موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح العقيدة الواسطية

  

الصِّرَاطُ مَعْنَاهُ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ مُرُورِ النَّاسِ عَلَيْهِ

وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالرِّيحِ، ومِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الْجَوَادِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَرِكَابِ الإِبِلِ، ومِنْهُم مَن يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُم مَن يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُم مَن يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمَنْهُم مَن يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْجِسرَ عَلَيْهِ كَلاَلِيبُ تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِم، فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وُقِفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ فَيُقْتَصَّ لِبَعْضِهِم مِن بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ.


تكلم بعد ذلك رحمه الله عن الصراط، والصراط في اللغة هو الطريق من حيث معنى الصراط، وأما الصراط المراد هنا فقد بيّنه رحمه الله بأنه جسر بين الجنة والنار، هذا الصراط يُجعل على متن جهنم – يعني على ظهر النار -، يمُرُّ الناس عليه، المرور على هذا الصراط ليس بقوة الأبدًان ولا بالشباب، وإنما بعد رحمة الله تعالى على قدر الأعمال، وبحسب ثبات المرء في الدنيا على صراط رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكون ثباتُه في ذاك الموقف العصيب حين يَمُرُّ على الصراط.

ولهذا يتفاوت الناس، الناس يتفاوتون في الدنيا في أعمالهم، في لزومهم للسُّنَّة، في إخلاصهم، في عملهم ومحافظتهم على ما أوجب الله، وترْكِهِم لما حرم الله، فلما تفاوتوا في الدنيا؛ كان من زاد إيمانه وعظم أمر إخلاصه؛ كان ثباته على الصراط أعظم ومروره عليه أشد، لأن المرور على الصراط؛ جاء في كلام لبعض الصحابة أن هذا الصراط أشد من حدِّ السيف، فليس المرور عليه ليس بالأمر اليسير أو أن يمشي الإنسان الهوينى، بل كلٌّ يرجو النجاة والسّلامة والذي أسفل منه - والعياذ بالله – هي النار، فمن وقع من هذا الصراط فإنه يكون من أهلها – نسأل العافية والسلامة - فيمر الناس على حسب أعمالهم – بعد رحمة الله تعالى -، فمنهم من يمرُّ كلمح البصر - هذا من المُوَفَّقِين -، لمح البصر شيء يسير جدًا، تلمح هكذا ببصرك، فهذا يمر على الصراط بفضل الله عزّ وجلّ عليه ورحمته له كأنه لمح البصر، بدء منه ثم انتهى منه مباشرة كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، البرق لمعانه أيضًا فترة محدودة، ومنهم من يمر كالريح، الريح أيضًا في سرعتها متفاوتة، لكن لا شك أنها تكون سريعة، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، الفرس الجواد سريع عدوه، ومنهم من يمر كرِشَاد الإبل، ورِشَاد الإبل أبطأ من الفرس الجواد، ومنهم من يعدو عدوًا يركض، ومنهم من يمشي مشيًا معتادًا، ومنهم من يزحف، يعني على مقعدته يزحف زحفًا لا يمشي على رجليه وإنما يزحف، وهذا بحسب تفاوت الأعمال، ومنهم – نسأل الله العافية - من يخطف ويلقى في جهنم، فإن الجسر هذا عليه كلاليب، والكلاليب جمع الكلُّوب، والكلُّوب هو الحديدة معكوفة الرأس، قد قضى الله تعالى وهو العليم الخبير بأن فلانًا هذا حين يمر قد كُتب أن يكون من أهل النار فإذا مرّ لا يُترك، حتى ولا يمشي ولا يزحف زحفًا حتى ينجو، وإنما يجرُّ – نسأل الله العافية – من فوق هذا الصراط ويُرمى به في النار، والظاهر أن الذين يمرُّون هم أهل الإسلام لأن الكفار يُوردون إلى النار - نسأل الله العافية - ويحشرون إليها حشرًا، فبحسب هذا التفاوت العظيم في الأعمال في الدنيا والإخلاص لله تعالى وقَبول الله سبحانه وتعالى من العبد يكون المرور على الصراط، والصراط موضع من المواضع العظيمة العجيبة التي فيها للمؤمن مُعتبر، فهو موضع ليس الأمر فيه أمر شباب ولا أمر قوة بدن وإنما بعد رحمة الله تعالى المرور على حسب الأعمال.

مَنْ مرَّ على الصراط وفرغ منه وسَلِمَ من دخول النار بأن يسقط من هذا الصراط إلى النار؛ فإنه يكون من أهل الجنة ينجو، لكن لمَّا كان أهل الإسلام يكون فيما بينهم مشاحنات ومظالم؛ فإنهم بعد أن ينتهوا من الصراط يُوقفون على قنطرة، هذه القنطرة قيل: إنها مؤخر الصراط، آخر الصراط، يوقفون عليه، وقيل: صراط آخر فيقتص بعضهم من بعض، حتى لو أن أحدهم لطم أخاه في الدنيا؛ فإنه لا يدخل الجنة حتى يُقتص منه، بل بلغ من عَدْلِ الله عزّ وجلّ الذي لا يظلم مثقال ذرة لو أن رجلًا من أهل الجنة تعدَّى على رجل من أهل النار؛ فإنه لا يدخل الجنة حتى يُقتص منه قال تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ(1)، العدل المطلق لله عزّ وجلّ، هذا لا يحل بتاتًا أن يسمي أحدًا نفسه أو حكمه بالعدل المطلق، العدل المطلق عند الله عزّ وجلّ الذي يعلم السرّ وأخفى، والذي يوفي كل نفس عملها، فحتى لو تعدّى مسلم على من أهل الجنة على كافر ظلمه وتعدّى عليه فلن يتركه الله تعالى، وسيُقتص منه مع أن ذلك في النار، لكن لا يترك، لأن المظالم هذه في ملكوت الله عزّ وجلّ، والعباد عباد الله، فليس لك أن تتلفظ بكلمة ولا أن تمد يدك على خلاف الشرع؛ فإن فعلت فإن الله تعالى سيجازيك على هذا، ولهذا مقام القيامة مقام عظيم جدًا مقام كبير، يجب معه مراجعة النفوس وإعادة النظر في كثير من أقوالنا وأفعالنا، ولو أن الله تعالى أعاننا على هذا لتركنا كثيرًا من أقوالنا وكثيرًا من أفعالنا، لأن من أعدّ لمثل هذه المواقف لا شك أنه يَقِلُّ كلامه، ولا شك أن المقام مقام إن لم يدرك الله تعالى فيه الرحمة فالإنسان يهلك، لأنه قد يكون له ألفاظ في غير محلها وقد يكون له مد يد على بعض ولا سيما الضعفة والمساكين هؤلاء، وقد يظلم بعضَ من يكون تحت يده ممن هم في حال من الضعف والحاجة إليه، فإن المقام عظيم، والعدل مطلق عند الله تعالى يوفي كل نفس سبحانه وتعالى كل نفس ما كسبت، فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا - هم الذين سيدخلون الجنة - لا يدخلونها إلا وقد هُذّب ما بينهم ونُظِّفَ ما في قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(2)، فيزول ما في نفوسهم وتلك المظالم وتلك الضربة وذلك التعدي وتلك الغيبة وذلك الأمر الذي عمله مع أخيه المسلم بطريقة غير لائقة من سخرية من كذا، يهذبون تهذيبًا، بعد ذلك يدخلون الجنة إخوانًا على سُرر متقابلين بعد أن يُهذّبوا وبعد يُنَقّوا.


(1) غافر: 17.
(2) الحجر: 47.


 مواد ذات صلة: