موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

التحذير من الاستهانة بالبدعة ولو كانت صغيرة

واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأُمَّة كان أولها صغيرًا يشبه الحق؛ فاغترّ بذلك من دخل فيها ثم لم يستطع المخرج؛ منها فعظمت وصارت دينًا يُدان بها؛ فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام.


الله أكبر، هذه الوصية العظيمة، وأنا قلت لكم هذا المصَنَّف من هذا الإمام رحمه الله تعالى تجدون فيه عبارة المؤلف رحمه الله تعالى البربهاري النصيحة والشفقة ويحذر ويبيّن ويشفق، يحذرك من صغار المحدثات صغار البدع فيقول: لا تستهن بهذه البدعة ولو كانت صغيرة، لأن صغار البدع يؤول بها إلى أن تكون كبارًا، فلا تخالف السُنَّة ولو في شيء يسير، تبتدع أشياء من عندك، طبعًا سيرة الصحابة رضوان الله عليهم ومن أعظم فقهاء الصحابة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وله شأن في تحذير الأُمَّة من البدع، وتعرفون القصة المشهورة لعبد الله بن مسعود مع أبي موسى الأشعري حينما رأى أبو موسى الأشعري الحِلَقَ في المسجد يجتمعون ويذكرون الله في كل حلقة؛ وفي كل رأس حلقة رجل يقول: سبحوا مئة؛ هللوا مئة؛ كَبِّرُوا مئة؛ فرآهم أبو موسى الأشعري فاستنكر هذا ولكنه ليس هو في العلم كعبد الله بن مسعود فلجأ إليه فجاءه مترددًا فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت أمرًا أنكرته- أنكره بفطرته السليمة وبما تَعَلَّمَ - وما رأيتُ إلا خيرًا، في ظاهر الأمر أنه خير، ولكنه يسأل عبد الله بن مسعود قال: ما رأيتَ؟ فذكر له ما رأى، فجاءهم عبد الله بن مسعود على وجه السرعة يجر رداءه وهم في تلك الحِلَق؛ فأنكر عليهم وبيّن لهم أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لِتَوِّهِ لم تبلَ ثيابه! ولم تكسر آنيته! يعني آثاره الحسية موجودة؛ فما بالك بآثاره المعنوية: سُنَّته! كيف بكم الآن بسرعة افتتحتم باب الضلالة، آثاره الحسية أمامكم تشاهدونها وترونها وتتبركون بآثاره الحسية، وآثاره المعنوية من باب أولى أنها تكون ظاهرة وموجودة، ثم قال: أو مفتتحون باب ضلالة(1)، ثم نهاهم وأنكر عليهم وبيّن أن هذا الأمر بدعة ومحدث، موضع الشاهد فيه أن الراوي عن عبد الله بن مسعود الذي شاهد هذه الواقعة قال - وهو عمرو بن سلمة – قال: رأينا عامة أولئك الحِلَق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج، انتهى بهم الأمر من بدعة صغيرة بدعة عملية إلى الخروج على أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بل قتال أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم واستحلال الدماء والأموال والخروج عن جماعة المسلمين، فلا تستهن بالبدعة وإن كانت صغيرة، بل كن محاربًا للبدع وأهلها وقائمًا بالسُنَّة وثابتًا عليها ولو فيما يظن بعض الناس أنه يسيرٌ وصغير، ولهذا ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ فالبدع تكون في أولها شبرًا ثم تكثر بالأَتْبَاع، ربما تكون البدعة في أول أمرها بسيطة ثم تكثر بالأَتْبَاع، قد لا تكثر في الزمن الأول بل تكثر بالأتباع حتى تصير أذرعًا وأميالًا وطرائق، في كل مخالفة للشريعة، ليس فقط في البدعة، ألا ترون ما ورد عن عبد الله بن عباس في قصة قوم نوح، أول ما بدأ الشيطان بهم أن صوِّرُوا صورًا وانصبوا تلك الصور في المساجد الى قوم صالحين، قال: ثم مضى العصر فلم تعبد حتى نُسِخَ العلم أو قلَّ العلم؛ عُبِدَتْ، الأمر يبدأ صغيرًا ثم يكون كبيرًا وخاصةً في أمر الدين، لهذا أمر الدين على التسليم وعلى الإيمان وعلى اللزوم والثبات لا على الإحداث، على المتابعة، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسلُّ الشعرة من العجين، هكذا(2)، نسأل الله العافية و السّلامة، المؤلف رحمه الله تعالى مشفق وناصح يقول: واحذر صغار المحدثات من الأمور، كلام عظيم ونافع في تحذير طالب العلم الذي يقرأ كتابه، رحمه الله تعالى وجزاه خير الجزاء وثبتنا على السُنَّة حتى نلقى الله سبحانه وتعالى، نعم.


(1) صحيح. الدارمي (210). الصحيحة (2005).
(2) مدارج السالكين (1/ 239).


 مواد ذات صلة: