موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح شرح السنة

  

مقدمة الشارح

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا وبعد.

أسأل الله سبحانه وتعالى كما جمعنا في هذا المكان الطاهر؛ أن يجمعنا في مستقر رحمته، وأن يوفقنا إلى القول والعمل، وأن يهدينا إلى السُنَّة وأن يثبتنا عليها حتى نلقاه وأن يعصمنا من الأهواء المضلّة.

كتابنا في هذه الدورة كتاب عظيم، شديد القدر، عظيم النفع، كتاب شرح السُنَّة للإمام البربهاري رحمه الله تعالى، ولا شك أنه قبل البدء في قراءة فقرات هذا الكتاب لابد من التعريف بهذا الإمام الذي صنف هذا السفر العظيم في بيان السُنَّة، وبيننا وبينه سنوات طويلة؛ بل قرون متطاولة، ولكن الله سبحانه وتعالى ببركة متابعة محمد صلّى الله عليه وسلّم والنية الصادقة لهذا الإمام - نحسبه والله حسيبه - أبقى الله سبحانه هذا الكتاب يُقرأ ويُتَعلم منه ويُشرح ويستفيد الناس منه، وهذا فائدة لطالب العلم أن يَحرص كل الحرص على تحقيق الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وتجريد المتابعة للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا ينظر إلى النتائج الوقتيّة، بل ينظر إلى ما يُرضي الله سبحانه وتعالى، فالإمام البربهاري رحمه الله تعالى نشأ في عصر حصلت فيه فتن وقلاقل وأمور كثيرة جداً، ولهذا نبدأ أولًا بالتعريف به رحمه الله تعالى، وهو أبو محمد؛ الحسن بن علي بن خلف البربهاري، وإنما نُسِبَ إلى بربهار وهي الأدوية التي تُجلب من الهند؛ فيتعالج الناسُ بها، ويبدو والله أعلم أن حاضرة الخلافة في ذاك الوقت يُسمون الإنسان أو ينسبونه إلى ما يتعاطى، فلعل جَدًّا من أجداده اشتغل بهذا فنسب إلى هذا يعني إلى بربهار، طبعًا البربهاري رحمه الله تعالى نشأ وترعرع في بغداد وعاش فيها، وبغداد في زمن المؤلف - البربهاري رحمه الله تعالى - كانت هي عاصمة الخلافة الإسلامية، تلقى رحمه الله تعالى من كبار أصحاب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السُنَّة، فعلى سبيل المثال منهم أحمد بن محمد الحجاج المروزي المتوفى سَنَة خمس وسبعين بعد المئتين وسهل بن عبد الله التستري المتوفى سُنَّة اثنين وثمانين بعد المئتين.

أما ما يتعلق بمكانته العلمية؛ فأبرز ما يتميز به البربهاري رحمه الله تعالى نصرته للسُنَّة، والاحتساب على ذلك، وشجاعته في إظهار السُنَّة والرد على المخالفين؛ حتى قيل فيه: إذا رأيت البغدادي يحب البربهاري؛ فاعلم أنه صاحب سُنَّة، وقال عنه الذهبي رحمه الله تعالى -وهو شافعي المذهب: الفقيه القدوة؛ شيخ الحنابلة في وقته - يقصد البربهاري -، وقال عنه الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: الفقيه القدوة شيخ الحنابلة في وقته، وأما أبرز من أخذ العلم عنه فتلميذه المشهور والمعروف ابن بطة رحمه الله تعالى صاحب كتاب الإبانة في السُنَّة، أما ما يتعلق بمصنفاته رحمه الله تعالى فلم يصلنا من مؤلفاته إلا الكتاب الذي بين أيديكم وهو بعنوان شرح السُنَّة.

قبل أن ننتقل إلى القراءة في الكتاب أحب أن أفيدكم بفوائد مهمة تستفيدونها عند قراءة أي كتاب أو عند الحكم على أي شخصية من الشخصيات، أي شخصية علمية أو تاريخية لا بد من الحكم عليها، لا بد للإنسان أن يُلِمَّ بالعصر الذي عاش فيه المؤلف، ولهذا تجد في البحوث الأكاديمية يشترطون في الدراسات أنك تقدم بالناحية السياسية والاجتماعية والعلمية، وما ذاك إلا أن الإنسان يتأثر بعصره ويؤثِّرُ فيه، ومن العدل عند الحكم على الشخصيات أن تنظر إلى العصر الذي عاش فيه المؤلف، وأنت لا تستطيع على وجه التفصيل والدقة أن تُلِمَّ بالعصر الذي عاش فيه المؤلف، ولكن يكفيك العناوين البارزة حتى تعرف النفسية التي عاشها المؤلف رحمه الله تعالى، فليس من العدل أن يكون مثلًا مؤلف من المؤلفين كتب كتابًا وهو تحت ضغوط نفسية ثم لظهور البدع والمحدثات وأشياء كثيرة؛ تقارنه بشخص كتب مؤلف أو كتب المؤلف فيه في وقت ظهور السُنَّة، فربما تجد بعض العبارات التي ربما لا تناسب المقام فتجد لهذا الإمام العذر في ذلك لأنك لم تعش العصر الذي عاش فيه المؤلف رحمه الله تعالى، والعصر الذي عاش فيه الإمام البربهاري رحمه الله تعالى عصر فتن وقلاقل واضطرابات سياسية، يكفي أن تعرف أن المؤلف رحمه الله تعالى البربهاري عاصر الفتنة العظيمة وهي تسلط القرامطة على بلاد المسلمين بهَجَر، ووصل الأمر إلى أنهم اقتلعوا الحجر الأسود وقتلوا الحُجَّاج في الطواف وفي المسعى، وجرت فتنة عظيمة بسببهم واقتلعوا الحجر الأسود وذهبوا به إلى هَجَر؛ حتى أعاده الله سبحانه وتعالى، فإذًا العصر الذي عاش فيه المؤلف رحمه الله تعالى عصر اضطراب وفتن، المؤلف رحمه الله تعالى من أئمة أهل السُنَّة، وهذا الكتاب النافع أثنى عليه أهل العلم وعناوينه عظيمة وقواعده نافعة، وإنما يشرق لهذا الكتاب أهل البدع ويبغضون البربهاري لأنه صريح وشجاع رحمه الله تعالى في نصرة السُنَّة وإظهار السُنَّة، والسُنَّة قاضية على كل أحد، ولهذا من المعاصرين من تطاول على هذا الإمام، منهم الكوثري الجهمي في تعليقه على كتاب ابن عساكر تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري لابن عساكر، تسلط هذا الكوثري على البربهاري وكعادته عامله الله تعالى بعدله بتسلطه على كتب الأئمة يبث فيها قيئه وسمومه وتلبيسه، ولا يضر البربهاري ذلك، فقد سقت لكم قول الإمام أبي عبد الله الفقيه إذا رأيت الرجل البغدادي يحب البربهاري فاعلم أنه صاحب سُنَّة وإذا رأيته يبغضه فاعلم أنه صاحب بدعة، والكوثري لم يتسلط فقط على البربهاري بل تسلط على أئمة كثر، وهو جهمي معروف عدوٌّ للسُنَّة، نسأل الله السّلامة والعافية.

نبدأ الآن بالقراءة نعم.


 مواد ذات صلة: