعض السلف: عليك بالسُّنَّة وإن رفضك الناس، ما ترجو إلا رضا الله سبحانه وتعالى، ما ترجو أن الناس يرضون عنك، أهم شيء أن تكون متابعًا لما جاء به النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الشأن كل الشأن في المتابعة، لكن ليس الشأن أن يرضى عنك فلان أو يكثر أتباعك، أو يكثر من يأخذ عنك أو يكثر من يبجلك، ليس هذا الشأن، ولك أسوة، فإن النَّبيّ – وهو نبيّ - يأتي وليس معه أحد، لك أسوة بأنبياء الله، المطلوب هو المتابعة والتأسي ولزوم السُّنَّة كما أوصى المؤلف رحمه الله تعالى.


(1) آل عمران: 19.
(2) البقرة: 146.
(3) صحيح. الدارمي (208). ظلال الجنة (16).
(4) صحيح البخاري (3606).


 مواد ذات صلة: