موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

من السُنَّة لزوم الجماعة

فمن السُنَّة لزوم الجماعة، ومن رغب عن الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالًّا مضلًّا.


بعد تقرير أن الإسلام هو السُنَّة فصل المؤلف بعد الاعتماد في بيان مفردات الإسلام وأصول الإسلام التي يقوم عليها، فذكر الجماعة، فلهذا المسألة الأولى مفهوم الجماعة في الشريعة، ما المراد بمفهوم الجماعة؟

الجماعة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، الجماعة مصطلح شرعي جاءت النصوص وجاء تفسيرها من خلال النصوص بعد استقراء النصوص لأمرين، جماعة الأبدان، وجماعة الدين، أما جماعة الأبدان فهي الجماعة التي يقوم عليها حاكم مسلم، هذه جماعة الأبدان، وأما جماعة الدين فهي الجماعة المسلمة الذين اجتمعوا على اعتقاد ما كان عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والصحابة، وهم أهل الأثر وأهل الحديث وإن تباعدت أقطارهم، فإذًا ثمّة جماعة أبدان وجماعة الدين، جماعة الدين هم أهل السُنَّة والجماعة، وجماعة الأبدان هم الجماعة التي يتولى عليها حاكم مسلم، ولهذا فهذه الجماعة في موضع أو في مكان ما تجتمع الجماعتان، يعني جماعة الدين وجماعة الأبدان، وقد يفترقان، ولهذا النصوص جاءت بالحث على السمع والطاعة للأئمة وإن جاروا، وإن كان هذا الجور ببدعة، ولهذا قد تكون الدولة غير سُنِّيَّة على غير طريقة أهل السُنَّة والجماعة ومع ذلك قد يؤمر الإنسان بلزوم جماعة الأبدان، واضح؟ ما المراد؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: لزوم الجماعة، ما المراد بلزوم الجماعة؟ اللزوم هو الثبات والدوام على ذلك، يقال: لزم مكانه أي أقام به ولم يفارقه، والجماعة يقابلها ماذا؟ الفُرْقة، والمفارقة قد تكون كفرًا وقد تكون ضلالة بحسب نوع المفارقة، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام، ما معنى ربقة الإسلام؟ هذه مسألة، الرِّبق بالكسر الخيط الواحد، والواحد من هذا الخيط يقال رِبْقَة - ربقة بالكسر -، وهذه الربقة حبل ذو عرى تربط به صغار الغنم حتى لا تضيع، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خاطب الناس بما يعقلون وبلغتهم، فالربقة للغنم تربط صغار الغنم حتى لا تضيع فتكون مجتمعة، وهذا هو أصل اشتقاق الكلمة، فمن فارق الجماعة؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وهذا يقتضي ماذا؟ أن يضل الإنسان، والضلال بحسب مفارقته لجماعة المسلمين.

المسألة التي تليها - وهي تابعة لهذا العنوان - الخروج عن جماعة الدين، وكما ذكرنا أن الجماعة جماعة أبدان وجماعة الدين، الخروج عن جماعة الدين قد يكون في أصل من أصول أهل السُنَّة وقد يكون في فرع لأصل من أصول أهل السُنَّة، في أصل أو في فرع لأصل، تأمل، فالخروج عن جماعة المسلمين التي هي جماعة الدين في أصل من أصول أهل السُنَّة يُخرج هذا الخارج عن مسمى أهل السُنَّة والجماعة، لا يسمى من أهل السُنَّة والجماعة إذا فارق في أصل؛ كمفارقة المعتزلة والخوارج والشيعة والأشعرية والماتريدية، سائر أهل البدع لأن مفارقتهم في أصل من أصول أهل السُنَّة أو في أكثر من أصل من أصول أهل السُنَّة، أما الخروج عن جماعة الدين أي جماعة أهل السُنَّة والجماعة في فرع لأصل أو في مفردة عن ذلك الأصل مسألة جزئية، كأن يُثبت الصفات ولا يثبت صفة من الصفات اجتهادًا منه أو غلطًا أو تأويلًا؛ فهذا لا يُعَدُّ بالمفارقة مفارقًا لجماعة المسلمين وخارجًا عن دائرة أهل السُنَّة والجماعة، واضح هذا؟ هذه المسألة هي مسألة الخروج عن جماعة الدين.

المسألة التي تليها: الخروج عن جماعة الأبدان، ماذا قلنا في جماعة الأبدان؟ قلنا: الجماعة التي يتولى عليها حاكم مسلم، وهذه الجماعة الأصل فيها أنها واحدة، ولكن إذا تعددت فكل إمام واجب الطاعة ويجب على الإنسان أن يلزم هذه الجماعة، ولهذا الجماعة المسلمة جماعة الأبدان قد افترقت من قرون متطاولة، واضح؟ بعد سقوط دولة بني أمية افترقت هذه الجماعة فصارت أكثر من جماعة ثم تعددت، لهذا كل قطر من أقطار المسلمين؛ من تولى عليه حاكم مسلم؛ فهذه جماعة يجب على الإنسان أن يلزمها، واضح؟ وعلى هذا إجماع أهل السُنَّة، ليس ثمَّ خلاف في هذه المسألة، أئمة أهل السُنَّة متفقون على هذا.

الخروج عن جماعة الأبدان بماذا يكون؟ يكون بأمرين أو بشيئين، الأول أن يمتنع عن بيعة الإمام؛ فلا يعتقد أن في عنقه بيعة، أو يعتقد جواز الخروج على الإمام ولو لم يخرج، واضح؟ وهذا ما كان يشير إليه السلف عند جرحهم لبعض الرواة؛ يقولون: كان يرى السيف، مع أنه لم يخرج، ويتركون حديثه ويبدعونه، فإذًا هذا خروج معنوي، واضح؟

المسألة الثانية وهي واضحة في الخروج عن جماعة الأبدان؛ الذين يخرجون على الإمام بسيوفهم.


 مواد ذات صلة: