موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح العقيدة الواسطية

  

الْوَاجِبُ نَحْوَ الصَّحَابَةِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ

وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَلَامَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(1)، وَطَاعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ».

وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، فَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ - وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ - وَقَاتَلَ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِهِ وَقَاتَلَ، وَيُقَدِّمُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْأَنْصَارِ.

وَيُؤْمِنُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ - وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ»(2).

وَبِأَنَّهُ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»(3)؛ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ لَقَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.

وَيَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كَالْعَشَرَةِ(4)، وَكَثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ(5)، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ.

وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ؛ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ(6)، وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانِ، وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ.

وَكَمَا أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ فِي الْبَيْعَةِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؛ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ، وَسَكَتُوا، وَرَبَّعُوا بِعَلِيِّ، وَقَدَّمَ قَوْمٌ عَلِيًّا، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا.

لَكِنِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ، ثُمَّ عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ - مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - لَيْسَتْ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّة، لَكِنَّ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا مَسْأَلَةُ الْخِلَافَةِ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ؛ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ.


تكلم رحمه الله تعالى عن الصحابة رضي الله عنهم الذين لهم المِنَّة بعد الله ثم رسوله صلّى الله عليه وسلّم على الأُمَّة إلى قيام الساعة، فما سبَّح مُسَبِّح ولا هلَّل مُهلل ولا قرأ القرآن قارئ ولا صلّى ولا صام ولا حج إلا لأن الصحابة رضي الله عنهم نقلوا إليه دين الله، وهيأهم الله تعالى لذلك رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وفيهم وهم أسعد الناس بقوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(7).

أَمْرُ الصحابة رضي الله عنهم أمرُ ممايزة عظيمة جدًا غير قابل للمداهنة والتلاعب، فمن تعرَّض للصحابة رضي الله عنهم بالمسبّة بالجملة فإنه بإجماع أهل السُّنَّة كافر خارج من الملة، بالإجماع، إذا تعرَّض لجميع الصحابة، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه الصارم، لأن مقتضى هذا تكذيبُ الله تعالى، الذي ترضّى عنهم الله وأثنى عليهم وزكى قلوبهم، من المهم أن يُعرف ويُضبط تعريفُ الصحابي لأن هذا مما أثار حوله هؤلاء المجرمون جملة من الزوبعة والكلام، الصحابي هو من لقي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مؤمنًا به ومات على ذلك، هذا هو الصحابي، ولو كان اللقاء أدنى لقاء، ولوكان رآه يخطب صلّى الله عليه وسلّم ثم لم يره بعد ذلك، فإن قيل: لم خُصَّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه المزية مع أن الصحبة عادة تطلق على الملازمة؟ يُقال: السبب عظمة المصحوب صلّى الله عليه وسلّم، وقد ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال كما في مسلم: «مِنْ أَحَبِّ أمتي لي قوم يحبون أن يروني بأهلهم وأموالهم»(8) مجرد رؤيا له عليه الصّلاة والسّلام، هؤلاء من أحب الأُمَّة الذين يحبون فعلًا رسول الله أن الواحد منهم يتمنى أن يرى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رؤيا فقط يراه هكذا صلوات الله وسلامه عليه ولو هلك أهله وخسر ماله، رؤية محمد صلّى الله عليه وسلّم ليس رؤية أي أحد، فلهذا الجهلة الذين لم يفقهوا هذه المسألة قالوا: أنتم الآن تُعَظِّمُون من شأن الصحابة، مجرد رجل رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب! تقولون: إنه صحابي وإنه عدل! نعم، لأن الله تعالى اختاره اختيارًا ليرى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد هاجر أناس للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لِيَرَوه فلم يسعدوا برؤيته عليه الصّلاة والسّلام، توفي قبل أن يروه، لهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه في أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قوم اختارهم الله لصحبته(9)، فهم مختارون لم يكونوا عبطًا، في تلك الفترة جاء شخص اسمه أبو بكر وآخر اسمه عمر! اختارهم الله تعالى اختيارًا بلا أدنى شك، فالصحبة هذا هو معناها الحقيقي: من لقي النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أدنى لقاء مؤمنًا به ومات على هذا، أما لو ارتد فهو كافر، ولهذا الصحابة ليس فيهم كافر رضي الله عنهم، لأن الكافر خرج من الصحبة ومن الإسلام.

سلامة القلوب من الحسد والغل، وسلامة الألسنة من الألفاظ البذيئة والسب والشتم، وهذا الذي أمر الله تعالى به في صريح القرآن بعد أن ذكر المهاجرين وذكر الأنصار قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ(10)، وثبت هذا الحديث العظيم في الصحيحين قوله صلّى الله عليه وسلّم «لا تسبوا أصحابي؛ فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا؛ ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»(11) الصاع أربعة أمداد، يعني ربع الصاع ونصيف الربع يعني نصف الربع، لو أن أحدًا ممن أتى بعد الصحابة رضي الله عنهم أنفق مثل أحد ذهبًا - هذا لا يكاد يُتصور - أحد جبل كبير جدًا، لو أنه أنفق ذهبًا مثل أحد لا يقال: يكون مثل النصيف أو المد، لا والله لا يبلغه أصلًا، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وذلك أن المتقدمين لهم الفضل كما قال تعالى في دعاء الموفّقين ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ(12) سبقونا بالإيمان، سبقونا بالخير، سبقونا بالصّلاة، سبقونا بالعبادة، سبقونا بقراءة القرآن، سبقونا بالجهاد في سبيل الله، شرّفهم الله بأن يكونوا مع النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ(13)، فهم معه عليه الصّلاة والسّلام، من أتى ممن بعده صلّى الله عليه وسلّم لم يكونوا معه وإنما جاءوا بعده كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فَرْقٌ بين من يقول (معه) وبين من يقول (من بعده)، فاختارهم الله اختيارًا رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

يقبلون أي أهل السُّنَّة ما جاء بالقرآن وما في السُّنَّة وما في الإجماع، وهذه كما قلنا مصادر التلقي، من فضائلهم رضي الله عنهم والمراتب العظيمة التي جاءت فيهم؛ من ذلك ما يتعلق بفضيلة المهاجرين فهم أفضل من الأنصار، ما يتعلق بفضيلة العشرة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وهم أفضل الصحابة، وأفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ، هذا الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم، وقال بعض أهل السُّنَّة إن الصحابة ترتيبهم على النحو الآتي أبو بكر ثم عمر ثم عليّ ثم عثمان رضي الله عنهم جميعًا، والصواب الذي لا إشكال فيه هو هذا وهو القول الصحيح والقول السابق مهجور، والسبب في أنه مهجور أن الصحابة رضي الله عنهم لمَّا طُعِنَ عمرُ رضي الله عنه وجعل الأمر شورى في السِّتَّة اختار الصحابة من بين الستة عثمان على عليّ، فلولا أنه أفضل من عليّ لَمَا اختاروه، أمر آخر ثبت في البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه أنه يقول: (كنا نقول على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أفضل أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان؛ فيَبْلُغُ ذلك رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم فلا ينكره)(14)، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لو أتاه منكر مثل هذه التفضيلات على غير الصواب لأنكره، فلا شك أن عثمان مُقدَّم على عليّ رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين، من فضائلهم أيضًا أصحاب الشجرة الذين بايعوا بيعة الرضوان وقال الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ(15)، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا يدخل النارَ(16) أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة»(17)، أيضًا أهل السُّنَّة يشهدون لمن شهد له النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ يشهدون لمن شهد له بالجنة، سواء العشرة أو غيرهم كخديجة وفاطمة وزوجات النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا شك أنهن في الجنة لأن الزوجة مع زوجها والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قطعًا في الجنة عليه الصّلاة والسّلام.

الآن مسألة التفضيل بأن يفضل أحدٌ عليًّا على عثمان هذه مسألة قال: لا يُضلل بها، لا يقال إنه ضل، لكن التي يُضلل بها؛ لو أنه طعن في خلافة أحد منهم، فلو قال: الترتيب أبو بكر ثم عمر ثم عليّ ثم عثمان؛ يقول: لا يضلل، لكن لو قال: الخلافة كان ينبغي بعد عمر أن تكون لعليّ ثم عثمان! يضلل، لأن ترتيبهم رضي الله تعالى عنهم بالفضل على الصحيح كترتيبهم بالخلافة، لكن لو قَدَّم عليًّا على عثمان لا يضلل، لكن لو قال في خلافة أي منهم أنه لا يستحقها؛ فإنه يضلل ولهذا قال: إنه من طعن في خلافة أي منهم فإنه أضل من حمار أهله، يعني ينسب الحمار دائمًا إلى البلادة وقلة الفهم.


(1) الحشر: 10.
(2) صحيح البخاري (3007).
(3) صحيح. أبو داود (4653). صحيح الجامع (7680).
(4) صحيح. أبو داود (4649). صحيح الجامع (4010).
(5) صحيح البخاري (3613).
(6) صحيح البخاري (3671) بنحوه.
(7) آل عمران: 110.
(8) صحيح. أحمد (9399). الصحيحة (7/ 1291).
(9) ضعيف. جامع بيان العلم وفضله (974/2). انظر تحقيق مشكاة المصابيح (1/ 68).
(10) الحشر: 10.
(11) صحيح البخاري (3673).
(12) الحشر: 10.
(13) التوبة: 88.
(14) صحيح. أبو داود (4628). صحيح وضعيف أبي داود (4628).
(15) الفتح: 18.
(16) هنا قال الشارح: (الجنة) وهو سبق لسان –كما لا يخفى-.
(17) سبق تخريجه.


 مواد ذات صلة: