موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح العقيدة الواسطية

  

الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل

في بيان اعتقاد أهل السُّنَّة في الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، تقدم أن التحريف يراد به هنا التغيير، وأنه هو التعبير السليم بدلًا من أن نقول من غير تأويل، لأن التأويل يطلق تارةً على معنى صحيح وهو الوارد في كتاب الله عزّ وجلّ وهو إلى ما يؤول إليه الأمر، ويطلق على معنى التفسير، ويطلق عند المتأخرين الذين نَحَوا منحى تغيير الصفات على صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يزعمونه فسموا هذا تأويلًا، والواضح أنه تحريف كما تقدم من غير تحريف ولا تعطيل: تقدم بيان الفرق بين التحريف والتعطيل، فقال رحمه الله تعالى: ومن غير تكييف ولا تمثيل، التكييف والتمثيل طريقة أهل التشبيه وطريقة أهل التعطيل هي السابقة؛ إما التحريف وإما التعطيل، والمعطل إذا عطل اللفظ عن ظاهره فإنه يزعم أن المعنى غير معلوم فيفوض المعنى، ولهذا قلنا: إن المحرف يأتي بمعنى من تلقائه بعد أن يغير المعنى، أما المعطل فإنه يعطل اللفظ عن ظاهره ولا يأتي بمعنى ويقول يُفَوَّضُ معناه، وهذان مسلكان لأهل التأويل الباطل، ومن نفيس ما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فائدة مهمة لطالب العلم في بيان حقيقة ما عليه أهل التعطيل وهو أنه رحمه الله لما تكلم عن تأويلات المتأخرين كابن فورك والرازي وأبي الحسين البصري والجبائي وأمثالهم؛ هذه التحريفات للنصوص من أين أتت؟ بيّن رحمه الله تعالى أنها أتت من بِشْر المِرِيسي والذي كان معاصرًا للشافعي رحمه الله تعالى ولعدد من أئمة الإسلام وضلَّلوه وبدَّعوه، بِشْرٌ هذا لم يلقَ الجهم بن صفوان كما قلنا وإنما كما قال الذهبي رحمه الله تعالى تلقف أقوال الجهم بن صفوان من أصحاب الجهم أنفسهم، وكان بِشْرٌ هذا من عتاة الجهمية وهو رأس الجهمية فيما بعد، لمَّا صنَّف مصنفًا في تحريف هذه النصوص ردَّ عليه الإمام العلامة عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف في الرد على بشر المِرِيسي - رد عثمان بن سعيد - فردَّ عليه رحمه الله تعالى وصار إذا رد عليه ينقل تأويلات تحريفات بشر المِرِيسي هذا ويرد عليها، يقول شيخ الإسلام: فعلمنا أن التأويلات التي عند الرازي وأبو الحسين البصري وعند الجبائي وعند ابن فورك قد تلقوها من بِشر هذا؛ لأن الدارميَّ يقول: إنك تقول في قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(1) استولى وتزعم أن هذا مدلول اللفظ في كتاب الله والرد عليك كذا، فوجدت نفس تأويلات بشر المِرِيسي عند هؤلاء المتأخرين، فدل أن التجهم كما قلنا الجهمية تيار، الجهمية عند السلف هم كل من نفى الصفات أو بعضها، وهذا يدلك على أن الجهمية تيار يتلوَّن ويتفاوت، فهم على ثلاثة اتجاهات، الاتجاه الأول اتجاه الجهمية الغلاة وهم الذين ينفون جميع الأسماء وجميع الصفات وهذا اتجاه الجهم بن صفوان، الاتجاه الثاني الذين ينفون الصفات ويزعمون أنهم يثبتون الأسماء وهم المعتزلة، الاتجاه الثالث فروع الجهمية رأسهم الكُلَّابية أتباع عبد الله بن سعيد القطان ابن كُلَّاب ثم ورثتهم الأشعرية والماتريدية فصاروا ينفون كثيرًا من الصفات ويثبتون الأسماء، وأصل شبهة ابن كُلَّاب - التي تبعه عليها متقدمو الأشاعرة - إثبات الصفات الذاتية دون الصفات الفعلية، ثم صار الأشعرية المتأخرون على قول قريب جدًا من مقولة المعتزلة بإثبات سبعة من الصفات فقط ونفي باقي الصفات، وهذا يدل على أن هذا التيار هذه التيارات التي تكون بدعية تيار الخوارج يكون له عدة ألوان فتجد عند هذه الطائفة مقولة من مقولات الخوارج، تجد غلوًا أو تجد دون ذلك، فالإباضية على سبيل المثال خوارج بلا شك بإجماع أهل العلم لكنهم خالفوا متقدمي الخوارج كالأزارقة والنَّجَدَات في بعض المسائل، فالنَّجَدات على سبيل المثال كانوا يقتلون الصبيان وفيه الأثر المعروف عن نجدة الحوطي أنه كتب لابن عباس رضي الله عنهما يستفتيه في قتل الصبيان لأنهم يستحلون قتل المسلمين ويرونهم كفارًا و يقتلون صبيانهم واستدل على ابن عباس رضي الله عنهما بقتل الخضر للغلام فقال حَبر الأمة رضي الله عنهما: (إن كنت الخضر فتعرف المؤمن من الكافر؛ فاقتله)(2)، مسألة خاصة أوحي بها للخضر عليه السلام لأنه نبي على الصحيح، يقول كيف تستحل قتل الصبيان وقد نهى عن قتلهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فنجدة وأمثاله من الغلاة والإباضية أيضًا من الخوارج لأن الإباضية يستحلون الدماء دون الأموال، والدماء أعظم وأشد، فهذا تيار، يأتيك تيار التشيع، فيكون هذا التيار متلوّنًا، يدخل في تيار التشيع الباطنية، يدخل في تيار التشيع الاثنا عشرية، يدخل فيه الزيدية، وهكذا طالب العلم، الحقيقة من المفيد أن يكون لديه إلمام بهذه الفِرَق لكن بعد أن يؤصِّل العقيدة، لا بد أن تتأصل عندك العقيدة ثم تعرف هذه المقالات لأنا ونحن نشرح العقيدة الآن حين نقول من غير تحريف ولا تعطيل، مَن هم أهل التحريف ومَن هم أهل التعطيل؟ ومِن غير تكييف ولا تمثيل، مَن هم أهل التكييف ومَن هم أهل التمثيل؟ فيحتاج طالب العلم أن يعرف مقولات الفِرَق إجمالًا لكن بعد أن يتأصل عقديًا، لأن من الخطأ البالغ أن يدرس الباطل قبل الحق؛ أن يقول سأطلع على مقولات المعتزلة قبل أن يعرف مقولة أهل السُّنَّة المأخوذة من كتاب الله ومن سُنَّة نبيه صلّى الله عليه وسلّم، فهذا لا شك مما يفيد طالب العلم إذا ضبطه بعد أن يعرفه، ثم إنه يربط المبتدعة المتأخرين بالمتقدمين، فشيء كثير جدًا تفهمه من مقولات المعاصرين الآن إذا كنت ملمًّا بمقولات الفرق الضالة في السابق حتى الفلسفة الحديثة الآن التي يُزعم أن مقولات جديدة تختلف كل الاختلاف عن الفلسفة السابقة، هذا غير صحيح، هناك روابط كبيرة جدًا بين الفلسفة الإلحادية الآن وبين الفلسفة القديمة، والروابط كبيرة لأن الضلال والزيغ يُبنى بعضه على بعض ثم يتلون ويتشعب لكن يكون لهذه المقولات الباطلة أصول من الضلال تكون مقولة قالها رجل قد تطور أو يزاد عليها لكن هي مقولات على هذا الحد سواء في الأسماء والصفات، سواء في القدر، سواء في النَّبوّة، سواء في المقولات التي وردت في الغربيين أو من الشرق، تجد لهذه والعياذ بالله أصولًا من الضلال، لكن نؤكد على أمر هو أن لا يدرس طالب العلم الضلال حتى يضبط أمر العقيدة.

قوله رحمه الله: من غير تكييف ولا تمثيل، التكيف ما معناه؟ هو تعيين كيفية الصفة، يزعم أن استواء الله تعالى على كيفية معينة، فيُعين كيفية للصفة، والسؤال عن الله بكيف لا يحل بتاتًا، فلا يجوز أن يقال عن الله تعالى كيف، ولهذا لما سأل الرجل مالكًا يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(3) كيف استوى؟ عَظُمَ ذلك على مالك رحمه الله تعالى حتى علاه الرحضاء، أطرق برأسه حتى علاه الرحضاء -وهو العرق- من شدة هذا السؤال ثم قال: (الاستواء معلوم -أي معلوم المعنى-، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، ثم أُمِرَ بالرجل فأُخْرِجَ)(4) من المسجد لأنه سأل عن الله بكلمة كيف.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (لا يقال للأصل كيف ولا لِمَ)(5)، والأصل ما هو؟ قال رحمه الله الأصل قرآن وسُنَّة يعني الدليل، إذا قال الله؛ لا تقل لله كيف، لا يقال لله عزّ وجلّ كيف، ولا يقال لله لمَ، لا يقال لله عزّ وجلّ لماذا جعل الله الصلوات خمسًا؟ لماذا لمْ يجعلها أربعًا؛ لمْ يجعلها ستًا، ما يحتمل، ليس هناك أحد كائن من كان في مقام يقول لله لماذا؟ قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(6) فليس لأحد بتاتًا أن يسأل عن الله تعالى كيف أو بـ لِمَ، فالتكييف هو دعواهم أن للصفة كيفية معينة يحددها، أما التمثيل فإنه يعني تشبيه الرب سبحانه وتعالى بغيره بأن يجعل صفة الله تعالى مماثلة لصفة أحد من المخلوقين، وكلا القولين لا شك أنها من أقوال أهل الضلال والزيغ وبه نعلم أن الاتجاهات الباطلة في الصفات على ما ذكرنا؛ إما بأن يبالغ في الإثبات حتى يُمَثِّل صفة الرب تعالى بصفة المخلوق وإما أن يبالغ في النفي حتى ينفي المثبت، وهذا سيأتينا إن شاء الله أنه ضرب من ضروب الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته، هذه المقدمات الآن سنطيل بها إن شاء الله في المقدمة فإذا أتينا إلى النصوص من القرآن والسُّنَّة فإذا بهذه القواعد عندنا واضحة، فإذا جاءت آيات في الرحمة في السمع في البصر في الاستواء اتضحت القاعدة عندنا لأنه سواء كانت الآية التي تثبتها من الصفات الذاتية والصفات الذاتية هي الملازمة للرب تعالى لم يزل ولا يزال متصفًا بها أو من الصفات الفعلية المرتبطة بمشيئته التي يفعلها متى شاء سبحانه أيًا كانت فعندك قاعدة أن تثبتها لله تبارك وتعالى على الوجه اللائق به ولا تشبهها بصفات المخلوقين وتجنبها التحريف أو التعطيل، وسواء كانت في القرآن أو في السُّنَّة اتضحت عندك القاعدة. نعم.


(1) طه: 5.
(2) صحيح. أحمد (1967)، وصححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تحقيق المسند.
(3) طه: 5.
(4) رواه البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (867)، وقال العسقلاني رحمه الله في الفتح (407/ 13): إسناده جيد.
(5) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص178).
(6) الأنبياء: 23.


 مواد ذات صلة: