موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح العقيدة الواسطية

  

إِثْبَاتُ اِسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(1) فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ، فِي سُوْرَةِ الأَعْرَافِ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(2).

وَقَالَ فِي سُوْرَةِ يُونُس عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(3).

وَقَالَ فِي سُوْرَةِ الرَّعْد ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(4).

وَقَالَ فِي سُوْرَةِ طه: ﴿الرحمن اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(5).

وَقَالَ فِي سُوْرَةِ الفُرْقَان: ﴿ثم اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَن(6).

وَقَالَ فِي سُوْرَةِ السَّجْدَة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(7).

وَقَالَ فِي سُوْرَةِ الحَدِيْد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(8).


هذه الآيات السبع وردت في كتاب الله أولها في سورة الأعراف وآخرها في سورة الحديد، كلها فيها إثبات استواء الله تعالى على العرش، هذه مسألة من المسائل الكبار جدًا، وبذلك يتميز المبتدع من السُّنِّيّ، السلف رضي الله عنهم وأرضاهم فسروا الاستواء تفسيرًا واضحًا جدًا، وهو الذي دلت عليه اللغة، لأن كلمة استوى إذا عُدّيت بحرف على فإنها ليس لها إلا معنى العلو والارتفاع، هذا أمر معروف، فسّر السلف رضي الله عنهم الاستواء بما يدل على هذا، ولهم في تفسير الاستواء أربعة تفاسير لا يناقض بعضها بعضًا، ذكرها ابن القيم رحمه الله بقوله في النونية:

فلهم عبارات عليها أربع*** قد حصلت للفارس الطعان

وهي استقر وقد علا وكذلك *** ارتفع الذي ما فيه من نكران

وكذاك قد صعد الذي هو أربع*** وأبو عبيدة صاحب الشيباني

يختار هذا القول في تفسيره *** أدرى من الجهمي بالقرآن

فالاستواء على العرش معناه العلو على العرش والارتفاع عليه، والعرش هو أعظم مخلوقات الله تعالى على الإطلاق، الله تعالى يقول في محكم القرآن في الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ(9)، وجاء في الحديث أن السماوات السبع بالنسبة إلى الكرسي كسبعة دراهم ألقيت في ترس(10)، والكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ألقيت في فلاة(11) - أي في بريّة - الحلقة التي تُلقى في فلاة ما هي؟ الحلقة شيء صغير جدًا، محدود، الكرسي هذا الذي وسع السماوات والأرض بالنسبة للعرش كحلقة في بريّة، وهذا يدل على عظمة العرش، ولهذا ذكر الله العرش في مواضع من كتابه، وعظَّم من شأنه وفخَّم من أَمْرِهِ لأنه أعظم مخلوقات الله تعالى على الإطلاق، ولهذا قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا سألتم الله تعالى فأسالوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفه عرش الرحمن»(12) فالفردوس هو أعلى الجنة، سقف الفردوس - الذي هو فوق الفردوس قطعًا - هو عرش الرحمن، والعرش هذا لا يقدر قدره إلّا الذي خلقه سبحانه، إذا علمتَ أن السماوات والأرض - السماوات السبع والأرضين جميعًا - قد وسعها الكرسي، ثم هذا الكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة، فهذا يدل على عظمة شأن العرش، والصحيح أن العرش هو أول مخلوقات الله عزّ وجلّ، أوَّل ما خلق الله هو العرش سبحانه، أما حديث «أوَّلُ ما خلق اللهُ القلم»(13) فليست الأوليّة هنا أوليّة مطلقة لحديث ابن عمرو رضي الله عنهما: «إنّ الله قدَّر مقادير السماوات والأرض قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام؛ وكان عرشه على الماء»(14)، فدل على أن العرش قبل التقدير، والقلم لَمَّا خلقه الله تعالى أمره سبحانه وتعالى أن يكتب مقادير الخلق فجرى في تلك الساعة بما هو كائن، في حديث ابن عمرو قال: «وكان عرشه على الماء»، فدل على أن العرش قبل ذلك، استواء الله على عرشه وعلوه عليه، والرب سبحانه وتعالى ذكر استواءه على العرش في كتابه معرِّفًا بنفسه ومعظمًا من شأن استوائه تعالى على العرش، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(15)، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام هذا مما يُمدح الرب به، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا(16)، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ كل هذا تعظيم من الرب لنفسه تعالى ولهذا قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، استواء الله تعالى على العرش كما يليق به، و استواء الله على العرش من الصفات الفعلية ليس من الصفات الذاتية، يجب أن تفرق بين العلوّ وبين الاستواء على العرش، العلوّ صفة ذاتية ملازمة لذات الله عزّ وجلّ، أما الاستواء على العرش صفة فعلية، الصفات الفعلية متعلقة بالمشيئة، ودل على أنه من الصفات الفعلية هذه الآية ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(17)، فدل على أن استواءه تعالى على العرش بعد خلق السماوات والأرض، وتقدم أن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم يُقرّون أن الاستواء على العرش حق لا شك فيه، ولهذا فسروا بهذه التفسيرات: استوى على العرش، علا على العرش، ارتفع على العرش، صعد على العرش، استقر على العرش، كلها تفاسير تؤكد أن الاستواء على العرش على ظاهره، فإذا جئنا إلى الكيفية تقدم كلام مالك لما سأله رجل عن الكيفية قال: الاستواء معلوم، يعني من جهة المعنى كما فسره السلف بهذه التفاسير الأربعة، وكل هذه التفاسير - وهذا يُنتبه له في تفاسير السلف - كل هذه التفاسير لا تناقض بينها، فليس الذي يقول: علا على العرش يختلف كلامه عن الذي يقول: ارتفع أو صعد أو استقر، كلها دالة على أمر واحد؛ وهو أن الرب تعالى استوى عليه استواء حقيقيًا، فإذا سُئِل المؤمن عن الكيفية فمثل ما تقدم، لا يجوز السؤال عن الكيفية، ولهذا روى الصابوني رحمه الله في كتابه اعتقاد أهل الحديث أن بعض أهل العلم: قال: إذا قال لك الجهميُّ: كيف استوى على العرش؟ فقل له: إنّا لم نُؤتى من الغيب إلا ما قد أُعْلِمْنَاه من نصوص، وقد أخبرنا الله أنه استوى على العرش ولم يُبين لنا كيفية ذلك، لو أن الله بيّن لنا كيفيته - وحاشا لله أن يُبين لأن الله لا يُحاط بالأصل - لكن نقول: لو أن الله بيّن لنا الكيفية لأخبرنا بالكيفية، لكن أخبرنا الله بالاستواء ومعناه واضح؛ فنحن نُقِرُّ بالاستواء، أما أن تسأل عن الكيفية؛ فالله ما أخبرنا بالكيفية، ولو رُويت له كيفية - على فرض أنها رويت في حديث صحيح أو أن الله بيّنها في القرآن - لقلنا بها، فنحن في موضع الأسماء والصفات - كما تقدم - عندنا المعنى واضح، ولهذا في الاستواء تُبَيِّن وتُوضحْ معناه، وقال مالك رحمه الله في الاستواء: هو معلوم، وتفسر وتقول: استوى على العرش أي علا وارتفع على العرش، فالمعنى واضح، فإذا جاء ابنُ آدم الضعيف المسكين ليقول: كيف استوى على العرش؟ فكما قال السلف؛ يقال له في هذه الحالة: روحك التي بين جنبيك لو أنها خرجت لهلكت، وإذا بقيت فيك فلو أصيب جسمك بما أصيب به من الأدواء فإنك تبقى حيًا، يقول: نعم، ما هي الروح؟ قال أهل العلم: جَعَلَ اللهُ الروح في جسد الإنسان يجهلها عبرة لأمور الغيب، فقبل ما تتسور تذهب تسأل عن كيفية استواء الله عزّ وجلّ! هات كيفية روحك هذه؟ التي هي عجب في الإنسان، لو سقط من جبل وتكسر كل عضو فيه؛ فما دامت روحه فيه فإنه حي، لو احترق معظم جسده وأصيب إصابات شديدة؛ مادامت الروح فيه فيبقى حيًا، ثم إنه في كامل عافيته جالس يأكل أو يشرب أو يضحك أو يتكلم فجأة يهلك، خرجت روحه، ما هذه الروح العجيبة، ابن آدم ما يعرف هذا ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(18)، فالذي لا يستطيع أن يعرف الروح التي بين جنبيه أيريد أن يتسور ويسأل عن كيفية صفات الله عزّ وجلّ، فالحاصل أن استواء الله على عرشه على ظاهره حق لا شك فيه، ويبقى أمر الكيفية إلى الله تعالى لا نقول فيه.


(1) طه: 5.
(2) الأعراف: 54.
(3) يونس: 3.
(4) الرعد: 2.
(5) طه: 5.
(6) الفرقان: 59.
(7) السجدة: 4.
(8) الحديد: 4.
(9) البقرة: 255.
(10) ضعيف. تفسير الطبري (5794). قال الذهبي رحمه الله في كتابه (العلو للعلي الغفار) (ص100): (هذا مرسل، وعبد الرحمن ضعيف)، وانظر أيضا الضعيفة (6118).
(11) صحيح. تفسير الطبري (5794). رواه ابن أبي شيبة في كتابه (العرش) (432). الصحيحة (109).
وأما حديث أبي ذر المرفوع الذي عند أبي الشيخ في (العظمة) (587/ 2) بلفظ (الكرسي موضع القدمين) فهو ضعيف. الضعيفة (6118).
قال الشيخ الألباني رحمه الله في التعليق على الطحاوية (ص54): (وأما الكرسي ففيه قوله تعالى {وسع كرسيه السماوات والأرض} (البقرة:255)، والكرسي هو الذي بين يدي العرش، وقد صح عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى). وهو مخرج في كتابي (مختصر العلو للذهبي) ولم يصح فيه مرفوعا سوى قوله عليه الصلاة والسلام (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة)، وذلك مما يبطل أيضا تأويل الكرسي بالعلم، ولم يصح هذا التأويل عن ابن عباس كما بينته في الصحيحة (109)).

(12) صحيح البخاري (2790).
(13) صحيح. أبو داود (4700)، والترمذي (2155). صحيح الجامع (2018).
(14) صحيح مسلم (2653).
(15) الأعراف: 54.
(16) الأعراف: 54.
(17) الأعراف: 54.
(18) الإسراء: 85.


 مواد ذات صلة: