موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

قواعد مهمة يُوصى بها

فانظر رحمك الله كل مَنْ سمعت كلامَه من أهل زمانك خاصة؛ فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو أحد من العلماء؛ فإن أصبت فيه أثرًا عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا فتسقط في النار.


الله أكبر، وهذه قواعد مهمة يوصيك بها، القاعدة الأولى أو المسألة التي يمكن أن نُعَنْوِنَ: الرفق في تلقي العلم، كن رفيقًا، لا تكن مستعجلًا، وفي النظر في كلام المعاصرين لك، ولهذا كان السلف يُوصونك - كما سوف يأتي في كلام المؤلف - بلزوم العتيق من الدين، لهذا عن أبي قِلابة أن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: "عليكم بالعلم قبل أن يقبض"(1) لأنه ورد في صحيح البخاري «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس؛ ولكن يقبضه بقبض العلماء»(2)، قال: «وقبضه بذهاب أهله»(3) ذهاب أهل العلم، عليكم بالعلم في وصية عبد الله بن مسعود، فإن أحدكم لا يدري متى يقبض، تعلم العمل لأنك ما تدري متى تموت، فإذا مِتَّ وأنت طالب للعلم فأبشر بالخير، كما قال الإمام أحمد أو بعض السلف: اغْدُ عالمًا أو متعلمًا ولا تكن الثالث فتهلك(4) - لا طالب علم ولا متعلم -، الإنسان لا بد أن يواصل في طلب العلم على طريقة أهل السُنَّة، فإن أحدكم لا يدري متى يقبض أو متى يُفتقر إلى ما عنده، قد يُفتقر إلى ما عندك من العلم، يحتاج الناس إليه ولو في مسألة معينة، فتعلمون قصة عبد الرحمن بن عوف في ذهاب عمر بن الخطاب لما نزل الطاعون فهل يدخل بيت المقدس أو لا يدخل؟ حتى جاءهم عبد الرحمن بن عوف راوي الحديث عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم افْتُقِرَ إليه، خفي هذا الأمر إلا عن هذا الصحابي حتى أخبرهم بالسُنَّة عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ وأنه إذا نزل بقوم فلا تدخلوا في تلك البلاد، وإذا كنتم فيها فلا تخرجوا منها(5)، أخبرَهم بالسُنَّة، فـأنت لا تدري، وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، العلم القائم على الدليل وعلى المتابعة، وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق وعليكم بالعتيق، عليكم بالعتيق، فدائمًا كلام المعاصرين يدخل فيه الغَبَش، ولهذا كلام السلف كما قال ابن رجب رحمه الله في رسالته العظيمة "فضل علم السلف على علم الخلف" قال: كلام السلف قليل ولكنه عظيم النفع، وكلام الخلف كثير ولكنه قليل النفع، وهذا العتيق ما كان عليه الأوائل ممن كان قبلكم وهم السلف الذين اعتصموا بكتاب الله وبسُنَّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا قال المؤلف: من سمعت كلامه من أهل زمانك، المؤلف يعني عاصر فترة فيها أهواء وأقوال واضطرابات وأمور، وسوف أُبيّن لك من خلال بعض المواضع عن بعض المسائل يذكرها المؤلف لأن بعض المعاصرين خالف فيها وأظهر الخلاف فيها، مع أنها ربما تكون مسائل قد لا تخطر في بالك، فإذًا المؤلف يتأثر بعصره يقول: إذا سمعت كلامًا فلا تعجلن عليه، ولا تدخلن في شيء حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو أحد من العلماء، وهذا يدلك على قاعدة مهمة أو مسألة مهمة: الحرص على السؤال عن العلم وطلب العلم من أهله، لهذا الإنسان يقرأ كلام السلف ويقرأ أقوال السلف يجدهم من أحرص الناس على هذه الأمور، وفي قصة يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحِميري - هذه موجودة في كتاب الإيمان في صحيح مسلم - أُسوةٌ لك في السؤال عن العلم حينما سأل عبدَ الله بن عمر؛ فإنهما ذهبا حاجين أو معتمرين وقابلوا عبد الله بن عمر رضي الله عنه - كان من كبار الصحابة في وقته في زمان يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري - يسألون عن ماذا؟ عن مسألة من مسائل العقيدة أظهرها معبد الجهني؛ فإنه من أوائل القائلين ببدعة القدر، قال فلان: إن الأمر أُنف، يسألوه، قال: اكتنفته أنا وصاحبي فسألناه عن هذا الأمر، ثم قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه ورضي الله عن أبيه أخبرهم: من لم يؤمن بالقدر فأنا بريء منه وهم براء مني، والله لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر إلى آخر ما ورد بالقصة(6)، موضع الشاهد أنهم ذهبوا لسؤال أهل العلم عن هذه المسألة العقدية والمسألة التي ابتدعها معبد الجهني.

القاعدة الثانية التي أفادك فيها المؤلف: أنك لا تدخل في شيء حتى تنظر فيه هل تكلم فيه أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو أحد من العلماء، هل هناك أحد من أهل العلم - أهل السُنَّة - تكلم في هذه المسألة؟ ولهذا نقل عن الإمام أحمد - وإن كانت ربما تكون في موضع آخر لكنها تفيدك في هذا الباب - أنه قال: لا تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام، هذه المقالة منسوبة إلى الإمام أحمد وقد ذكرها ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد، وسفيان الثوري رحمه الله تعالى - وهو من أئمة السلف - ماذا يوصيك؟ يقول: إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل(7)، صاحب آثار، فلا تعجل في أي شيء، طبعًا كلام السلف رحمهم الله دُرر يحتاج شرحًا وبيانًا، أشياء عظيمة جدًا يستفيد الإنسان منها، وأذكر مقولة أخرى لسفيان الثوري رحمه الله وهي داخلة في باب الإنسان أن لا يكون مستعجلًا، دائمًا في أمر المحدثات والنوازل يكون مُتَّئِدًا، عنده من الهدوء عنده من الرفق عنده من التأني ما يعصمه بإذن الله من الوقوع في الأهواء المضلة والفتن التي تحرف الإنسان عن الصراط المستقيم، النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزِع منه شيء إلا شانه»(8)، والرفق في الدين عظيم، ولهذا سفيان الثوري رحمه الله تعالى له مقالة جميلة في هذا الموضع، قال له رجل: أكْثَرَ الناس في أمر المهدي، المهدي الذي ورد في الروايات والأحاديث عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهي مخرجة في السُّنَن أنه يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جَورًا(9)، أكْثَرَ الناسُ في هذه الروايات، صار الناس بحسب الظروف السياسية التي يمرّون بها يعمدون إلى الإكثار من هذا، فقال سفيان الثوري لهذا الرجل: لو مرّ المهدي بباب بيتك؛ فلا تتبعه حتى يجتمع الناس عليه، فقه عظيم، ففي النوازل لا تكن أنت الأول، أنت محمود حينما تكون الآخر، لست محمودًا أن تكون الأول، لأنه عندك قواعد وأصول لا تفرط فيها، فباب الفتن وباب النوازل يكون الإنسان فيها مترفقًا - رفيق -، ولهذا نعود إلى مقولة الإمام أحمد: لا تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام، يعني المسائل الاجتهادية الاستنباطية، طبعًا لا يُعْنُون بذلك التقدمَ بين يدي النصوص، النص قاض على قول كل أحد، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فتسقط في النار، ولهذا أعاذنا الله وإياكم من الأهواء، الأهواء بريد الكفر وسبب لدخول النار - والعياذ بالله -، ولهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال عن الفرق الوعيدية أن مصيرهم إلى «كلها في النار»(10)، الأهواء في النار وأهل الأهواء في النار، وأهل السُنَّة ولزوم السُنَّة سبب للنجاة ودخول الجنة.


(1) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 97).
(2) صحيح البخاري (100).
(3) هو تتمة أثر ابن مسعود السابق.
(4) جامع بيان العلم وفضله (1/ 141) عن الحسن، أن أبا الدرداء، قال: (كن عالمًا أو متعلمًا، أو محبًا أو متبعًا، ولا تكن الخامس فتهلك) قال: قلت للحسن: وما الخامس؟ قال: المبتدع.
(5) صحيح البخاري (5729).
(6) صحيح مسلم (8).
(7) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 142).
(8) صحيح مسلم (2594).
(9) صحيح. أبو داود (4282). الصحيحة (1529).
(10) حسن. الترمذي (2641). صحيح الجامع (9474).


 مواد ذات صلة: