موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح العقيدة الواسطية

  

وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً

وَمِنَ الإِيمَانِ باللهِ وَكُتُبِهِ الإيمانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللهِ، مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم هُوَ كَلامُ اللهِ حَقِيقَةً، لاَ كَلامُ غَيْرِهِ، وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ؛ بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.

وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُرُوفُهُ، ومَعَانِيهِ؛ لَيْسَ كَلامُ اللهِ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي، وَلاَ الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ.


قرّر في هذا ما قرَّرَه أهلُ السُّنَّة من أن القرآن كلام الله، وعندنا إضافة، مضاف ومضاف إليه، كلام الله، فهو كلام الله تعالى وليس كلام غيره، ثم إنه مُنَزَّل كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)عَلَى قَلْبِكَ(1)، وكما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ(2)، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ(3)، كثيرة الآيات الدالة على أنه نزل من عند الله، غير مخلوق: تقدم الكلام على كونه؛ لما كان الكلام صفة من صفات الله وليس في صفات الله قطعًا شيء والقرآن من كلام الله يتعين أن نعتقد أن القرآن غير مخلوق لأن الله تعالى ليس منه شيء مخلوق.

قال: منه بدأ، أي أن الله ابتدأ الكلام به، هو الذي تكلم به عزّ وجلّ، فمنه بدأ الكلام سبحانه، وإليه يعود: إليه يعود، جاء في الحديث أن القرآن في آخر الزمان يُسرى عليه فلا يبقى منه شيءٌ في الصدور ولا في السطور(4) - نسال الله العافية والسلامة - وهذا في آخر الزمان، لا يبقى شيء في السطور مكتوب ولا يبقى شيء في السطور محفوظ، يُسْرَى عليه، وهذا في آخر الزمان يفسد الناسُ الفسادَ العام - عياذًا بالله - فيُهجر القرآنُ، والقرآن أعظمُ وأجلُّ من أن يبقى بين قومٍ لا يقدرونه حق قدره ولا يقومون به؛ فيرفع، فلهذا قال: (منه بدأ وإليه يعود)(5)، وهذا من الفتن العظيمة الهائلة، الدنيا بدون القرآن لا تساوي شيئا لكن لفساد الناس، فإذا فسد الناسُ الفسادَ العام الهائل هذا لا يبقى للقرآن موضع، لأن القرآن موضع نزل هداية للناس، فإذا لم يهتدوا به جميعًا ولم يوجد ولا طائفة غير الطائفة التي قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم «لا تزال طائفة من أمتي»(6) فإن القرآن أجلّ وأرفع من أن يبقى في صدور الناس أو في السطور وهم قد هجروه بالجملة، وإليه تعالى يعود.

النتيجة أن الله تكلم به حقيقة، لأنه من الله بدأ، ولأنه كلام الله، ولأنه غير مخلوق، لأن صفة الله تعالى غير مخلوقة، والقرآن من كلام الله، إذًا فالله تعالى هو الذي تكلم بالقرآن حقيقة، هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلّى الله عليه وسلّم هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، قد يسأل طالب العلم وهل في الأُمَّة في أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم من يشهدون أن محمدًا رسول الله من يقول: إن هذا القرآن كلام غير الله؟ بكل أسف نعم، وهي مقولة المتكلمين الذين ضلّوا ضلالًا مبينًا في أمْر القرآن، ومنه نشأت أصلًا الفتنة التي أثارها المعتزلة بدعواهم أن القرآن مخلوق، لأن المعتزلة تعتقد أن الله تعالى ليس له صفات؛ وأن صفاته عياذًا بالله مخلوقة، وهي مقولة شنيعة جدًا، ووقف كما قلنا أهل العلم لهم الموقف العظيم ورأوا أن المسألة مسألة كفر أو إيمان، لأن القول بأن القرآن مخلوق نشأ عن مقولة المعتزلة القذرة الخبيثة أن كلام الله مخلوق، فبناءً عليه قالوا: إن القرآن ما دام الكلام قد خلقه الله؛ فإن القرآن مخلوق، ولهذا قلنا: إن المسألة مسألة كفر وإيمان وأجمع أهل السُّنَّة على أن من قال: إن القرآن مخلوق فإنه يكفر، وذكرنا كلام اللالكائي وما ذكره من الإجماع في كتابه وقَبْلَهُ الدارقطني ذكروا إجماع أهل العلم على أن من قال: إن القرآن مخلوق فإنه يكفر، من أين جاءتنا هذه البلية؟ تقدم أن الفلسفة اليونانية لما تُرجمت كان من ضمنها بلية من البلايا التي اقتنع بها المتكلمون - طويل الكلام فيها - سمَّوها حلولَ الحوادث، وقالوا: إنهم بناءً على هذا ينفون عن الله تعالى الصفات، فالمعتزلة نفوا عن الله تعالى جميع الصفات بناءً على هذا الدليل، والجهم بن صفوان بناءً على هذا الدليل نفى عن الله جميع الأسماء وجميع الصفات، والكُلَّابية نفوا عن الله تعالى الصفات الفعلية وأثبتوا الصفات الذاتية، والعجب كل العجب أن الجهمية والمعتزلة والكُلّابية كلهم متفقون على أن الفلاسفة ضلال زائغون ما فيهم أحد يقول: إنهم هداة مهتدون؛ ومع ذلك استمسكوا بهذه المقولات الفلسفية هذا الاستمساك وأرادوا أن يصبُّوا هذه الكفريات في قالب إسلامي، وأرادوا - كما قلنا - الجمع بين الإسلام وبين الفلسفة كما هو حاصل في هذه الفتن التي جاءت الأُمَّة في السنين الأخيرة من زيغ أهل المشرق بالشيوعية أو زيغ الغربيين بالديموقراطية أو الترويج الآن الترويج لليبرالية وأن ثمة ليبرالية إسلامية وثمة ديموقراطية إسلامية واشتراكية إسلامية نفس البلاء، وهو الانفتاح ولا سيما من قِبَلِ مَنْ هم ليسوا من أهل العلم، لأن أهل العلم الذين أصلح الله عقيدتهم ورسخت في العلم أقدامهم إذا قرأوا مثل هذه المذاهب الضالة استسخفوها واستثمجوها وردّوها بأعظم الرد، وذكرنا عدة مرات ما قاله أبو الزناد رحمه الله أن قاسم ابن محمد وهو من فقهاء الأُمَّة الكبار ومن أعظمهم سمتًا وأدبًا رحمة الله عليه وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر جده أبو بكر وعمته عائشة رضي الله عنها وهو يروي عن عائشة كثيرًا وكان ذا سمتٍ عجيب وذا هديٍ ومن أئمة الإسلام حتى قال عمر بن عبد العزيز: (لو كان الأمر إليّ ما جاوزت في أمر الخلافة أُعَيِّشَ بني بكر)(7) يقول: يستحق أن يكون خليفة، هذا الرجل ذو السّمت وذو العلم وذو العبادة يقول أبو الزناد عنه: (كان إذا سمع شبهات أهل الأهواء ضحك ضحك الفتى)(8) الفتى يتميز بأنه إذا ضحك ليس منه ضحك العقلاء والرجال يضحك ويتبسم، لا ينطلق انطلاقًا شديدًا في الضحك حتى لو طُلب منه لو هُدد يريد إسكاته تأبّى عليك الفتى يستمر يضحك حتى لو ضُرب بعض الأحيان يضحك لأنه فتى، أبو الزناد(9) هذا العالم ذو السّمت لماذا يضحك هذا الضحك؟ وأنت تعلم أن الضحك الذي يثيره إذا سمعت القول ما هو؟ سخافة القول، فالقول عنده في غاية السخف والسفاهة، لأن بعض هذه الأقوال وهذا من أعاجيبها أوّلها لا تحتاج ردّ، أوّلها يرده آخرها، فتعجب من هذا القول الذي يتبناه هؤلاء وقد قال في أول كلامه ما نقضه في آخره، تضحك، فإذا وقف على هذه الشبهات أهل العلم وأهل الرسوخ عرفوا ما فيها من السخف وما فيها من السوء والسفه، لكن إذا وقف عليها ممن لم ترسخ أقدامهم فإنهم يضلّون بها، ولهذا استقدمت المعتزلةُ من الفلسفة هذا الدليل واستقدمه قبلهم الجهمُ بن صفوان وأثّر في الجميع، لهذا قال ابن تيمية رحمه الله: هذا الدليل هو الذي أرْدَاهم بل هدَّ كل قواعد الإيمان، الدليل الذي استقدموه من الفلسفة مع أنهم يقولون: الفلاسفة كفار ويردُّون على الفلاسفة وعلى الفلسفة لكن تبّنوا منهم هذه المقولة، ولهذا لما جاءت الفلاسفة المسمون بالإسلاميين وهذا خطأ ليس في هؤلاء المسمّين بالفلاسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي هؤلاء ليسوا من الإسلام بسبيل لأنهم على طريقة الفلاسفة السابقين وإن انتشرت أسمائهم للأسف بهذه التسمية، لمّا جاء المنتسبون للإسلام من الفلاسفة الذين تبنوا الفلسفة بعيدًا عن الكلام دخلوا مع هؤلاء في نقاشات مطولة وردوا على هؤلاء المتكلمين وحيّروهم، لهذا كان رد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على الطرفين على هذين جميعًا، لأن المتكلمين ينتسبون للإسلام وأرادوا الردَّ على الزنادقة من الفلاسفة لكن لا يُحسنون الردَّ لأنهم سلّموا للفلاسفة مقولات باطلة يلزمهم التسليم بلوازمها، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (يا محنة الإيمان والقرآن من جهل الصديق وبغي ذي طغيان

وأتى العدو - يعني الفلاسفة - إلى سلاحهم فقاتلهم به في غيبة الفرسان)

أخذ الفلاسفةُ نفسَ السلاح ونفسَ ما قَبِلُوه من فلسفة فقاتلوهم بنفس السلاح (وأتى العدو إلى سلاحهم فقاتلهم به في غيبة الفرسان، يا محنة الإيمان والقرآن من جهل الصديق وبغي ذي طغيان)، فقيّض اللهُ تعالى شيخَ الإسلام رحمه الله تعالى فنقض عليهم المنطقَ ورد على الفلاسفة ردودًا عظيمة وردّ على ابن رشد وعلى أمثاله وقمعهم قمعًا عظيمًا رحمة الله عليه، وردّ أيضًا على فروع هذه المقولات الموجودة عند المعتزلة وعند الجهمية وعند فروع الجهمية من الأشعرية والماتريدية ردّ عليهم ردودًا محكمة رحمه الله تعالى، وكان يُردد رحمه الله تعالى أن المتكلمين برُدُوْدِهِم على الفلاسفة؛ لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا، لا هم نصروا للإسلام نصرًا سليمًا وفق أصول دقيقة ولا هم بالذين كسروا مقولة الفلاسفة، مقولة الفلاسفة خطرة جدًا لأن مقتضاها عدم الإيمان بالله تعالى ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله، هذه هي حقيقة مقولة الفلاسفة، فأرادوا أن يأخذوا منهم مثل هذه المقولات وأن يبقوا على الإسلام فأتى الفلاسفة فقاتلوهم بنفس المقولات التي تكلموها، ولهذا كانت المحنة كبيرة جدًا بالمتكلمين والمعتزلة وأضرابهم، كانت كبيرة جدًا عَبْر الأُمَّة وهي من أكثر الفرق الكلامية هي من أكثر ما شقّق الأُمَّة، من أكثر ما شتت الأُمَّة الفرق الكلامية.

ثم قال رحمه الله تعالى: هذا كله يعود إلى قولنا القرآن هو كلام الله تعالى حقيقة لا كلام غيره، لأن الذي يقول: إن القرآن ليس كلام الله معلوم أنه من الكفار، ولهذا قال الله تعالى في كلام الوليد بن المغيرة: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(10) ردَّ عليه تعالى ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(11) الآية، فالعجيب أنه وُجِد في المنتسبين إلى الأُمَّة من يقول: القرآن الذي بين أيدينا هذا ليس كلام الله بل كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم! كلمة عجيبة جدًا أن يقولها من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، المعتزلة قالت: إن القرآن كلام الله لكن ليس صفة له بل خلق - عياذًا بالله - كلامًا سماه القرآن، ولا يكون في هذه الحالة وصفًا لله تعالى، يقولون: إنه مخلوق، بناءً على هذا يكون مخلوق، وإذا قالوا: إنه كلام الله؛ فإنهم يقولون: إن الله تعالى خلق كلامًا بمعنى أنه ليس صفة من صفات الله تعالى، ولهذا قال بعدها: ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، هذان القولان الرَّدِيّان؛ الأول: قول الكُلَّابية يقولون: إن القرآن حكاية، والقول الثاني: قول الأشعرية يقولون: إن القرآن عبارة، ما المراد بالحكاية؟ الشبهة أتت من عند ابن كلاب – عبد الله بن سعيد بن قطان - حيث قال: إن القرآن معنىً قائم بالله عزّ وجلّ وجبريل حكى المعنى القائم بالله، فالقرآن ألفاظ جبريل حكى الذي في نفس الله، وبالتالي تكون هذه الأحرف ليست كلام الله - نسأل الله العافية والسّلامة -، الأشعرية بعده قالوا: القرآن لا يقال: عنه إنه حكاية ولكن يقال: إنه عبارة عبّر عن ما في نفس الله، من الذي عبّر؟ منهم من يقول: إن الذي عبّر جبريل ومنهم من يقول: الذي عبّر محمد صلّى الله عليه وسلّم، حاصل الكلام على القولين هذين أن القرآن الذي نقرأه ليس كلام الله؛ وأن هذه الحروف وهذه الألفاظ ليست من عند الله! مِنْ عند مَنْ؟ مِنْ عند البشر، مقولة عظيمة جدًا، وهي واضحة البطلان لأن الله خصّ القرآن بأحكام يقرّرونها هم بأنفسهم، فعلى سبيل المثال: القرآن لا يجوز أن يقرأه الجنب، القرآن لا يجوز أن يُمسّ المصحف - على القول الصحيح - من قِبَلِ من أحدث حدثًا أصغر أو أكبر، لِمَ؟ لأنه كلام الله، هم يُقرّرون هذا في كتب الفقه، ثم يقولون: إن هذا القرآن ليس كلام الله - الذي بين أيدينا الذي هو الحروف - وإنما الحروف عبّر بها جبريل أو محمد صلّى الله عليه وسلّم، قال أهل العلم من أهل السُّنَّة: أرأيتم جريمة الوليد بن المغيرة حين قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(12) ما فرقكم عنه؟ ألم يقل عدو الله إن هذا القرآن جاء به بشر هو محمد؟ أنتم الآن تقولون: إن محمدًا صلّى الله عليه وسلّم هو الذي جاءت من عنده الألفاظ والمعنى عند الله؛ فالألفاظ من محمد، لهذا قال عثمان ابن سعيد وأمثاله من أهل العلم: ما فرق قولكم عن قول عدو الله هذا؟ ما دمتم تقولون - نسأل الله العافية - ما دمتم تقولون: إن القرآن من عند محمد ألفاظه، ولهذا يأتينا أن القرآن بلفظه ومعناه من عند الله تعالى ولا يجوز اعتقاد شيء سوى هذا، ومن اعتقد غير هذا زاغ زيغًا عظيم جدًا، لا شك أن القرآن من عند الله بلفظه ومعناه فربك تعالى هو الذي قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(13) حتى سورة الناس، جبريل ما مهمته؟ جبريل سمّاه الله بالروح الأمين، فهو أمين مستأمن على الوحي ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ(14)، ما مهمة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه؟ ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ(15)، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(16)، ثم استدل أهل العلم عليهم بآية عظيمة مرتبطة بالأحكام، لأن ثمة مسائل مشتركة بين العقيدة وبين الفقه، بين العقيدة وبين الأصول، بين العقيدة وجملة من العلوم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ(17)، معنى الآية أن الكافر المحارب إذا أرادنا أن نُجيره فقال: أنا من بلد محارب؛ وأنتم تقولون قد نزل عندكم كتاب من عند الله عزّ وجلّ، أنا أريد أن آتي إليكم وأسمع الدين وهذا الذي نزل على نبيّكم من عندكم فإن قومي كفار، وأنا أعلم بأن الله سينزل كتابًا وسيرسل رسولًا مما أجده في التوراة والإنجيلـ أتركوني حتى آتي إليكم آمنًا فأسمع هذا الذي قلتم إنه نزل على نبيّكم؛ فإن كان هو الذي أجده في التوراة والإنجيل آمنت وصرت معكم لكن الآن بيني وبينكم حرب، أجيروني أمنوني، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ(18)، وهذا يدل على أن القرآن بلفظه ومعناه من عند الله، لأنه قالوا: إن القرآن معنى قائم بالله عزّ وجلّ وهذه الحروف ليست كلام الله! الله تعالى أمر أن يُؤتى بهذا المستجير حتى إذا يصل إلى بلاد المسلمين ليسمع كلام الله يعني ليُقرأ عليه القرآنُ، فإذا قُرِءَ عليه القرآن وقيل: هذا كلام الله تعالى؛ فإما أن يُسْلِمَ فيكون واحدًا من المؤمنين ويدخل إلى حاظرة بلاد الإسلام؛ وإما أن يأبى قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ(19) ردّه إلى مأمنه وهو بلده الذي جاء منه، ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ﴾ يقول السلف: ممن يسمع؟ أيسمع المعنى الذي تقولون في نفس الله، يسمع الكلام الذي يُقرأ عليه مما هو ألفاظ تُقرأ عليه ولها معاني هي من عند الله أضافها الله تعالى هذه الإضافة حتى يسمع كلام الله، هم يقولون: القرآن معنى غير مسموع، والله يقول: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ﴾ ولا يُسمع إنما يُقرأ، ولهذا قلنا: إن موسى عليه السّلام سمع الخطاب من الله تعالى، لأن كلام الله تعالى بحرف وصوت، وناداه تعالى وناجاه، ثم المناداة الكلام من بُعد والمناجاة الكلام من قُرب، ولهذا لمَّا سمع الخطاب عليه الصّلاة والسّلام لمَّا سمع الخطاب رد الجواب ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى(20) فسمع الكلام فرد قال: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي(21) الآيات إلى آخرها، فسمع، فلا شك أنه مسموع لأنه ألفاظ تسمع، ونادى الله تعالى به موسى، والله تعالى سَمِعَ جبريلُ منه القرآنَ وأنزله إلى محمد، مهمة جبريل البلاغ ومهمة محمد صلّى الله عليهم وسلّم وعلى سائر الأنبياء والمرسلين البلاغ، والقرآن كلام الله بلفظه ومعناه، فإذا قال: إنه من عند غير الله فقد أعظم الفرية على الله تعالى، قيل: إن القرآن ليس كلام الله! نسأل الله العافية والسّلامة، أمر عجيب جدًا أن يُوجد في الأُمَّة من يقول هذا! في غاية الغرابة، لكن أعاذنا الله وإياكم من الشبهات، الشبهات تجعل المستحيل ممكنًا، تجعل الخبيثَ طيبًا، تنقلب القلوب - نسأل الله العافية والسّلامة – وإلا من يقول هذا الكلام، لا كلام المعتزلة والجهمية ولا كلام الأشعرية ولا كلام الماتريدية الذي أصوله من الكُلَّابية، ولهذا كان موقف السلف من ابن كُلَّاب موقف شديد جدًا، وحذّر منه السلف رحمهم الله تحذيرًا عظيمًا حتى إن من أصحابه الحارث المحاسبي الذي تلقى عنه، الحارث بن الحاسبي عفا الله عنه؛ أمر الإمام أحمد رحمه الله بهجره، استمر مختفيًا عن أهل السُّنَّة حتى توفي وأخرج من بيته، لأن مقولاته هي مقولات ابن كُلَّاب، ابن كُلَّاب مقولاته أسهل بكثير من مقولات المعتزلة ومقولات متأخري الأشعرية، الخلط في هذا شديد، ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يقول عن الحارث المحاسبي يقول: الحارث أسد ما تدري متى يُهاجم الناس، حذروا من الحارث أشد التحذير لأنه تبنى مقولات ابن كُلَّاب، ابن كُلَّاب أسهل من المعتزلة، فلما سُلط على أهل السُّنَّة المعتزلةُ واستنصروا بالخلفاء الثلاثة من بني العباس وقف أهل السُّنَّة هذا الموقف، لأن الكلام خطير للغاية، ولأن مسألة كلام الله هي من المسائل الكبيرة في الفرق بين السُّنِّي والبدعيّ، إذا قال لك عقيدتَه في القرآن يتضح لك هل هو جهمي أو معتزلي أو أشعري أو ماتريدي أو متأثر بهذه الطوائف أو سُنِّيّ لأنه من مسائل الممايزة، فمسألة القرآن من أعظم المسائل، ولا يكاد يوجد لا نعلم مسألة امتحن فيها علماء السُّنَّة امتحانًا عامًا مثل مسألة الكلام، فإنهم وقفوا فيها لعلمهم رضي الله تعالى عنهم بخطورة مقولة الجهمية والمعتزلة في موضوع الكلام، ثم تفرعت عليها فروع أخرى حتى صارت الأقوال في الكلام تسعة مذاهب، وليس ثمّة حق إلا في أن القرآن - كما تسمع - كلام الله مُنَزَّل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، تكلم الله تعالى به حقيقة بحرف وصوت، هذا هو المعتقد الصواب فيه، أما أن يقال: إنه حكاية لكلام الله؛ فمعناه أن القرآن ليس كلام الله هذا معناه وإنما يحكي كلام الله، وإذا قيل: إنه عبارة يعني عُبّر بألفاظ عن الكلام التي أراد الله تعالى أن يُقال للعباد، وهذا كله باطل، لا شك أنه أبطل الباطل.

ثم قال رحمه الله تعالى: بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك على أن يكون كلام الله حقيقة، أنت الآن إذا قرأت قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(22)، هذا كلام الله، ماذا فعلت أنت؟ قرأتَ كلامَ الله عزّ وجلّ، إذا كتبته في المصاحف، القرآن كلام الله، كونك تكتبه؛ تقول: أنا أكتب كلام الله، ولهذا تقول: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ(23) هذا كلام الله ليس كلامي، لِمَ؟ لهذه القاعدة، فإن الكلام إنما يُضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قال مُبلغًا مُؤديًا، فإذا أنت نقلت كلامًا لأحد وقلت: قال فلان من أهل العلم، الكلام هذا ليس كلامك؛ وإنما أنت بلغت ونقلت هذا، حتى لو كان شعرًا من الأشعار فتقول قال فلان من الشعراء، هذا البيت الذي أوردته ليس لك وقد لا تكون شاعرًا ولا تعرف الشعر أصلًا، تقول: هذا كلام الشاعر فلان، فقولك مثلًا في كلام ابن القيم رحمه الله حين تقول: (ولقد تقلد كفرَهم خمسون في عشرٍ من العلماء في البلدان)، لو قال أحد: هذا البيت قوي؛ فأنت تعرف الشعر! هذا قاله ابن القيم، دائمًا الكلام يُضاف إلى من قاله مبتدئًا، أما من نقله فقال: قال فلان؛ فكيف يكون كلامه نفسه، بل لو قال: إنه كلامي لكان كاذبًا، لو قلت: إني أقول ولقد تقلّد كفرَهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان؛ يقول هذا كلام ابن القيم قبلك بمئات السنين، كيف تقول إنه كلامك؟ فأنت الآن تقوله ناقلًا عن ابن القيم، إذًا الكلام يُضاف إلى مَنْ؟ إلى من قاله مبتدئًا، هو الذي قاله ابتداءً، ولهذا قلنا: إن القرآن منه بدأ سبحانه، أما كون جبريل ينزل به؛ فجبريل قال ما قال الله، محمد صلّى الله عليه وسلّم يُبلغه للناس، محمد صلّى الله عليه وسلّم قال ما أبلغه جبريل عن الله، أنت الآن تقرأ القرآن وتقول: القرآن كلام الله عزّ وجلّ، الله تعالى قال كذا، فلا يُضاف القرآن إليك أنت، إنما يُضاف إلى من قاله مبتدئًا، وهكذا كل كلام، كل كلام يضاف إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤدِّيًا، وهو كلام الله حروفه ومعانيه، المعنى من الله والحروف من الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان لحروف القرآن مكانة، من قرأ حرفًا من كتاب الله - وهذا نص صريح - القرآن حروف، فله بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف(24)، هو حروف، تكلم الله تعالى بها، وسمعها جبريل عليه الصّلاة والسّلام، وبلّغها للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبلّغها النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للأُمَّة، وأنت الآن تُبَلِّغُهَا؛ فتقول: قال الله، وتُعَلِّم القرآن، وتُعَلِّم معانيه، يأتي مَنْ علمتَه فيعلم من بعده، كل هذا تبليغ عن كلام الله وليس كلامي ولا كلامك ولا كلام من قَبْلَنا ولا كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا كلام جبريل، بل هو كلام الله لأن الكلام يُضاف إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا، هذا دليل واضح.

ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف، لأن المعتزلة تقول: إن القرآن حروف خُلقت فسماها الله تعالى كلامًا، الكُلَّابية وورثتهم الأشعرية تقول: إن القرآن الذي يُنسب إلى الله هو المعنى دون الحروف، فيقال: القرآن كلام الله بلفظه ومعناه ومن قال سوى هذا فلا شك أنه قد زاغ وضل في مسألة القرآن.


(1) الشعراء: 193، 194.
(2) الكهف: 1.
(3) السجدة: 2.
(4) صحيح. ابن ماجه (4049). صحيح الجامع (8077).
(5) قال عمرو بن دينار: (أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سَنة يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود). شعب الإيمان (167).
(6) صحيح مسلم (1920).
(7) تاريخ دمشق لابن عساكر (9/ 34).
(8) تاريخ دمشق لابن عساكر (49/ 173).
(9) لعل الشارح يقصد القاسمَ وليس أبا الزناد.
(10) المدثر: 25.
(11) المدثر: 26، 27.
(12) المدثر: 25.
(13) الفاتحة: 2 - 4.
(14) الشعراء: 193، 194.
(15) الشورى: 48.
(16) النحل: 35.
(17) التوبة: 6.
(18) التوبة: 6.
(19) التوبة: 6.
(20) طه: 17.
(21) طه: 18.
(22) الفاتحة: 2.
(23) النساء: 1.
(24) صحيح. الترمذي (2910). الصحيحة (3327).


 مواد ذات صلة: