موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح العقيدة الواسطية

  

الِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ السُّنَّةِ

الحمد لله والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع المسلمين

قال شيخ الإسلام رحمه الله:

وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَثِيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الْحَقِّ، ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، فَالسُّنَّة تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَتُبَيِّنُهُ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ عزّ وجلّ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ.

فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»(1). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ»(2). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «يَضْحَكُ اللَّهُ إلَى رَجُلَيْنِ؛ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؛ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ»(3). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ؛ يَنْظُرُ إلَيْكُمْ أَزْلِينَ(4) قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ؛ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ»(5). حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَهِي تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؛ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّة فِيهَا رِجْلَهُ- وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا قَدَمَهُ -؛ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ؛ فَتَقُولُ: قَط قَط»(6). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمَ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادِي بِصَوْتِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ»(7). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ»(8).

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم فِي رُقْيَةِ الْمَرِيضِ: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ! تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُك فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ؛ اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوْبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ فَيَبْرَأ»(9). حَدِيْثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»(10). حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ المَاء، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ»(11). حَدِيْثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»(12). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»(13). حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ»(14). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرْضِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنَزِّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا. أَنْتَ الْأَوَّلُ؛ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ؛ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ؛ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ؛ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وَأَغْنِنِي مِنْ الْفَقْرِ»(15). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَوْلُهُ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم لَمَّا رَفَعَ الصَّحَابَةُ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا؛ إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيْرًا قَرِيبًا؛ إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»(16). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.


الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تكلم رحمه الله هنا في نصوص السُّنَّة بعد أن تكلم في نصوص القرآن، نصوص القرآن أشهر وأوضح لأن القرآن يقرؤه المسلمون، ونصوص السُّنَّة يحيط بها في الغالب طالب العلم الذي يلتمسها ويعرف مظانها ويدري بصحيحها من ضعيفها، فبدأ رحمه الله تعالى في ذكر هذا في نصوص السُّنَّة، نصوص السُّنَّة لا شك أن أحاديث الصفات فيها يصعب جدًا أن تُحصى، كثيرة للغاية، حتى إن الصفة الواحدة تجد فيها من الأحاديث الثابتة الصحيحة تجد شيئًا كثيرًا من الأحاديث والصفات من حديث ورودها من جهة النصوص، تارة تكون واردة من طريق القرآن والسُّنَّة معًا، كالاستواء والعلم والسمع والبصر، وتارة تنفرد السُّنَّة بشيء لم يرد في القرآن كالنزول إلى السماء الدنيا فإن هذا ورد في السُّنَّة ولم يرد في القرآن، والسُّنَّة بإجماع أهل العلم مصدر إذا صحت السُّنَّة عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو وَرَدَ الحديث بسند حسن فإن الواجبَ الأخذُ به في مسائل الاعتقاد وفي مسائل الأحكام معًا، ولم يكن هناك تفريق بتاتًا بين مسائل الاعتقاد فيقال: إنها لا بد أن تكون أحاديثها متواترة بخلاف أحاديث الأحكام! فإن هذه بدعة ضالّة لا تُعرفُ بتاتًا في سلف الأُمَّة، وإذا أردت الدليل على هذا فانظر في الكتاب العظيم الذي صنَّفه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى - كتاب الرسالة -، فإنه من أوائل من تكلم فيها بكلام نفيس، فمسائل الاعتقاد ومسائل الأحكام إذا ثبتت فيها السُّنَّة؛ فسواء كانت السُّنَّة متواترة أو غير متواترة فإن الواجب قَبولُها، ويدل على هذا أولًا فعل النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد كان يرسل صلوات الله وسلامه عليه كتبًا إلى ملوك الآفاق يرسل بالكتاب رجلًا واحدًا، ما الذي في الكتاب؟ في الكتاب الاعتقاد، «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، أسلم تسلم، أسلم؛ فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين»(17)، ما الذي في الخطاب؟ الذي في الخطاب أنه رسول الله، وكونه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذا أمر عقدي لا شك فيه، وهكذا كتب إلى المقوقس وكتب إلى النجاشي وكتب عليه الصّلاة والسّلام إلى كسرى، يحمل الكتاب رجل واحد من أصحابه عليه الصّلاة والسّلام، ويدلُّكَ على أن هذا هو المعروف المعهود زمن الصحابة رضي الله عنهم أمرُ القبلة، فإن القبلة أمر عقدي، كون القبلة إلى الكعبة هذا أمر اعتقادي، لو أن أحدًا قال: إن القبلة إلى غير الكعبة؛ فإنه بإجماع أهل العلم يكفر، لو قال: القبلة إلى غير الكعبة يكفر بلا شك بالإجماع، كان الصحابة رضي الله عنهم -كما هو معلوم- كان الإسلام أول ما نزل كان الاستقبال لبيت المقدس في مكة، وكذلك الحال بقي أشهرًا في المدينة، لمّا مضى نحو من ستة عشر شهرًا في المدينة حوّل اللهُ تعالى القبلةَ من بيت المقدس إلى الكعبة، فصلّى رجل من الأنصار رضي الله عنهم مع النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقد غُيِّرت القبلة إلى الكعبة، قبلة أهل المدينة الآن جهة الجنوب، ومعنى ذلك أنهم حين كانوا يستقبلون بيت المقدس أنهم كانوا يتجهون جهة الشمال، وصلّى هذا الصحابي الجليل مع النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأتى مسجد قُباء، وإذا بالناس يصلون إلى جهة بيت المقدس؛ فقال: أشهد وصليت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الكعبة يعني الآن، اليوم؛ غُيّرت القبلة، ماذا فعل الصحابة هؤلاء؟ الإمام والمأمومون ما قالوا: خبر واحد، ما يثبت! لأن الواحد ثقة، فتحوّل المأمومون مكان الإمام، وتحوّل الإمام مكان المأمومين، لأن الإمام متجه جهة الشمال وهم خلفه، فتحول الإمام في نفس الصلاة، ما أكملوها، واتجه إلى جهة الجنوب جهة الكعبة واتجهوا هم وصاروا مكان الإمام، مسألة الكعبة لا شك الاتجاه إلى القبلة مسألة عقدية، لكن لما ثبت بطريق الواحد الثقة أن القبلة حوّلت قَبِلُوا هذا رضي الله عنهم، هذا هو المعروف حتى جاءت بدعة الاعتزال والضلال وقالوا: إن الأحاديث لا تُقبل في مسائل الاعتقاد إلا إذا كانت متواترة، هذا بدعة صلعاء لا تعرف بتاتًا، فإذا كانت متواترة تقبلونها؟ يقولون: إن وافقت قواعدَنا قبلناها وإلا أوّلناها كما نؤول نصوص القرآن، إذا ما الفائدة من كونكم تتحدثون عن كونها متواترة أو آحاد، ما الفائدة؟ الفائدة في كون الحديث متواترًا أو آحادًا هو من ناحية إسنادية، أن يقال هو ورد بطريق متواتر، معنى ذلك أنه مشتهر ومنتشر، وكثير الانتشار في الأُمَّة، فتجده في الغالب في الأمصار كلها، في العراق، في الشام، في مصر، في الحجاز، تجد أنه منتشر لأنه متواتر، يرويه مثلًا من الصحابة ثلاثون كأحاديث الرؤية، يرويها نحوٌ من ثلاثين صحابيًا، نعم لا شك أنها متواترة، وهكذا أحاديث الشفاعة في أحاديث معروفة، فنقول هذه متواترة معناها أنها مشتهرة، فإذا جاء حديث واحد يرويه سيد الصحابة رضي الله عنهم أبو بكر، لم يثبت إلا من طريق أبي بكر، ما نتردد فيه، ثابت عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأَنْعِم وأَكْرِم براويه رضي الله عنه وأرضاه، فكونه يروى بطريق واحد أو بعدة طرق، ويكون هذا الطريق الواحد ثابتًا لا شك أنه يقبل، والتفريق في القبول بين الآحاد والمتواتر هذه بدعة ولم يكن عليها علماء الإسلام حتى نشأت الضلالات وكان من ضمن ما نشأ من بدع المتكلمين هذا التفريق.

يقول رحمه الله تعالى: ثم في سُنَّة رسول صلّى الله عليه وسلّم يعني من النصوص التي وردت بالصفات كما ورد بها القرآن، فالسُّنَّة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتُعَبِّرُ عنه، السُّنَّة مع القرآن على ثلاثة أنحاء: تارة تفسر القرآن، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في أحاديث الرؤية حين قال عليه الصّلاة والسّلام في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ(18)، قال: «الزيادة النظر إلى وجه الله»(19)، هذا تفسير، تفسير منه عليه الصّلاة والسّلام للقرآن، وتبيِّنُهُ، يكون الأمر في القرآن في بعض الأحيان مجملًا كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ(20)، إذا أردت أن تطيع الله بإقامة الصلاة من خلال آيات القرآن لا تستطيع، القرآن ذكر اللهُ فيه الركوعَ والسجودَ، ذكر الله فيه استقبال القبلة، ذكر الله إجمالًا الصلوات ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ(21)، لكن تحديد تفاصيل الصّلاة من كون الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات والفجر اثنتين والمغرب ثلاثًا، أين نجد هذا في القرآن؟ وهكذا تفاصيل الزكاة، أمر الله تعالى بالزكاة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ(22)، هل الزكاة في كل مال؟ وهل الزكاة تجب في كل وقت؟ فتأتي السُّنَّةُ لتبين أن الزكاة إنما تكون فيما بلغ النصاب، وأن الزكاة لا تجب إلا في المال الذي حال عليه الحول، وأن نصاب الإبل كذا وأن نصاب الأغنام كذا وأن نصاب البقر كذا وما لم يبلغ النصاب، وكذلك المال، وما لم يبلغ النصاب فإنه لا زكاة فيه، ولا بد أن يحول عليه الحول، كل هذه التفاصيل لا توجد إلا في السُّنَّة، فالسُّنَّة تُبين ما أُجمل في القرآن، والسُّنَّة أيضًا، هذا الأمر الثالث تزيد أحكامًا لأن السُّنَّة وحي، كما قال حسان بن عطية رحمه لله: (كان جبريل ينزل بالسُّنَّة على النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما ينزل بالقرآن)(23)، الله تعالى يقول عن رسول صلّى الله عليه وسلّم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(24)، عليه الصّلاة والسّلام، فهو يُوحى إليه صلوات الله وسلامه عليه، سواء فيما أخبر أو فيما نهى أو في ما أمر أن يُتعبد لله به، ما يتكلم من قِبَلِ نفسه عليه الصّلاة والسّلام، فمن ذلك أنه عليه الصّلاة والسّلام نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، إذا تأملت المُحَرَّمَات الواردة في سورة النساء ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ(25) الآية، وإذا بها لم يذكر فيها أمرُ الجمع بين المرأة وعمتها، فيقال: لا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها بالسُّنَّة، ولا يجوز الجمع بين المرأة وأختها بالقرآن، فإن الله نهى عن الجمع بين الأختين، وفي السُّنَّة جاءت السُّنَّة بالزيادة، الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، كل هذا يقبل، سواء وردنا من القرآن أو من السُّنَّة كله وحي من عند الله عزّ وجلّ، المهم أن تَثْبُتَ السُّنَّةُ وأن لا يقع الإنسان في الأحاديث الموضوعة والمكذوبة عليه - عليه الصّلاة والسّلام - والأحاديث التي لا تثبت عنه، وهذا يحتاج فيه إلى ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى.

يقول: فالسُّنَّة تفسر القرآن وتبيّنه وتدل عليه وتُعَبِّرُ عنه، وما وصف الرسول صلّى الله عليه وسلّم به ربه من الأحاديث الصحاح، الحديث الصحيح هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علّة، ففيه خمسة أشياء معروفة عندكم إن شاء الله؛ لأنها معروفة عند طلبة العلم عادة، وكذلك الحديث الحسن، أيضا الحديث الحسن الثابت عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكثيرًا ما يطلق أن الحديث صح عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، تارة يكون صحيحًا بالتعريف السابق، وتارة يكون ثابتًا عنه عليه الصّلاة والسّلام بطريق حسن، فسواء ثبت عنه عليه الصّلاة والسّلام بطريق صحيح أو حسن فإنه يُقْبَل، لهذا قال الشيخ رحمه الله: التي تلقاها أهل المعرفة، من هم أهل المعرفة؟ أهل المعرفة هم أهل التخصص وأهل الشأن وهم المُحَدِّثُون الذين يعرفون صحيح الحديث من ضعيفه؛ فإن المردَّ إليهم في هذا، فإذا قالوا: إن الحديث صحيح لأن رواته عدول ثقات فإنه يقبل الحديث لأنهم رحمة الله عليهم سبروا هذه الأحاديث وسبروا الرواة وسخرهم الله عزّ وجلّ تسخيرًا لهذا الأمر الذي هو من مزايا هذه الأُمَّة، من مزايا أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم أمر الإسناد ومعرفة الرجال، لهذا فالإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا تلقى الحديثَ أهلُ الشأن وأهل الاختصاص - وهم المُحَدِّثُون - بالقبول؛ فإن الحديث يثبت عنه عليه الصّلاة والسّلام، ولهذا قال وجب الإيمان بها كذلك، يعني إذا وردت، وبه تعرف الآن قاعدة: أنه إذا وردنا صفة عن الله عزّ وجلّ فالله أعلم بنفسه، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ(26)، فإذا وردنا حديثٌ عنه عليه الصّلاة والسّلام ثابت بطريق حسن أو بطريق صحيح؛ فإنّا نقول: لا أحد بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أعلم الناس بالله عزّ وجلّ هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم به»(27) عليه الصّلاة والسّلام، ولا شك في هذا، ما يمكن أن يوجد أحد أعلم بالله من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، اصطفاه الله تعالى ﴿أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ(28)، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(29)، أين عِلْمُ مَنْ ينزل عليه الوحي مِنْ عِلْمِ غيره ممن يتعلم العلم، لا مقارنة، ولهذا إذا أخبرنا أعلم الناس بربه عليه الصّلاة والسّلام بصفة من صفات الله قَبِلْنَاها على الرأس والعين ولا نتردد في هذا بتاتًا، حتى إن استوحش منها كالمعتزلة والجهمية وأضرابهم وقالوا: كيف تكون هذه الصفة؟ هذا لا يصلح، هذا لا يليق بالله، نقول: أما من عنده الثقة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنه لا ينطق عن الهوى عليه الصّلاة والسّلام فإنه يَقْبَلُ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أخبر النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، أمر الصفات وأمر الوحي جِدٌّ ليس بالهزل، وليس بأمر مزاح أمر عظيم أمر جِدّ، ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ(30)، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ(13)وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ(31)، فليس هو ألعوبة، الموضوع موضوع يخبر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأحاديث ثم يأتينا المعتزلة والجهمية يقولون: يقصد بها كذا، ويغيِّرونها عن معناها ويحرفونها، والأُمَّة قبلهم من الصحابة والتابعين قد قَبِلَت هذه النصوص، هذا تلاعب بالدين فتقرّ الصفات كما أخبر بها صلوات الله وسلام عليه عن ربه، فهو أعلم الناس وأنصح الأُمَّة للأمة عليه الصّلاة والسّلام وأفصح وأَبْيَن صلوات الله وسلامه عليه في منطقه وفي كلامه وجُمِعَ له الحديث واختُصِر له اختصارًا عليه الصّلاة والسّلام، فلا أحد أعلم بالله منه ولا أحد أنصح للأمة منه، ولا أحد أفصح وأبين منه صلوات الله وسلامه عليه؛ فيجب قبول أحاديثه عليه الصّلاة والسّلام، سواء في الصفات أو في الأحكام أو في أي باب، فهو عليه الصّلاة والسّلام إنما يخبر عن ما يوحى به إليه.

بدأ رحمه الله بذكر حديث النزول، وهو حديث معروف مشهور عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثبت عنه من عدة طرق صلوات الله وسلامه عليه، يقول صلّى الله عليه وسلّم: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر»(32) يعني إذا بقي من الليل ثلثه، فإذا كان الليل من اثنتي عشرة ساعة، فإنه إذا بقي على الفجر أربع ساعات فإنه يكون وقت الثلث الأخير، وإذا كان الليل في الصيف قصيرًا كما هو الآن نحوًا من تسع ساعات؛ فإن الثلث الأخير من الليل يبدأ إذا بقي على الفجر ثلاث ساعات، وتعرف الثلث الأخير من الثلث الأول من الثلث الثاني تعرف نصف الليل من خلال معرفة وقت غروب الشمس ووقت طلوع الفجر، فإذا كانت الشمس تغرب - كما في الشتاء - الساعة الخامسة وقليل؛ ويؤذن الفجر الساعة الخامسة معنى ذلك أن الليل اثنتا عشرة ساعة، فأضف أربع ساعات من الخامسة إلى التاسعة هذا الثلث الأول، ثم أضف أربع ساعات أخرى تكون الساعة الواحدة، يكون الثلث الثاني بدأ من التاسعة إلى الواحدة، فيبدأ الثلث الآخر من الواحدة إلى الثانية والثانية إلى الثالثة والثالثة إلى الرابعة والرابعة إلى الخامسة يكون ثلث الليل الآخر وهكذا، ولهذا قد يطول الثلث الأخير وقد يقصر بحسب الصيف والشتاء.

ينزل رب العالمين وهو الغني الحميد الكريم الجواد الذي هو الغني عن عباده نزولًا يليق به لا تُضْرَبُ له الأمثال ولا يُسأل عن كيفيته ولا تورد عليه الإيرادات ولا يقال ما الذي يلزم؟ ولا يقال ما الذي يترتب؟ لأن هذا خوض في الكيفية، ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، السماء الدنيا هي القريبة هذه، السماوات سبع، ينزل ربنا سبحانه نزولًا يليق بجلاله وعظمته نزولًا يليق به إلى السماء الدنيا فيقول: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» في اللفظ الآخر قال صلّى الله عليه وسلّم: «وذلك كل ليلة إلى الفجر»، فهذا الموضوع موضوع عظيم جدًا فيه إثبات، هذا النزول الإلهي على ما يليق بالله عزّ وجلّ، وفيه حث كل مؤمن على أن يستفيد من هذا الوقت وأن ينتفع من نزول الرب سبحانه وتعالى، فإن هذا الوقت من أعظم الأوقات إن لم يكن أعظمها حين ينزل رب العالمين إلى السماء الدنيا في هذا الثلث العظيم فيقول ما تسمع: «من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟»، فمن شؤم البدع والضلالات أن الخوض في الصفات على غير طريقة السلف يُنسي الناسَ الفائدة العظيمة من الصفات، ما الفائدة العظيمة التي نستفيدها الآن؟ مادام رب العالمين الغني الحميد المالك للملوك كلهم الذي عندهم سبحانه وتعالى تصريف كل شيء ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل؛ فانتهز الفرصة، انتهز الفرصة لتصلي في هذا الوقت، واحذر يا طالب العلم أن تكون من اللاعبين اللاهين الغافلين الذين يمضون الليالي مضيعين لأوقاتهم، فيا ضيعة الأعمال تمضي سبهللة، يسهرون إلى آخر الليل في كلام ومزاح، هذا إن سَلِمَ من المحرمات كالنظر إلى صور النساء في الشاشات أو المحرمات الأخرى، ومنها فاكهة السفهاء وهي الغيبة والسخرية بالمسلمين، والبقاء على النظر إلى هذه الشاشات وما فيها من المحرمات وما يُسمع فيها من الأغاني الموسيقى ونحوها ورب العالمين الغني الحميد يقول: من يستغفرني ؟ وهؤلاء يزيدون في الذنوب والمعاصي، حتى لو سلمت المجالس من هذا فهذا من التفريط العظيم، هذا السهر إلى آخر الليل ويأتي هذا الوقت الشريف العظيم والناس في هذر وضحك، فيقول بعضهم: أنا الحمد لا أنظر إلى حرام ولا أسمع حرامًا، نحن نتكلم بكلام ليس فيه غيبة لأحد من المسلمين، ما الذي أضعتم؟ أضعتم أعماركم، وقت عظيم شريف يجب أن ترتفع الهمم لاستثماره، نسأل الله أن لا يجعلنا وإياكم من المحرومين، وقت عظيم ينبغي الحرص على مثل هذه الفرص العظيمة، لو أن مَلِكًا من ملوك الدنيا المساكين قيل إنه سيأتي إلى موضع من المواضع وسيعطي الناس مَنْ يأتي في ذلك الموضع سيعطون كذا وكذا لرأيت الناس كأنها قطارات وهو عبد من عباد الله سبحانه وتعالى، هؤلاء الملوك عبيد من عبيد الله سبحانه، لا يخرجون عن ملكه، يولدون ويمرضون ويموتون ويدفنون ويخلفهم غيرهم، ملك الملوك سبحانه يقول لك: من يدعوني فاستجيب له؟ عندك أمراض وعندك ذرية وعندك ديون وعندك هموم وعندك غموم؛ استعن برب العالمين سبحانه وتعالى، فإن الله تعالى يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ فهذه فوائد من فوائد الإقرار بالصفات، لكن إذا قيل إن رب العالمين لا ينزل وإن الحديث هذا يُتَأَوَّل، فليست فائدة، ولهذا نفاة الصفات أقسى الناس قلبًا، الذي ينكر الصفات، لأن أمر الصفات أمرها عظيم جدًا تخضع لها القلوب وتقشعر لها الأبدان، تعريف رب العالمين لنفسه، يُعرِّف رب العالمين بنفسه ويعرِّف به رسوله صلّى الله عليه وسلّم؛ فتخضع القلوب وتخشع وتحرص على ما فيه، مثل هذه الفرص العظيمة الحقيقية لاستثمار هذا الوقت ودعاء الله عزّ وجلّ، فإذا قيل: لا؛ لا ينزل، ما الفرق إذًا بين ثلث الليل الأول والثاني والثالث؟ وما الفرق بين وسط النهار وثلث الليل الآخر؟ لا فرق، فهذا من شؤم هذا التلاعب بهذه الصفات، فينزل سبحانه وبحمده ينزل إلى سماء الدنيا في هذا الوقت الشريف العظيم، وكما قلنا: لا تضرب له الأمثال، ولا يقال ينزل على كيفية كذا وكذا، عندك القاعدة: يُثْبَتُ لله تعالى الصفة ويُجْتَنَبُ الكلام في الكيفية.

ومن ذلك حديث «لله أشد فرحًا»(33) مما يثبت لله تعالى الفرح، وفرح الله عزّ وجلّ على ما يليق به، وليس مثل فرحي وفرحك نحن المساكين الضعفاء، نحن نفرح فرح من؟ فرح الضعيف، فرح المتشوّف إلى شيء، أما الله تعالى ففرحه فرح الغني سبحانه، ولهذا توبة العبد - التوبة - مصلحة من؟ مصلحتك أنت ليس مصلحة الرب، لهذا قال الله تعالى في الحديث الصحيح القدسي «يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد؛ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»(34)، الله عزّ وجلّ لن يتضرر ولن ينتفع بطاعتك، ومع ذلك فضل منه ومِنَّة عزّ وجلّ وكرم وإحسان وعظمة صفات أنه يفرح بتوبتك التي ستنتفع أنت بها مع أنه تعالى لا تضره معصية العاصي ولا تنفعه طاعة الطائع، فيفرح لا كفرحنا سبحانه، لأن فرحنا بالشيء فرح دائمًا فرح المتشوف إلى أمر يحبه لحاجته إليه، لهذا أنت إذا درست ونجحت فلأنك لا تستطيع أن تنجح لزامًا وتُقَدِّرَ هذا تقديرًا، تبذل أسبابًا وتحاول حتى يتحقق لك النجاح وتفرح، مشيئة ابن آدم المسكين الضعيف، أما الله ففرحه ليس كفرحك، بل هو فرح الغني عنك وعن عملك وعن طاعتك سبحانه وبحمده، فيفرح فرحًا يليق بجلاله وعظمته، وعندنا القاعدة: الصفة تضاف إلى الموصوف، فبحسب الموصوف، فإذا أضيفت الصفة إلى العبد فهي صفة ضعيف والصفة نفسها ضعيفة، أما إذا كانت صفة الرب سبحانه المضافة إلى علام الغيوب الغني الحميد سبحانه وبحمده فهي صفة لا يمكن أن تقاس ولا يمكن أن تقارن بصفة المخلوق سواء أكانت فرحًا أو كانت نزولًا أو كانت استواءً أو سمعًا أو بصرًا أو كانت أي شيء سوى ذلك من هذه الصفات، «لله تعالى أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته»(35)، الحديث في بقيّته أن هذا العبد أضل راحلته بأرض فلاة وعليه طعامه وعليها متاعه فبينا هو كذلك قد أَيِسَ منها وأتى تحت شجرة قال: أموت تحت هذه الشجرة؛ وإذا براحلته على رأسه واقفة، فرحة العبد عظيمة جدًا، يقول الرب - في مثل هذه الحال - يقول: الرب سبحانه أعظم فرحًا من هذا، لأن الله دائمًا في الصفات له أعظم الصفات، فالمغفرة واسع المغفرة، الرحمة ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ(36)، فصفات الله أعظم وأجل وأكبر سبحانه من صفات المخلوقين.

ومن ذلك صفة الضحك، يقول صلّى الله عليه وسلّم: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر؛ كلاهما يدخل الجنة»(37)، جاء بيان هذا في اللفظ الآخر أن أحد هذين الرجلين كافرٌ لقي مسلمًا في قتال فقتل الكافرُ المسلمَ؛ فدخل المسلمُ الجنةَ شهيدًا، ثم مَنَّ الله تعالى على الكافر هذا فأسلم فقُتِل أيضًا في سبيل الله عزّ وجلّ فصار شهيدًا؛ فاجتمع القاتل والمقتول في الجنة، فيضحك الرب إلى هذين الرجلين الذين يعلم علام الغيوب خبرهما وحالهما، القاتل حين قتل كان كافرًا وكان على أشد ما يكون من البغضاء لهذا الذي قتله ثم هدى الله هذا القاتل فأسلم وبذل نفسه في سبيل الله حتى قُتِلَ فلحق بأخيه بعد أن أسلم وصار شهيدًا مثله فيضحك الرب سبحانه لأنه يعلم خبرهما سبحانه وأن أحدهما قَتل كافرًا ثم قُتِل مسلمًا، فاجتمعا به بإذن الله تعالى في الجنة، فيضحك الله عزّ وجلّ إليهما، والضحك أيضًا فيه أكثر من حديث، والفرح فيه أكثر من حديث، كلها وردت بأحاديث صحيحة ثابتة عنه عليه الصّلاة والسّلام، وردت فيها أحاديث صحيحة عنه عليه الصّلاة والسّلام مما يدل على ثبوت هذه الصفات.

ومن ذلك العجب، «عجب ربنا من قنوط عباده وقُرْبِ غِيَرِه»(38)، العجب أيضًا في الرب سبحانه وتعالى ليس كالعجب في المخلوق، أنت تعجب من أشياء كثيرة لأنك تجهلها، تجهلها ثم تراها فتتعجب منها، تسمع بأشياء ثم إذا رأيتها تعجبت منها؛ لنقص علمك، هكذا الخلق، أما عجب الرب سبحانه فليس ناشئًا - حاشاه تعالى - من مثل هذا، الرب عزّ وجلّ له العلم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، فليس عجب الخالق مثل عجب المخلوق، فعجب الرب عزّ وجلّ على ما يليق به، وعجب المخلوق على ما يليق به، فليس العجب هنا ناشئًا عن جهل حاشا لله تعالى، لأن كثيرًا من عجبنا ينشأ من مفاجأتنا بالشيء، نعجب من هذا الأمر، نأتي ونرى أمرًا من الأمور فتتعجب منه لنقص علمنا وقلة علمنا، فإذا رأيناه عيانًا تَعَجَّبْنا، أما الرب سبحانه تعالى فليس عجبه عجب من عزب عنه الشيء ثم عَلِمَهُ! بل هو عجب يليق بجلاله وعظمته، «عجب ربنا من قنوط عباده» قنوط العباد شدة اليأس، يئسوا من أمر من الأمور «وقُرْبِ غِيَره» بكسر الغين وفتح الياء، أي وقُرْبِ تغييره سبحانه وبحمده، «ينظر إليكم أزْلين» الأَزْل هو الضيق، «قنطين» فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب سبحانه وبحمده، الرب سبحانه يعلم الغيب، ويعلم سبحانه أن فرج هؤلاء العباد قريب، والعباد لأنهم لا يعلمون الغيب وقعوا في اليأس والقنوط، فيضحك علّام الغيوب لأنه يعلم أن فرجهم سيأتي قريبًا جدًا، ولو كان العباد يعلمون أن الفرَج مثلًا هو آخر هذا النهار أو الفرَج سيكون غدًا ما قنطوا، لكنهم قنطوا لأنهم ظنوا أن هذا هو الحال الذي سيستمرون عليه، الرب يعلم أنهم لجهلهم بالغيب لا يدرون أن فرجهم قريب؛ فيضحك سبحانه وتعالى لأنه عزَّ اسمُه يعلم أن الفرَج قريب، ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، أيضًا هذا الحديث دل على الضحك ودل على العجب، يعلم أن فرجكم قريب.

وذكر بعده حديث «لا تزال جهنم يُلقى فيها»(39) نسأل الله العافية والسلامة، يعني يُلقى فيها أهلها، يُرمون رميًا، نسأل الله العافية والسلامة، وهي تقول: (هل من مزيد)، وقد وعدت بالملأ، نسأل الله العافية والسلامة، كما في الحديث «احْتَجَّتِ الجنةُ والنارُ» وفي آخره «ولكليكما عليَّ ملؤها»(40)، فالله تعالى سيملأ الجنة وسيملأ النار، فإذا ألقي فيها؛ تقول: هل من مزيد، ثم يلقى فيها - نسأل الله العافية ونعوذ بالله أن نكون منهم - تقول: هل من مزيد، الله تعالى وعدها أن تمتلئ، ووعد الله لا يتخلف، فيضع رب العِزَّة، قوله: رب العِزَّة، العِزَّة صفة من صفاته تعالى، فرب العِزَّة أي صاحب العِزَّة، الرب يطلق على الصاحب، رب البيت صاحب البيت، رب العِزَّة هو ذو العِزَّة سبحانه وتعالى، «حتى يضع رب العِزَّة فيها رجلَه» سبحانه وفي رواية «عليها قدمه» فينزوي بعضها على بعض، الله أكبر، فينزوي بعضها على بعض أي تجتمع أطرافها، لأن الرب سبحانه قد وضع فيها قدمَه العظيمة عزَّ اسمه وتقدس وتعالى، فتقول: قط، قط، قط معناها حسبي يكفيني، وأيضًا مما يأتي بمعنى حسبي ويكفيني قد قد، فإنك إذا أردت من أحد أن يتوقف عن أمر تقول له: قد قد، يعني يكفي حسبك، فيملؤها عزَّ اسمُه، فينزوي بعضها على بعض، فتقول: قط قط يكفيني، فتمتلئ - نسأل الله العفو والعافية -، وتطلب الكفَّ.

ومن ذلك حديث النداء، يقول الله تعالى: «يا آدم» واضح أنه فيه نداء، وأنه يكون بحرف وصوت، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي، هذا دليل على أن كلام الله تعالى منه ما هو نداء، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ(41)، ومنه ما يكون نجاء ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا(42)، وقلنا: إن النداء يكون الكلام من بُعْد، والنجاء يكون الكلام من قُرْب، فيقول: «يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك» فينادي - أي الرب - بصوت يسمعه - في حديث آخر يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، لأن صوت الله تعالى لا يُقارن بصوت المخلوق ولا يُقاس عليه، تقدم بيانُ مَنْ بَعُدَ يسمع كما يسمع مَنْ قَرُبَ، وأن هذا لأن وصف الله تعالى لا يقاس بوصف المخلوق، فينادي بصوت - هذا الشاهد - أن كلام الله تعالى بصوت، ولهذا سمع - كما قلنا - سمع موسى كلام الله لأنه بصوت، سمع الخطاب ورد الجواب عليه الصّلاة والسّلام، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار - نسأل الله العافية - يقول: مِنْ كم؟ فيقول: من كل مئة تسعة وتسعون - نسأل الله العافية والسلامة -، لأن أهل النار كثير جدًا، ويدخل النار عياذًا بالله تسعة وتسعون وينجو واحد.

ثم ذكر حديث «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه»(43) هذا أيضًا فيه إثبات الكلام، وتقدمت النصوص الدالة على الكلام ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا(44)، وقوله عزّ وجلّ ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ(45)، وفيه دلالة على أن الله تعالى سيكلم كل واحد منا، ليس بينه وبينه ترجمان، ليس هناك من يترجم بين الرب وبين عبده، المترجم هو من ينقل الكلام من لغة إلى لغة، بل سيكلم الله تعالى عباده جميعًا، ومن عظيم صفات الله سبحانه وبحمده أنه يكلم العباد جميعًا ولا يشغله سبحانه وبحمده تكليمُ هذا عن هذا، مرة أخرى لأن وصف الله لا يقاس، ولهذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئِل كيف يكلم اللهُ تعالى العبادَ وهم كثير مرّة واحدة، لأنه يكلمهم سبحانه وتعالى مرّة واحدة؟ قال: كما أنه يسمع دعاءهم جميعًا(46)، العباد يرفعون الدعاء في وقت واحد مثل موقف عرفة على سبيل المثال يضم ملايين الناس وهكذا في أوقات الصلوات التي تكون متقاربة، وقد يكون في المسجد الواحد العدد الجمّ، وفي المسجد المقارب مثله والمساجد الأخرى فتكون صلاتهم متقاربة فيدعون الله عزّ وجلّ، ألوف بل ملايين تدعو الله عزّ وجلّ فلا يشتغل سبحانه وتعالى بدعاء هذا عن هذا، بل يحيط سبحانه بأدعيتهم جميعًا، فيجيب هذا ويؤخر دعاء هذا ويرد دعاء هذا لعلمه سبحانه وتعالى بدعاء كل واحد منهم بلغاتهم وباختلاف حاجاتهم سبحانه وبحمده، لهذا نقول ونقول دائمًا كما قال أهل السُّنَّة: ولا يقاس بخلقه، المخلوق لا يمكن أن يحيط، بل المخلوق يتبرّم ويسخط، إذا كلمه اثنان يغضب على الثاني، يقول: كيف تريدني أن أسمع منك وأنا أسمع من هذا، أنت الآن تشوش عليَّ، ما أستطيع أن أركّز مع الأول حتى تأتي وتكلمني أنت ثم يكلمني ثالث! أنا ما أستطيع أن أستوعب، هذا في المخلوق، أما في وصف الخالق سبحانه وتعالى فكما يسمع الملايين دفعة واحدة فإنه سبحانه يكلمهم دفعة واحدة ويحاسبهم ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(47)، يحاسب الخلائق جميعًا سبحانه وتعالى مرة واحدة، ولا يشغله حساب هذا عن هذا، وهذا مما ينبغي أن يُعلم كما قلنا، عندنا القاعدة العظيمة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(48)، لذا قلنا: الضلال والزندقة والكفر والبلاء يأتي من قياس الخالق على المخلوق، تقول: كيف؟ لا يمكن، لا يمكن أن نقيس، لا يمكن فيك وفيّ أنا وفي المخلوقين، أما في الخالق فلا تضرب لله تعالى الأمثال ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ(49)، فكما أنه يسمع الدعاء من الملايين فإنه يحاسب الملايين ويكلم الملايين ولا يشغله سبحانه هذا عن هذا، فهذا ينجو بعد كلام الله وهذا يعاقب وهذا يُستر عليه وهذا قد يكون من أهل الأعراف فيُؤَجَّل لا يكون من أهل الجنة ولا من أهل النار، كل هؤلاء يحاسبون ولا يشغله سبحانه وتعالى شأن عن شأن، كما أنه يعلمهم، يعلم أن هذا عَمِلَ كذا وكذا، وهذا عَمِلَ كذا وكذا، وأن هذا استحق كذا وكذا، وأن هذا من أهل الجنة، وأن هذا من أهل النار، وأن هذا يعاقب، وأن هذا يكون من أهل الأعراف، فلا يشغله سبحانه وتعالى العلمُ بهذا العبد عن العلم بذلك العبد، ولا يشغله سبحانه وتعالى دعاء هذا العبد عن دعاء هذا العبد، ولا يشغله كلام هذا العبد عن كلام هذا العبد لأنه لا يقاس يخلقه سبحانه وتعالى.

ثم ذكر ما يتعلق بالعلوّ لله عزّ وجلّ وتقدم الكلام عليه، ذَكَرَ في رقية المريض هذا الدعاء «ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء؛ اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا»(50) الحوب هو الذنب، لكن إذا اجتمع الحوب والخطايا يكون الحوب للكبائر والخطايا للصغائر، وإذا أطلق الحوب فإنه يجمع الخطايا كلها سواء أكانت صغيرة أو كبيرة «أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك» الشاهد قوله «ربنا الله الذي في السماء»، وهكذا قوله صلّى الله عليه وسلّم كما قال الخارجي: «إنها قسمة ما أريد بها وجه الله»(51) نسأل الله العافية والسلامة، ما أعجب الخوارج وأقل حياؤهم! يقول مقدمُ الخوارج الأول للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في لُعاعة دنيا لما قسم عليه الصّلاة والسّلام قال: «اتق الله يا محمد، اعدل؛ فإني لا أراك تعدل» فقال عليه الصّلاة والسّلام: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء»(52) يعني أَمِنَنِي اللهُ عزّ وجلّ على وحيه ولا تأمنوني على هذا الحطام!! «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء»(53) هذا الشاهد، كقوله «ربنا الله الذي في السماء» وهكذا قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث «والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه»(54)، أخبر عليه الصّلاة والسّلام بأن بين الأرض والسماء الدنيا مسيرة خمسمئة سَنَة، وبين السماء الدنيا والتي تليها خمسمئة، وهكذا التي تليها، وبين السماء السابعة وبين البحر - الماء - الذي عليه العرش ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ(55) مسيرة خمسمئة سَنَة، وبين الماء والعرش خمسمئة سَنَة، والله فوق العرش سبحانه وتعالى وهو يعلم ما أنتم عليه، يعني وهو سبحانه في عليائه العظيمة لا يعزب عنه شيء مما أنتم عليه حتى مما توسوس به الصدور، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ(56)، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ(57)، فلا يخفى عليه شيء، وهو سبحانه وتعالى فوق السماوات على عرشه مستو سبحانه، وهكذا قوله للجارية «أين الله؟» قالت: في السماء، الجارية هذه أراد معاوية بن الحكم رضي الله عنه أن يعتقها، فقال عليه الصّلاة والسّلام: «ائتني بها» سألها سؤالان حتى يعرف هل هي مؤمنة لتعتق، قال: «أين الله؟»(58) قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» لأنها عرفت ربها وعرفت نبيّها عليه الصّلاة والسّلام، الشاهد «الله في السماء» فأقرَّها رسول الله عليه الصّلاة والسّلام على ذلك.

وذكر حديث «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك أينما كنت»(59) معية الله عزّ وجلّ، فالله فوق السماوات سبحانه وتعالى وهو مع عباده لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وقلنا: إن المَعِيَّة نوعان: معيّة عامة وهي معيّة إحاطة بالجميع من مسلم وكافر ورطب ويابس وما في السماوات وما في الأرض؛ فإن الله محيط به، والنوع الثاني المَعِيَّة الخاصة وهي التي تقتضي النصرة والتأييد، وهي خاصة بالمؤمنين ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا(60)، وقوله عزّ وجلّ لموسى وهارون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(61) إلى آخره مما تقدم ذكرُه، الشاهد قوله (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك أينما كنت) أن ترقب الله سبحانه، سواء كنت في بَرٍّ أو في بحر أو أغلقت على نفسك الباب أو خرجت خارج البلاد ولا يعرف بك أحد من أهل تلك البلاد؛ أن تعلم أن الله معك، وأنه إن غاب المخلوقون؛ فإن الرب عزّ وجلّ لا يغيب عنه شيء، فهذا أفضل الإيمان أن تراقب الله تعالى، أن تعلم أن الله معك حيثما كنت.

ثم ذكر حديث «إذا قام أحدكم إلى الصلاة؛ فلا يبصق قِبَل وجهه»(62) يعني لا يجوز - عياذًا بالله - أن يتفل الإنسان وهو يصلي أمامه، فهذا محرم ولا يجوز، ولا عن يمينه، لأن عن يمينه ملكًا، ولكن عن يساره، يتفل عن يساره، وهذا قطعًا في المساجد في المواضع التي تكون مثلًا من الحصباء وإذا لم يتأذى بها أحد، فقد تكون من الحصباء ومن التراب كالمساجد القديمة فيتفل؛ فيمكن أن يدفنها في مثل هذا الحال، ولا يكون هذا في المساجد المفروشة، لأن المساجد المفروشة لا يتأتى فيها هذا، يبقى فيها هذا الأذى، ولا عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت قدمه، في اللفظ الآخر أخبر عليه الصّلاة والسّلام قال: «أو ليقل هكذا، فأخذ صلّى الله عليه وسلّم طرف ثوبه وتفل فيه ودلكه»(63)، المهم أن لا يتفل أمامه، لا يحل هذا، لِمَ؟ لأن الله قِبَل وجهه، إذا صلّى المصلي أقبل اللهُ تعالى عليه، فالله تعالى كما تقدم في نصوص القرآن وفي نصوص السُّنَّة وهو محل إجماع أهل السُّنَّة أن الله تعالى في السماء، ولكنه سبحانه وتعالى يُقْبل على المصلي سبحانه وبحمده إذا هو صلّى وهذا من فضل الصلاة وعظيم قدْرِها؛ فإن الله تعالى يُقْبل على المصلي، فإذا أقبل الله تعالى عليه فلا يحل ولا يجوز ولا يسوغ بتاتًا أن يتفل قِبَل وجهه، وليس معنى ذلك أن الله بين العبد وبين الجدار، لا، ليس هذا هو المراد، بل الله عزّ وجلّ في السماء ويقبل على عبده سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته.

ثم ذكر الحديث «اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، مُنْزِل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شرّ نفسي، ومن شر كل دابّة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء»(64) لاحظ الآن تفسير السُّنَّة للقرآن كما قلنا، تقدم أن أفضل تفسير لا يمكن أن يكون أفضل من تفسير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أفضل التفاسير تفسير الرسول صلّى الله عليه وسلّم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ(65)، هنا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في مقام بيان هذه الأسماء، أنت الأول فليس قبلك شيء، ليس قبل الله بتاتًا أي شيء لأن له الأولية المطلقة، وأوليته تعالى ليست مسبوقة بعدم، لهذا أنكر أهل العلم أن يطلق القديم لأن القديم يكون مسبوقًا، كما قال تعالى: ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ(66)، آباؤنا الأقدمون قبلهم آباؤهم الأقدمون، وقبلهم أجدادنا الأقدمون، ولهذا لا يطلق على الله قديم، فيسمى سبحانه وتعالى بالأول، «أنت الأول» الأول بيَّنه النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام: «أنت الأول فليس قبلك شيء»، «وأنت الآخر فليس بعدك شيء» ليس بعد الله تعالى شيء، الله تعالى هو الباقي وحده، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(67)، فإذا أراد الله سبحانه وبحمده إنهاء هذه الدنيا مات كل الأحياء ولم يبق إلا هو، فصار هو الفرد كما كان أولًا صار هو الفرد سبحانه وتعالى آخرًا، فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فهو الآخر فليس بعده سبحانه وتعالى شيء، ثم قال: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» نص صريح جدًا في علو الله تعالى، الظهور معناه العلوّ كما في حديث «لا تزال طائفة من هذه الأُمَّة ظاهرين»(68) أي أنهم يعلُون من سواهم، وقال تعالى في خبر يأجوج ومأجوج: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(69)، فلم يستطيعوا أن يظهروه أي أن يعلوه ويرتفعوا عليه، فالظاهر هو العالي الذي ليس فوقه شيء، أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، من جهة الإحاطة، فإنه محيط بكل شيء سبحانه وتعالى، فصارت هذه الأسماء؛ الاسمان الأولان الأول والآخر يتعلقان بالزمان، والظاهر والباطن يتعلقان بالمكان، فالرب عزَّ اسمُه ليس قبله أحد وليس بعده أحد سبحانه وبحمده، وهكذا ليس فوقه أحد وليس دونه أحد سبحانه جلَّ في عُلَاه، «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء»، ثم ذكر هذا الدعاء، بعد هذا التعظيم العظيم لله قال: «اقض عني الدين» لأمر الدَّيْن وثِقَلِه وشدته، فسأل الله هذه الأسئلة العظيمة بهذه الأسماء وبهذه الصفات سائلًا الله تعالى أن يقضي عنه الدين وأن يغنيه من الفقر، وهذا يدل على شدة الدَّيْن وعلى أن هذا التوسل العظيم بهذه الأسماء والصفات يسوغ ولا بأس به وحسن أن تطلب به أمرًا دنيويًا، كقضاء الدين أو أن تطلب به شفاء مرضك أو أن يُؤَمِّنَ اللهُ روعتَك، ونحو ذلك، كل هذا لا إشكال فيه، تدعو الله تعالى بأمر الدنيا والآخرة معًا.

لمَّا رفع الصحابةُ رضي الله عنهم أصواتهم بالذكر، الذكر لا ينبغي أن يُرفع الصوت به إلا في المواطن التي ورد فيها رفع الصوت، مثل التلبية ومثل بعد السّلام، بعد السّلام هذا من السُّنن التي تكاد تموت للأسف، بعد السّلام يشرع رفعُ الصوت، طبعًا ليس شديدًا يعني بحيث أنه صاخب، لكن إذا صار كل واحد يستغفر يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السّلام ومنك السّلام إلى آخره، هذا وهذا والذي في آخر المسجد والذي في وسطه يكون هناك ارتفاع للصوت، لذا كان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون انقضاء صلاة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالتكبير، الناس من خلفه يبدؤون في ذكر الله عزّ وجلّ فيُعلم أنه انتهى صلّى الله عليه وسلّم من الصلاة، وروى الشافعي أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يقول بصوته الأعلى(70)، يعني أنه كان يرفع صوته بالذكر بعد السّلام، وفي البخاري أن الذِّكْر بعد السّلام زمن ابن الزبير في المسجد الحرام كان لهم به لَجَّة(71)، ففي الصوت لجّة، لكن خفتت هذه السُّنَّة وقلّت، ولا يعني ذلك الصراخ والصياح الشديد بالذكر لأن هذا غير مشروع، ولكن يكون بالوضع الذي ذكرنا، أما بقية الأذكار فالأصل أن تكون بغير صوت رفيع، حتى القرآن لا يشرع الجهر به على من يقرآ، فأنت تقرأ وأخوك يقرأ؛ فإذا رفعت صوتك عليه فإن هذا يشوش عليه لأنه هو يقرأ ويناجي ربه وأنت تقرأ وتناجي ربك، فكذلك الحال، لكن المواضع التي جاء في السُّنَّة الدلالةُ على رفع الصوت فيها فإنه يرفع الصوت كالتلبية؛ يشرع رفع الصوت بها، وهكذا مثلما قلنا الذكر بعد السّلام - بعد الفراغ من الصلاة - وما ورد، أما بقية المواضع فإنه لا يشرع رفع الصوت به.

قال عليه الصّلاة والسّلام: «أربعوا على أنفسكم»(72) أمرهم بالترفق، «فإنكم لا تدعون أصمّ» وهو الذي لا يسمع «ولا غائبًا» وهو غير الحاضر، «إنما تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» سبحانه وبحمده، قريب ممن دعاه عزَّ اسمه، قريب ممن يذكره، فلا حاجة إلى أن تصيح وترفع الصوت، الأصم الذي لا يسمع إلا بكلفة يحتاج إلى أن يُرفع الصوت، وهكذا الغائب، أما الرب تعالى فليس أصم ولا غائب، فهو على عرشه فوق سماواته ومع ذلك أقرب إلى الواحد منا من عنق راحلته، الراكب على الراحلة عنق الراحلة قريب جدًا منه، ومع ذلك فالله تعالى أقرب إلى العبد من عنق راحلته، وليس معنى ذلك الاختلاط - أن الله مختلط بعباده -، بل هو أقرب إلى عباده وهو فوق عرشه سبحانه.


(1) صحيح البخاري (1145).
(2) صحيح مسلم (2747).
(3) صحيح البخاري (2826).
(4) هنا ضبط الشيخ لفظة (أزْلين) بسكون الزاي.
(5) حسن. المستدرك (8683) بنحوه. راجع الصحيحة (2810).
(6) صحيح البخاري (4848).
(7) صحيح البخاري (4741).
(8) صحيح البخاري (7512).
(9) رواه أبو داود (3892)، وقال الشيخ الألباني رحمه الله في ضعيف الترغيب والترهيب (2013): (ضعيف جدًا).
(10) صحيح البخاري (4351).
(11) ضعيف. رواه أبو داود (4723) بألفاظ قريبة، وانظر أوجه التضعيف والردّ على من صحّحه في الضعيفة (1247).
ولكن جاء بألفاظ أقرب عن ابن مسعود موقوفًا – ومثله حكمه الرفع - وإسناده صحيح، انظر (التوحيد) (244/ 1) (885/ 2) لابن خزيمة وانظر كتاب (مختصر العلو) للشيخ الألباني رحمه الله (ص103).

(12) صحيح مسلم (571).
(13) ضعيف. حلية الأولياء (124/6). ضعيف الجامع (1002).
(14) صحيح البخاري (406).
(15) صحيح مسلم (2713).
(16) صحيح البخاري (2992).
(17) صحيح البخاري (7).
(18) يونس: 26.
(19) صحيح مسلم (181).
(20) البقرة: 43.
(21) هود: 114.
(22) البقرة: 43.
(23) الإبانة الكبرى لابن بطة (346/1).
(24) النجم: 3، 4.
(25) النساء: 23.
(26) البقرة: 140.
(27) صحيح البخاري (5063).
(28) الأنعام: 124.
(29) النساء: 113.
(30) مريم: 12.
(31) الطارق: 13، 14.
(32) سبق تخريجه.
(33) سبق تخريجه.
(34) صحيح مسلم (2577).
(35) سبق تخريجه.
(36) الأعراف: 156.
(37) سبق تخريجه.
(38) سبق تخريجه.
(39) سبق تخريجه.
(40) صحيح مسلم (2847).
(41) مريم: 52.
(42) مريم: 52.
(43) سبق تخريجه.
(44) النساء: 164.
(45) التوبة: 6.
(46) أوره شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى (5/ 246) بلفظ (كما يرزقهم في ساعة واحدة)، ولم أعثر على تخريج الأثر.
(47) الرعد: 41.
(48) الشورى: 11.
(49) النحل: 74.
(50) سبق تخريجه.
(51) صحيح البخاري (3150).
(52) صحيح البخاري (4351)، وأما جملة (ما أراك تعدل!) فهي عند الطبراني في مسند الشاميين (2765).
(53) سبق تخريجه.
(54) سبق تخريجه.
(55) هود: 7.
(56) ق: 16.
(57) البقرة: 235.
(58) سبق تخريجه.
(59) سبق تخريجه.
(60) النحل: 128.
(61) طه: 46.
(62) سبق تخريجه.
(63) صحيح مسلم (550).
(64) سبق تخريجه.
(65) النحل: 44.
(66) الشعراء: 76.
(67) الرحمن: 26، 27.
(68) صحيح مسلم (1920).
(69) الكهف: 97.
(70) مسند الشافعي (ص44).
(71) الذي في البخاري (1/ 156): (وقال عطاء: (آمين دعاء) أمَّنَ ابنُ الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجّة).
(72) سبق تخريجه.


 مواد ذات صلة: