موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح العقيدة الواسطية

  

الإيمان تعريفه وأركانه

قال رحمه الله تعالى: وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره، قوله: وهو المراد به، الاعتقاد الذي عليه الفرقة الناجية، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر، قد يُعَبَّر عنه بالإيمان باليوم الآخر وقد يُعَبَّر عنه بالبعث بعد الموت، البعث بعد الموت ويكون ما بعده من جزاءٍ وحسابٍ وجنة ونار؛ كل هذا داخل في اليوم الآخر.

يقول رحمه الله: وهو الإيمان، الإيمان يفسره كثيرون بأنه هو التصديق، وهذا ليس بصحيح لا في الاصطلاح ولا في اللغة كما حققه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كثير من الناس يقول الإيمان لغة هو التصديق وهذا منتشر، الحقيقة والصواب أن الإيمان في اللغة ليس مجرد التصديق وإلا فلو كان الإيمان هو التصديق لكان كل موضع وجد فيه فعل آمن يؤمن كان بالإمكان أن تضع بدلًا منه صدق يصدق، هذا ما يطَّرد باللغة، إذًا ما المراد بالإيمان في اللغة؟ الإيمان في اللغة لا يكون مجرد التصديق حتى يكون معه الإقرار، الإقرار المتضمن للانقياد، أما مجرد التصديق فهو بعض معنى الإيمان وليس كل معنى الإيمان، ولهذا شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الإيمان ذكر أن دعوى المرجئة أن الإيمان معناه التصديق باطل من حيث اللغة وأبطله من عدة جهات، فإن الإيمان فيه معنى الأمن - أنه يُؤْمَنُ الإنسانُ - ولهذا يطلق الإيمان على الأمور التي تغيب ويطلق التصديق على الأمور التي تشاهد، فإذا قيل: طلعت الشمس تقول: صدقت ونقول صدقناك أم نقول: آمنا؟ صدقناك لأنه شيء حسّي، الإيمان يطلق على الشيء المشاهد ويطلق على الأمر الغائب، لهذا دعوى أن الإيمان بمعنى التصديق مطلقًا ليس بسليم، بل التصديق جزءٌ من معنى الإيمان، فتفسير الإيمان بالتصديق المتضمن للإقرار الذي لا بد معه من الانقياد هو التفسير السليم.

والإيمان عند أهل السُّنَّة وبإجماعهم: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان، وقد صنف أهل السُّنَّة في هذا مصنفات كثيرة، وتجد آثارًا جمّة عن السلف الصالح رضي الله عنهم لأن بدعة الإرجاء ظهرت بعد فتنة ابن الأشعث، ابن الأشعث خرج على الحجاج بن يوسف وقاتله وأراد أن يخلع البيعة؛ فانتصر عليه الحجاج بن يوسف وقتل عددًا كبيرًا ممن مع ابن الأشعث، لما حصل ما حصل في هذه الفتنة انبعث الإرجاء، خرج الإرجاء ردة فعل لما وقع من قتال ابن الأشعث مع الحجاج، ولهذا كان خروج الإرجاء متقدمًا فهو من البدع المتقدمة، ليس مثل بدعة إنكار الصفات، بدعة إنكار الصفات متأخرة كما تقدم على يد الجعد بن درهم والذي قلنا قتل بعد عام عشرين ومئة، لهذا تجد في كلام السلف المتقدمين الردّ على المرجئة، ولهذا أبو وائل كما في البخاري لمَّا سُئِل عن المرجئة روى عن ابن مسعود رضي الله عنه الحديث الدال على بطلان قول المرجئة(1)، فالمرجئة متقدمون ولهذا تكلم عنهم السلف رضي الله عنهم وصنفت المصنفات الكثيرة في أمر الإيمان لأن ضبط مسألة الإيمان مهمة جدًا إذ يترتب عليها أمور كبيرة، عندنا يا أخوة مجموعة من المصطلحات إذا وجد الخلل في مصطلح وجد الخلل في مقابله تمامًا، فعندنا مصطلح الإيمان يقابله الكفر، الذي لا يعرف تعريف الإيمان سيكون عنده خلل في الكفر، عندنا التوحيد يقابله الشرك، الذي لا يعرف معنى التوحيد سيقع عنده خلل في معنى الشرك، ولهذا إذا انضبط عند الإنسان معنى الإيمان عرف الكفر حقيقةً، وإذا لم ينضبط فإنه لا يضبط معنى الكفر، فمن قصر الإيمان على شيء من معناه سيقصر الكفر على شيء من معناه، وبالتالي سيخرج أمورًا هي كفرية عن الكفر، هذا وجه الخطورة، فعلى سبيل المثال: الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد اعتقاد القلب وهو عليه الآن الأشاعرة والماتريدية وعليه أهل الإرجاء وهو الذي استقر عليه الإرجاء لاحقًا؛ إذا قال: إن الإيمان هو التصديق؛ ماذا يكون الكفر؟ يكون الكفر من جهة القلب فقط، فإذا قيل: إن الإيمان هو التصديق فالكفر هو الجحود والتكذيب، ينفتح إشكال خطير جدًا، ماذا لو أن أحدًا تلفظ بالكفر؟ يقولون: هو دخل من جهة قلبه الإيمان فلا نخرجه إلا من جهة قلبه! انفتح باب شرّ كبير بهذا التعريف، فمن تلفظ بسبّ الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم؛ هذا بلسانه تكلم؛ هنا قالوا: إنه إذا سبّ الله تعالى أو أستهزأ بالشرع فمن جهة تصديق قلبه تصديق قلبه باقٍ فيكون عند الله مؤمنًا ولكن من جهة الحكم الدنيوي يُقتلُ بناءً على أنه تلفظ بألفاظ الكفر، قال أهل السُّنَّة: كيف تقتلونه؟ إذا كنتم تقولون: إن الإيمان هو التصديق والكفر هو الجحود والتكذيب فليس من حقكم أن تقتلوه، إنما يُقتل إذا قلتم إن الإيمان قول باللسان؛ يكون الكفر قول باللسان أيضًا، وإذا قلتم إن الإيمان اعتقاد بالقلب يكون الكفر من جهة القلب، وإذا قلتم إن الإيمان عمل يكون الكفر من جهة العمل، أما أن تقولوا: إن المُعَوَّل على مجرد القلب وتخرجوا عمل الجوارح ونطق اللسان ثم تقتلونه من هذه الجهة تكونون متناقضين، فمن هنا ضاعت المرجئة وضلت ضلالًا مبينًا في هذا الباب، وأقر الكشميري وهو منهم بأن ثمّة إشكالًا على قولهم بالكفر، هذا الإشكال أتى من جهة أنهم إن قتلوا أو كفروا من يتلفظ بلسانه يقول انتقض قولنا في الإيمان لأنه يقول: الإيمان هو التصديق وهذا الشخص يدعي أنه مصدق لكن يتلفظ بلسانه، يقول: وإن قلنا إن هذه الأمور ليست كفرًا مثل رمي المصحف - عياذًا بالله - في موضع النجاسة أو الاستهزاء بالله تعالى أو بنبيّه صلّى الله عليه وسلّم يقول: إن قلنا ليست كفرًا خالفنا إجماع الأمَّة، لا شك أنه خلاف إجماع السلف الصالح وما عليه أهل العلم رحمهم لله من أن هذه الأمور كفرية، وقد قال الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ(2) فدل على أن الإنسان يكفر بكلمة يقولها، كما أنه إذا سجد للصنم يكون كافرًا ويُعْلَم أنه كافر إلا أن يكون ملجئًا مضطرًا كان وضعًا آخر إلا من قالها وقلبه مطمئن بالإيمان، قال أهل العلم: واستثناء المكره من التكفير دليل على أن من فَعَلَ فِعْلَ المكره وهو غير ملجئ وغير مجبر فهو يكفر، وإلا لماذا يستثني اللهُ المكرهَ، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ(3) فمن فعل الفعل الذي رفع التكفير عن المكره به وهو غير مكره لا شك أنه يكون كافرًا لأنه الله استثنى المكره لأنه أُلجئ إلجاءً، السيف على رقبته يقال: اسجد للصنم وإلا قتلناك؛ فاستثناه الله تعالى من الفعل الكفري لأن قلبه مطمئن بالإيمان، ومن قيل له: تلفظ بألفاظ كفرية كشتم النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما حصل لعمار رضي الله عنه وإلا أمسُّوه بعذاب شديد لا يتحمله فتلفظ(4)، هذا يستثنى لأن قلبه مطمئن بالإيمان وهو ملجئ مكره، فمن فعل هذا الفعل وهو غير مكره (كلمة غير واضحة) يكون كافر، لأن الله استثنى المكره لأنه بمثابة الآلة في يد مَنْ أكرهه، فمن تلفظ بهذه الألفاظ غير مكره فإنه يكون كافرًا، قال شيخ الإسلام: بإجماع الأمَّة وإن ادعى بأن ما في قلبه اعتقاد صائب وأن تصديقه منعقد عليه القلب، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: إن حكاية قالها القاضي أبو يعلى عفا الله عنه نسبها للفقهاء بأن ثمة قولًا نسبه لأهل العلم في أن مثل هذا لا يكون كافرًا إلا إذا انعقد عليه قلبه! قال: لِيُعْلَمْ أن هذه الحكاية التي قالها أبو يعلى تلقفها من أناس من المرجئة، ولا يمكن أن ينقل في هذا عن أحدٍ من أهل الفقه وأهل الفتوى قولٌ بأن مثل هذا - أي غير المكره - يكون غير كافرٍ، لأن الله تعالى استثنى المكره في حال الإكراه فمن فعل الفعل الذي لأجله استثنى الله تعالى المكره - وهو غير مكره - فلا شك أنه يكون كافرًا، ولهذا ضبط هذه المسألة في غاية الأهمية ولهذا لمَّا لم تضبط هذه المسألة سببت شيئًا من الشقاق داخل المنسوبين للسُّنَّة، إذا قلنا إن الإيمان قول واعتقاد وفعل، قول باللسان وعمل بالجوارح واعتقاد بالقلب؛ فإن الكفر يكون بالقلب من جهة اعتقاده، ويكون باللسان من جهة نطقه، ويكون بالجوارح من جهة عملها إذا عمل عملًا كفريًا، فإن ادعى أنه يقول القول الكفري وقلبه مطمئن بالإيمان وهو غير مكره فقال شيخ الإسلام: فهذا يُكَفَّرُ ظاهرًا وباطنًا بإجماع المسلمين، إنما جاء الإشكال من مقولة خبيثة تسربت من عدو الله الجهم بن صفوان وهو أول من قال إن من سجد للشمس أو سجد للصنم لا يُكَفَّرُ! وهذا متماشي مع تعريف الجهم للإيمان لماذا؟ لأن الجهم يقول الإيمان هو المعرفة مجرد المعرفة، قال والكفر هو الجهل، فبناءٍ عليه من سجد للشمس لم تَزُلْ عنه المعرفة ومن سجد للصنم لم تَزُلْ منه المعرفة، هذه المقالة انتقلت إلى الأشاعرة وإن عبَّروا عنها بالتصديق، وصنف كثيرٌ منهم في الشروحات وفي التفاسير فتسربت جملة وهذه من الإشكالات التي تسربت لبعض طلبة العلم جملة من الإشكالات الموجودة عند المرجئة وعند المعطلة تسربت من خلال شروح الحديث ومن خلال التفاسير ومن خلال كتب أصول الفقه، ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يستفيد من هذه الكتب وينتفع بما فيها مع ملاحظة الإشكالات العقدية عند المصنف، لأنه إذا كان من المرجئة فإنه إذا أتى إلى الحديث فسيشرحه على طريقة المرجئة، وإذا كان من المعطلة فإنه سيشرح الحديث على طريقة من يؤولون النصوص، وهذا المفسر وهكذا غيرهم، فينبغي أن يلاحظ هذا وأن يضبط أمر الأيمان لأنه إذا لم يُضبط على طريقة أهل السُّنَّة فإن الإنسان يكون عنده شيء من الاضطراب والتناقض، الإيمان قول والكفر قول، الإيمان اعتقاد والكفر اعتقاد، الإيمان فعل والكفر فعل، أما أن تقول الإيمان قول واعتقاد وعمل والكفر لا يكون بالقول ولا يكون بالعمل هذا تناقض لا هو بقول المرجئة ولا هو بقول أهل السُّنَّة صار قولًا مركبًا من قولين فينبغي أن يلاحظ هذا الأمر.

الإيمان بالله عزّ وجلّ توسع الشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله تعالى عليه فيه وأظنه أخذه من شيخه الشيخ ابن سعدي رحمة الله عليه لأنه له موضعًا في التفسير في ما الذي يتضمنه الإيمان بالله عزَّ وجلّ؟ والمقام يطول ما عندنا من الوقت ما نستطيع أن نطيل فيه، لكن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:

الإيمان بوجوده تعالى، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، ويأتي بإذن الله تعالى وبحول الله تعالى على شيء من مسائل الأسماء والصفات ونحوها إن شاء الله تعالى فيما يأتي

قال: وملائكته، الملائكة خلق من خلق الله عزّ وجلّ ثبت عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنهم خلقوا من نور(5)، وهذه من آيات الله البالغة كما أن الله تعالى يخلق أبانا آدم من طين ثم جعل هذه الذراري الباقية إلى قيام الساعة من ماء مهين، وخلق الله تعالى الجن من مارج من نار، فإن الله تعالى خلق هذه الملائكة من نور والله على كل شيء قدير سبحانه، هذه الملائكة مطيعة دائمة لله عزّ وجلّ، ليس عندهم معصية، فليس في السماء معصية، ليس في السماء من يعصي، المعصية في الأرض، قال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(6) قال تعالى في الخزنة الذين في النار: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(7) وهذا وصف الملائكة كلهم، الملائكة لا تعصي بتاتًا وهي في طاعة دائمة.

ذكر الشيخ رحمه الله أن الإيمان بالملائكة يتضمن الإيمان أربعة أمور:

الأمر الأول: الإيمان بوجودهم.

الأمر الثاني: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كقدرتهم بإذن الله تعالى على التشكل وأنهم ذوو أجنحة كما ذكر الله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ(8) صفات كثيرة للملائكة.

الثالث: الإيمان بما علمنا من أعمالهم، وأعمالهم عليهم صلوات الله وسلامه نوعان: النوع الأول عام يشترك به جميع الملائكة من جبريل ومن بعده من كل ملائكة الرب سبحانه وتعالى، وهو الطاعة الدائمة مستمرة، قال صلّى الله عليه وسلّم: «ما من موضع أربع أصابع إلا وملك واضع رأسه ساجدًا»(9) فهم سُجَّد لله تعالى رُكَّع في عبادة مستديمة، ثم إنهم لا يفترون، الإنسان لا بد له من راحة، لو واصل العبادة فَتَرَ، أما هم كما قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(10) ما عندهم فتور أبدًا عليهم صلوات الله وسلامه.

الأمر الرابع: الإيمان بما علمنا من أسمائهم، وأسماؤهم منها ما علمناه كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك وغيرهم ممن ثبتت أسماؤهم، والبقية نؤمن بهم إجمالًا، والملائكة خلق كثير للغاية، لا يحصيهم إلا الله، قال صلّى الله عليه وسلّم لما ذكر البيت المعمور: «ثم رفع لي البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك»(11) كل يوم عدد هائل لا يحيط به إلا الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ(12) إذا خرجوا لم يعودوا، يعني يكون في يوم سبعون ألف ثم من الغد سبعون ألفًا غير السبعين الذين كانوا بالأمس وغير السبعين الذين كانوا باليوم، غدًا يدخل سبعون ألف غير السبعين الألف الذين في اليوم، وهكذا، ولهذا جاء في الروايات أن ملائكة السماء إذا بعث الله تعالى الخلق نزلت ملائكة السماء وهي على عدد الإنس أو قال على عدد الجن، ملائكة السماء الأولى فقط، فتأتي ملائكة السماء الثانية بعدهم، ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فيحيطون جميعًا بهم إحاطةً تامة(13) ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ما يمكن أن يستطيعوا ﴿أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا(14) يحيط بهم الملائكة إحاطة تامة، فالملائكة لا يحيط بعددهم إلا الذي خلقهم سبحانه.

هذه الأمور الأربعة التي ذكرها رحمه الله تعالى في الإيمان بالملائكة، وموضوع الملائكة لا شك أنه موضوع كبير وعظيم ويترتب عليه ثمار فصلها رحمه الله تعالى في كُتيب نافع جدًا اسمه شرح أصول الإيمان، جيد هذا الكتاب ونافع وفيه تيسير وتسهيل لمسائل الإيمان الستة هذه.

هذه الأركان الستة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر؛ تسمى أركان الإيمان وتسمى أصول الإيمان، ولك أن تُعَرِّفَ بها العقيدة، فتقول العقيدة الإسلامية هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر، لأن مسائل الاعتقاد هي في هذه المسائل، فالتوحيد مثلًا وما يتعلق بما يضاده من الشرك وغيره كله داخل بموضوع الإيمان بالله، موضوع الإيمان بالرسل، حقيقة النُّبوّة، دلائل النُّبوّة، حقوق الرسول صلّى الله عليه وسلّم، حقوق أصحاب النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، حقوق آل النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، كل هذا يدخل في موضوع الإيمان بالرسل، يذكر، منه ما يكون أصالة ومنه ما يكون تبعًا، فمسائل الاعتقاد هي هذه، فشيخ الإسلام رحمه الله قال: فاعتقاد الفرقة الناجية هو الإيمان بهذه الأصول الستة.

قال: وكتبه، الكتب هي التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسله عليهم الصّلاة والسّلام والإيمان بها يتضمن بخمسة أمور، ذكر رحمه الله تعالى منها أربعة وواقع الأمر أنها خمسة، الإيمان بالكتب الإيمان بأنها نزلت من عند الله حقًا هذا الأول، الثاني: الإيمان بما علمنا من أسمائها وما لم نعلم(15) نؤمن بها إجمالًا، وأسماء الكتب التي نعلمها مثل القرآن والتوراة والإنجيل والزبور والصحف وما لم نعلم نؤمن به إجمالًا قال الله تعالى: ﴿قُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ(16)، الثالث: تصديق ما صح من أخبارها، أخبار هذه الكتب فالقرآن كله حق لكن الكتب الموجود فيها لا شك أنه حق بلا ريب حيث أنزله الله لكن لأن أهل الكتاب صاروا يضيفون أشياء من عندهم وينسبونها لكتب الله صار لا بد من التقييد، نقول: الإيمان بما صح من أخباره أي مما هو فيها فعلًا أما ما أضافوه وافتروه فإنه في واقع الأمر ليس من الأخبار التي أنزلها الله، ولهذا يقيد بهذا القيد الإيمان بما صح أخبارها، الرابع: العمل بالكتاب الذي أنزل إلينا وهو كتاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي أنزله الله تعالى وهو القرآن، أمر خامس يتعلق بالكتب ذكره الشيخ رحمه الله في مواضع أخرى لكن كان ينبغي أن يُذكر في هذا الموطن وقد نبّه عليه الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في معارج القبول عند الإيمان بالكتب مع هذه الأمور الأربعة لا بد من الإيمان أن الله تكلم بها سبحانه، لأنا نقول: كتب الله لأن الله تكلم بها سبحانه، الرب تبارك وتعالى هو الذي تكلم بالقرآن تكلم بالتوراة تكلم بالإنجيل فهذه هي كتب الله لهذا نُسبت إلى الله لأن الله هو الذي تكلم بها.

الإيمان بالرسل يتضمن الإيمان بخمسة أمور أيضًا وهو قريب من موضوع الإيمان بالكتب، الإيمان بأنهم مرسلون من عند الله حقًا، الثاني: الإيمان بما علمنا من أسمائهم وما لم نعلم نؤمن به إجمالًا، والذين ذُكروا من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في القرآن خمسة وعشرون، ومن لم نعلم منهم نؤمن به إجمالًا قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ(17)، ورسل الله تعالى عدد كبير جدًا لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ(18) وجاء في الحديث الذي رواه أبو ذرٍّ رضي الله عنه عدد الأنبياء وعدد الرسل عليهم الصّلاة والسّلام فيه بيان أن الأنبياء بالألوف عدد كبير جدًا وأن الرسل ثلاثمئة وبضعة عشر، لكن اختلف أهل العلم في إسناد هذا الحديث، منهم من يضعفوه ومنهم من يصححه(19)، لكن لا ريب أن عدد الأنبياء والرسل كثير جدًا لأن الأمم ما كانت تُخلى من نذير ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، الرابع: تصديق ما صح من أخبارهم أيضًا كما قلنا في الكتب، الخامس: العمل بشرع من أُرسل إلينا منهم صلوات الله وسلامه عليه، هذا الرابع، الأول: الإيمان بأنهم مرسلون من عند الله حقًا، الثاني: الإيمان بما علمنا من أسمائهم وما لم نعلم نؤمن به إجمالًا، الثالث: تصديق ما صح من أخبارهم، الرابع: العمل بشرع من أرسل إلينا منهم، الخامس - وهذا الذي ذكره الشيخ حافظ رحمه الله -: الإيمان بأنهم بلغوا ما أرسلوا به لم يزيدوا ولم ينقصوا عليهم صلوات الله وسلامه.

تكلم أهل العلم عن معنى الرسول، وموضوع الرسول والنَّبيّ مما كَثُرَ كلامُ أهل العلم رحمهم الله تعالى فيه والفرق بين النَّبيّ والرسول، لكن لاشك أن الرسول أفضل من النَّبيّ وأن الرسالة درجة أرفع من النُّبوّة، من أهل العلم - وهو القول المشهور - من يقول: إن النَّبيّ من أوحي إليه بشرعٍ ولم يؤمر بتبليغه، أما الرسول فهو الذي أوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه، فالفرق عندهم بين الرسول وبين النَّبيّ هو في أمر البلاغ، يعني يتفق الرسول والنَّبيّ في أمر الوحي كلاهما قد أوحى الله إليه، لكن الفرق أن الرسول يؤمر بالبلاغ وأن النَّبيّ لا يؤمر بالبلاغ، هذا هو القول المنتشر المشهور، اختار شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب النبوّات قولًا كأنه والله أعلم أقوى وأدق في الفرق بين النَّبيّ والرسول ذكر فيه أن الرسول هو من أُرسل إلى قومٍ مخالفين كفار أما النَّبيّ فهو من أُرسل إلى قومٍ مؤمنين واستدل على أن النَّبيّ لابد أن يُرسل لقول الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ(20) الآية قال رحمه الله: فذكر الله إرسالًا يعُمُّ الاثنين فذكر إرسال الرسول وإرسال النَّبيّ، قال: لكن الفرق أن النَّبيّ يكون في قوم مؤمنين، فهو مثل المُجَدِّدِ لرسالة من قبله، أما الرسول فيرسل إلى قومٍ كافرين، ولهذا مهمة الرسول أكبر، واستدل رحمه الله بقوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا(21) التوراة شريعة موسى، وموسى على هذا التعريف لا شك أنه رسول - هو رسول عند الجميع - يقول الله في شريعة موسى التي أنزلها الله في التوراة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ قال رحمه الله: فكان أنبياء بني إسرائيل يحكمون بشريعة موسى، وكان الشأن في بني إسرائيل كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «كان بني إسرائيل كلما هلك نبي خَلَفَهُ نبي»(22) فكانت الأنبياء فيهم كثير والله تعالى يقول في التوراة هنا: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ وموسى رسول قال فدل على أن النَّبيّ يكون بمثابة المجدد لشرع من قبله ويكون تابعًا للرسول قبله، ولا يعني ذلك أنه لا يوحى إليه بل يوحى إليه، فهو صار نبيًّا لأنه يوحى إليه لكن يكون تابعًا لمن قبله.

ذكر مسألة مهمة جدًا وهي أن الرسول ليس بالضرورة أن يأتي بشريعة جديدة، لأن من أهل العلم من يقول الرسول من يأتي بشريعة جديدة والنَّبيّ هو من يكون تابعًا لمن قبله، قال: ليس لازمًا لأن الرسول قد يأتي بشريعة من قبله واستدل على هذا بيوسف عليه الصّلاة والسّلام ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ(23) قال: فكان يوسف على شريعة إبراهيم عليهم الصّلاة والسّلام لكنّ الفَرْقَ أن يوسف عليه الصّلاة والسّلام قد بعث لمخالفين فالضابط عنده رحمه الله نوع المبعوث إليهم فإن بُعث إلى قوم مؤمنين فهو نبي وإن بُعث إلى مخالفين فهو رسول، ومن أهل العلم من يختار القول الثاني أن الفرق هو أمر الإنباء هذا هل يكون بعده أمر بالإبلاغ فإن أُمِر بالبلاغ فهو رسول وإن لم يُؤمر بالبلاغ فهو نبي.

قال رحمه الله: والبعث بعد الموت يأتي الكلام إن شاء الله تعالى على اليوم الآخر مفصلًا بإذن الله تعالى.

قال: والإيمان بالقدر، الإيمان بالقدر يأتي الكلام عليه مفصلًا بإذن الله تعالى.

قال: خيره وشره، فالقدر فيه ما هو خير وفيه ما هو شرّ، قال الله عزّ وجلّ بيانًا لكون الخير والشر من عنده والسيئة والحسنة كلها من عنده: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ(24) فالله تعالى هو الذي يُقَدِّرُ الخير وهو الذي يُقَدِّرُ الشرّ بلا شك ولا تقع تحريكة ولا تسكينة في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، لكن الله تعالى حين يُقَدِّرُ الشرّ يُقَدِّرُهُ لحكمة بالغة، فلهذا لا يُقَدِّرُ الله سبحانه الشر عبثًا حاشاه تعالى، فمن جهة تقدير الله تعالى للشرّ لا شك أن تقدير الله لهذا الشرّ حق وحكمة بالغة، وليس في أفعاله تعالى ما يمكن أن يُوصف سبحانه وبحمده بالبعد عن الحكمة حاشا لله من ذلك، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «والشر ليس إليك»(25) لأن الله تعالى لا يُقَدِّرُهُ عبثًا محضًا بل يُقَدِّرُهُ لحكمة، فالمصاب الذي أصاب المسلمين في أحد لا شك أنه كان شيئًا جللًا وعظيمًا وسماه الله بالمصيبة، قدَّرَهُ الله سبحانه وتعالى وشاءه عزَّ اسمُه لحكمة بالغة ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ(26) يعني أنتم السبب فيه، كما قال سبحانه: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ(27) فلما حصل ما حصل من الرماة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم حين نزلوا قبل أن يرسل إليهم النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «امكثوا هنا وإن تخطفتنا الطير، لا تبرحوا مكانكم، إن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تُعينونا»(28)، لأن الجبل كان يخشى صلّى الله عليه وسلّم منه أن يأتي الكفار من جهته، وأمرهم أن يبقوا فلما نزلوا عليهم رضوان الله صار ذلك نوع معصية قال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ(29) فقدَّرَ اللهُ المصيبةَ ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ(30) أي بسببكم، ماذا قال بعدها؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(31) هو الذي قدَّرَهَا لأنه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ(32) عزّ وجلّ، لا شك أنه بإذنه وبقَدَرِه، فيُقَدِّر سبحانه الخير والشرّ لكن يُقَدِّرُ الشرّ لحكمة، قال أهل العلم: من جهة التقدير الآتي من الله لا شك أنه حق وخير لأن الله قدَّرَه ووقع في موقعه، من جهة المقدور الذي يقع منفصلًا يكون شرًا مثل ما وقع في أحد، قَتْلُ العددِ الكبير منهم رضي الله عنهم والمصاب الذي حصل عليهم شديد لا شك أنه شديد لكنه وقع موقعه، قال أهل العلم: مثاله قطع يد السارق، فبتر يد السارق من حيث المحلّ وإبانة يده شر بالنسبة إليه هو لكن من جهة الحق والعدل والحكم الصواب لا شك أنها خيرٌ، ويأتي إن شاء الله الكلام على تفاصيل أخرى سيأتي بعون الله تعالى، نعم.


(1) صحيح البخاري (48).
(2) التوبة:74.
(3) النحل:106.
(4) صحيح. مستدرك الحاكم (3362)، وقال الذهبي رحمه الله: (على شرط البخاري ومسلم).
(5) صحيح مسلم (2996).
(6) الأنبياء:20.
(7) التحريم:6.
(8) فاطر:1.
(9) صحيح. رواه الترمذي (2312). الصحيحة (1722).
(10) الأنبياء:20.
(11) صحيح البخاري (3207).
(12) المدثر:31.
(13) منكر موقوف. الحاكم (8699) بنحوه موقوفًا عن ابن عباس، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في التفسير (107/6): (مداره على علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، وفي سياقاته غالبًا نكارة شديدة)، وردَّ الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة (5322) تقوية الذهبي له؛ رحم الله الجميع.
(14) الرحمن:33.
(15) هنا قال الشارح (وما لم نؤمن) ولعل الأصوب ما أثبتناه.
(16) الشورى:15.
(17) غافر:78.
(18) فاطر:24.
(19) في حديث أبي أمامة (يا رسول الله، كم وفَّى عدَّةُ الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاثمئة وخمسة عشر، جمًا غفيرًا». صحيح. رواه أحمد (22288) من حديث أبي أمامة.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة (2668): "جملة القول: إن عدد الرسل المذكورين في حديث الترجمة صحيح لذاته، وإن عدد الأنبياء المذكورين في أحد طرقه وفي حديث أبي ذر من ثلاثة طرق؛ فهو صحيح لغيره".
(20) الحج:52.
(21) المائدة:44.
(22) صحيح البخاري (3455).
(23) يوسف:38.
(24) النساء:78.
(25) صحيح مسلم (771).
(26) آل عمران:165.
(27) آل عمران:152.
(28) صحيح البخاري (3039).
(29) آل عمران:152.
(30) آل عمران:165.
(31) آل عمران:165.
(32) آل عمران:166.


 مواد ذات صلة: