موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 أقسام المياه
 فصل كل إناء طاهر
 جلد الميتة
 فصل في الاستنجاء والاستجمار
 فصل في السواك وتوابعه
 الوضوء
 فصل في فرائض وسنن الوضوء
 فصل في المسح على الخفين
 فصل في نواقض الوضوء
 الغسل
 فصل في موجبات وسنن الغسل
 التيمم
 فصل ما يصح به التيمم
 من شروط صحة التيمم طلب الماء
 نية التيمم
 تأخير التيمم رجاء وصول الماء
 عدم الماء والتراب أو لم يمكنه استعمالهما
 إزالة النجاسة
 الدهن المتنجس
 يسير الدم
 فصل في الحيض
 كتاب الصلاة
 وجوب الصلوات الخمس
 تأخير الصلاة
 تارك الصلاة جحودا
 فصل في الأذان والإقامة
 حكم الأذان والإقامة وكيفيتهما
 الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر
 فصل في شروط صحة الصلاة
 باب صفة الصلاة
 مكروهات الصلاة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في سجود السهو
 فصل في صلاة التطوع والقنوت
 الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
 فصل في صلاة الجماعة
 فصل في الإمامة وما يلحقها
 فصل في صلاة المريض
 فصل في صلاة القصر والجمع
 صلاة الخوف
 فصل في صلاة الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء
 كتاب الجنائز
 ما ينبغي للمسلم من لدن المرض إلى الوفاة
 فصل في غسل الميت
 تكفين الميت
 فصل في الصلاة على الميت ودفنه
 زيارة القبور والتعزية
 كتاب الزكاة
 ما تجب فيه الزكاة وشروطها
 نصاب الزكاة
 زكاة المكيل
 فصل في زكاة الذهب
 فصل في زكاة الفطر
 فصل في شروط إخراج الزكاة وأصنافها
 صدقة التطوع
 كتاب الصيام
 ما يثبت به شهر رمضان
 الأعذار المبيحة للفطر
 النية في الصيام
 المفطرات وأحكامها
 مكروهات الصوم
 سنن الصوم
 فصل ما يسن صومه من الأيام وما يحرم
 فصل في أحكام الاعتكاف ولواحقه
 كتاب الحج والعمرة
 شروط وجوب الحج والعمرة
 شروط حج المرأة
 موت القادر على الحج قبل أن يحج أو يعتمر
 سنن الإحرام
 أقسام الحج
 التلبية
 الإحرام قبل الميقات
 فصل في مواقيت الحج
 محظورات الإحرام
 إحرام المرأة
 فصــل في الفدية
 حرمة مكة والمدينة
 باب دخول مكة
 صفة الحج والعمرة
 فصل في أركان وواجبات الحج والعمرة
 الفوات والإحصار
 فصل في الأضحية
 العقيقة
 كتاب الجهاد
 حكم الجهاد وشرطه
 الغنيمة
 فصل في عقد الذمة
 كتاب البيع وسائر المعاملات
 شروط البيع
 أقسام الخيار
 ربا الفضل
 ربا النسيئة
 بيع الأصول وبيع الثمار
 السلم وشروطه
 أحكام القرض
 أحكام الرهن
 أحكام الضمان
 أحكام الحوالة
 الصلح
 أحكام الجوار
 أحكام الحجر
 الوكالة
 الشركة
 المساقاة والمزارعة
 الإجارة
 المسابقة
 العارية
 الغصب والضمان
 الشفعة
 الوديعة
 إحياء الموات
 الجعالة
 اللقطة
 اللقيط
 كتاب الوقف
 تعريف الوقف ودليل مشروعيته
 صيغ الوقف القولية:
 شروط الوقف
 الوقف على غير المسلم
 العمل بشرط الواقف
 مصرف الوقف
 الوقف على الأبناء
 الوقف على مجموعة
 كتــاب الهبـــة
 حكم الهبة وألفاظها
 هبة الثواب
 هبة الوالد لأبنائه
 هبة الأب لبعض أبنائه في حياته
 الرجوع في الهبة
 تملك الأب لمال ولده
 فضل الهدية
 الهدية المحرمة
 هدية المريض
 الترتيب في العطية
 الرجوع في العطية
 إثبات ملكية العطية
 أحكام الوصية
 الوصية لوارث
 الوصية بالخمس
 صيغ الوصايا
 مقدمة الوصية
 الوصية فيما دون الثلث
 الوصية فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة
 عدم وفاء الوصية بالموصى لهم
 تقدم الواجبات والديون في التركة
 ما تصح به الوصية
 الحادث بعد الوصية:
 الوصية بالأنصباء
 الوصية على معصية
 شروط الموصى إليه
 شروط الموصى به
 مات بمحل ليس فيه حاكم
 تجهيز الميت من تركته
 كتـــاب الـفـرائـض
 تعريف الفرائض
 أسباب الإرث
 ميراث المطلقة
 الولاء
 ميراث العبد لسيده
 موانع الإرث
 أركان الإرث
 شروط الإرث
 أقسام الورثة
 ما يتعلق بالتركة
 أصحاب الفروض
 من هم أصحاب الفروض
 أصحاب النصف
 أصحاب الربع
 أصحاب الثمن
 أصحاب الثلثين
 أصحاب الثلث
 تقسيم المال بين الجد والإخوة
 الجد مع الإخوة والأخوات
 الـحجـب
 حجب الحرمان
 حجـب النقصـان
 التعصــيب
 العصبة بالنفس
 العصبة بالغير
 الأخ المبارك
 العصبة مع الغير
 العول وحساب الميراث
 الـرد
 ميراث ذوي الأرحام
 ميراث الحمل
 كتـاب العتـق
 تعريف العتق وفضله
 إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق
 الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق
 ترغيب الشارع في العتق
 الوصية بالعتق
 التدبير
 المكاتبة
 بيع المكاتب
 عتق أم الولد
 ولاء المعتق
 كتاب النكاح
 حكم النكاح وحكمة مشروعيته
 الترغيب في النكاح
 تعدد الزوجات
 الترغيب في ذات الدين
 الترغيب في البكر
 النظر إلى المخطوبة
 حرمة الخلوة بالمخطوبة
 النظر إلى المحارم ونظر النوع للنوع
 التصريح بخطبة المعتدة
 خطبة المسلم على خطبة أخيه
 أركان النكاح
 تعريف النكاح:
 شروط النكاح
 شروط الولي
 المحرمات في النكاح
 حرمة الكافرة وحل الكتابية
 حرمة زواج الحرة من عبدها
 الشروط في النكاح
 الشروط التي تبطل عقد النكاح
 نكاح الشغار
 نكاح المحلل
 نكاح المتعة
 النكاح المعلق
 العيوب التي يفسخ بها النكاح
 الصــداق
 تعريف الصداق واستحباب تيسيره
 ما يصح أن يكون مهرا
 تسمية المهر
 تأجيل الصداق
 تملك المرأة صداقها
 وجوب مهر المثل
 ميراث كل من الزوجين للآخر
 الصداق بعد الطلاق
 الصداق في وطء الشبهة
 منع المرأة نفسها قبل قبض صداقها
 وليمة العرس
 إجابة الدعوة
 إعلان النكاح والضرب عليه بالدف
 المعاشرة بالمعروف
 السفر بالزوجة
 حق الزوجة في مسكن مستقل
 العدل بين الزوجات
 نشوز الزوجة
 الخلع
 التكييف الفقهي للخلع
 الرجعة بعد الخلع
 العوض في الخلع
 خلع زوجة الصغير
 كتاب الطلاق
 مقدمة
 تعريف الطلاق
 حكم الطلاق
 الذي يصح منه الطلاق
 متى لا يقع الطلاق
 التوكيل في الطلاق
 طلاق السنة وطلاق البدعة
 الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة
 الطلاق له صريح وله كناية
 كم يملك من الطلقات
 الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات
 مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق
 إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام
 فصل تعليق الطلاق بالشروط
 ما يقطع الشرط والاستثناء
 الطلاق المعلق بشرط يقع متى وقع الشرط
 شك في طلاق أو ما علق عليه
 أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار
 أقسام فراق الرجل لامرأته
 فصل الطلاق الرجعي وأحكام الرجعة
 إذا طلق الحر ثلاثا والعبد اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره
 فصل في الإيلاء
 فصل في الظهار وما يتعلق به
 فصل في اللعان
 باب العدد
 العدة وأقسامها
 الإحداد وتوابعه
 فصل في الرضاع
 باب النفقات
 تعريف النفقة وتحديدها
 متى تسقط نفقة الزوجة
 النفقة على الأقارب
 امتنع من وجبت عليه النفقة
 مقدار النفقة
 النفقة على الرقيق
 نفقة البهائم
 المملوك إذا طلب الزواج
 الحمل على الدواب
 فصل في الحضانة
 الأولى بالحضانة
 ما يشترط في الحاضن
 من لا تثبت له الحضانة
 إذا بلغ الطفل سبع سنين خير بين أبويه
 ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ويصلحه
 كتاب الجنايات
 أهمية كتاب الجنايات وتعريفها
 تحريم القتل
 أقسام القتل
 اجتماع الجماعة على قتل الواحد
 شروط القصاص
 شروط استيفاء القصاص
 كيفية استيفاء القصاص
 ما يجب بقتل العمد
 شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس
 سراية الجناية
 على من تجب الدية
 مقادير الدية
 دية الحر المسلم
 دية قتل العمد وشبه العمد
 دية الأنثى
 دية الكتابي الحر
 دية الرقيق
 دية الجنين الحر
 دية ما في الإنسان منه واحد
 دية ما في الإنسان منه اثنان
 دية ذهاب الحواس
 دية الشجاج
 العاقلة التي تتحمل الدية
 كفارة القتل الخطأ وشبه العمد
 تعريف القسامة وشروطها
 كتاب الحدود
 تعريف الحدود وأهميتها
 شروط إقامة الحدود
 إقامة الإمام للحدود
 كيفية استيفاء الحدود
 مات وعليه حد
 حد الزنا وشروطه
 حد القذف وشروطه
 حد التعزير
 حد الإسكار
 تحريم الخمر
 عقوبة شارب الخمر
 شروط شارب الخمر
 حد السرقة
 شروط حد السرقة
 السرقة من غير حرز
 السرقة زمن المجاعة
 حد قطاع الطريق
 عقوبة قطاع الطريق
 إثبات حد قطاع الطريق
 توبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه
 دفع الصائل
 حكم البغاة
 أحكام المرتد
 تعريف المرتد وحكمه
 الأسباب التي توجب حد الردة
 توبة المرتد
 شروط التوبة
 أحكام الأطعمة
 الأطعمة المحرمة
 أكل المحرم للمضطر
 آداب الضيافة
 أحكام ذكاة الحيوان
 تعريف الذكاة وما تجوز فيه الذكاة
 شروط الذكاة
 ذكاة الجنين
 مكروهات الذبح
 سنن الذبح
 أحكام الصيد
 تعريف الصيد وشروطه
 الأيمان
 تعريف الأيمان ولماذا سميت يمينا
 أنواع الحلف
 كفارة اليمين
 شروط وجوب كفارة اليمين
 حلف ألا يطأ أمته
 متى تجب الكفارة
 مقدار كفارة اليمين
 النية في اليمين
 النذر
 تعريف النذر
 حكم النذر
 أنواع النذر المنعقد
 كتاب القضاء
 أهمية القضاء بين الناس
 حكم نصب القضاة
 الولاية العامة والولاية الخاصة
 شروط تولية القاضي
 لزوم حكم المحكم
 صفات القاضي
 تعريف الدعوى وشروطها
 الشهادة في الحقوق
 شروط الشهود
 تزكية الشهود
 القضاء على الغائب
 كتاب القاضي إلى القاضي
 القسمة
 تعريف القسمة
 أنواع القسمة
 كتاب الشهادات
 حكم تحمل وأداء الشهادة
 أخذ الأجرة على الشهادة
 كيفية الشهادة
 شروط الشاهد
 عدد الشهود
 الشهادة على الشهادة
 قبول الشهادة على الشهادة
 كيفية تحميل الشهادة وشروطها
 الخطأ في الفتوى أو في القضاء
 كتاب الإقرار
 تعريف الإقرار والحكم به
 من يجوز إقراره
 الرجوع في الإقرار
شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد - مقدمة

أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل

مقدمة

السلام عليكم ورحمة الله , بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..

فالفقه في الدين من خصائص الله تعالى التي يخص بها من شاء من عباده، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين »(1) .

الفقه هو الفهم للنصوص من الآيات والأحاديث، واستنباط الأحكام منها، هذا الفهم هبة من الله تعالى، يحصل لمن شاء الله تعالى، ولمن هداه وتميز بهذا الفهم.

يتفاوت الناس في هذا الفهم، فمن مقل ومن مستكثر؛ وسببه - أي سبب الفهم - إما فتح من الله تعالى وتوفيق، ومع ذلك هو قوة إدراك، وقوة حفظ، وقوة استنباط، وذلك ما يتفاوت فيه الناس.

وقد انقسم العلماء -رحمهم الله- بالنسبة إلى العلم والحديث إلى أربعة، الناس أقسام، انقسم الناس أربعة أقسام:

قسم وهبهم الله تعالى الحفظ، فهم حفاظ، يحفظون النصوص، ويحفظون الأحاديث، ويحفظون الأسانيد، حَفِظ الله تعالى بهم هذه الشريعة أن يُفقد منها شيء، يُضرب بحفظ كثير منهم المثل، ولم يكونوا يكتبون، كما روي عن الشعبي عامر بن شراحيل قال: ما كتبت سوداء في بيضاء. يعني كل ما روي عنه فإنه من حفظه.

القسم الثاني : وهبهم الله الفهم والإدراك، بحيث يستنبطون الأحكام من الأدلة، فيأتيهم الحديث وهم لا يحفظونه، ولكن يُكتب لهم، فيستخرجون منه عشرات المسائل: يدل على كذا، ويُفهم منه كذا، ويستنبط منه كذا.

وقسم جمعوا بين ذلك: رزقهم الله الحفظ، ورزقهم الفهم.

وقسم نقص حظهم من الاثنين: من الحفظ، ومن الفهم.

فـرب ذي حـرص شـديد الحب *** للعلـم والفهـم بليــد القـلب

معجـز فـي الحـفـظ والروايـة *** ليسـت لـه عمن روى حكـايـة

وآخـــر يعطـى بلا اجتهــاد *** حفظا لما قـد جـاء فـي الإسـناد

والعلــم قــد يرزقـه الصغـير *** فـي ســـنه ويحـرم الكبـير

فإنمــا المـــرء بأصغـريــه *** ليـس برجليــه ولا يـديـــه

لســـانه وقلبـــه المـركب *** في صــدره وذاك خـلق أعجـب

ذكر العلماء أن الإمام أحمد -رحمه الله- جمع بين الحفظ والاستنباط، رزقه الله الحفظ، ورزقه الفهم، فهو -كما ذكر أبو حاتم الرازي- يحفظ ألف ألف حديث، وكذلك أيضا يجيب على الأحاديث، ويجيب على المسائل بالحديث.

مدحه الصرصري في قصيدته اللامية بقوله:

حوى ألف ألف من أحاديث أسندت *** وأثبتها حفظا بقلـب محـصل

أجاب علـى سـتين ألـف قضيـة *** بأخبرنا لا عن صحـائف نقل

عرضت عليه ستون ألف مسألة أجاب عنها من حفظه بأخبرنا فلان، حدثنا فلان، لم يرجع إلى الكتب ولا إلى الصحائف، ولما كان كذلك كان هو إمام أهل السنة، مذهبه أقرب المذاهب إلى الحق وإلى السنة.

العلماء الآخرون لا نبخسهم حقهم، نقول: إنهم على خير، فأبو حنيفة -رحمه الله- قليل الحفظ، لم يُذكر بالحفظ ولا بالأحاديث، ولكنه كان قوي الفهم، وقوي التعليل، معرفته بالأدلة وبكيفية الاستدلال أمر يفوق به غيره، اهتم تلامذته بتسجيل مسائله التي سئل عنها، سجلها تلامذته أبو يوسف ومحمد، ثم اشتهر مذهبه بسبب تلك الكتب التي سجلوا بها مذهبه.

أما الإمام مالك فهو -بلا شك- محدث وحافظ، ولكنه لم يتوسع، إنما حديثه ما رواه عن أهل المدينة، وما حفظه عنهم، ومع ذلك فإنه أيضا قد استنبط أحاديث، واستنبط مسائل، ألف كتابه الموطأ، وذكر فيه أيضا كثيرا من الآراء التي نقلها أهل المدينة، وتتلمذ عليه بعض التلامذة، فألفوا من مسائله، وعمدتهم في مذهبه النقل، اشتهر مذهبه، واشتهر الذين تمذهبوا به، ولكنهم اشتهروا في المغرب.

أما الشافعي -رحمه الله- فهو أيضا تتلمذ على مالك، وأخذ عنه الموطأ، وكذلك أيضا أخذ عن غيره، ولكنه لم يكن من أهل الحفظ، ومعرفة الصحاح من الأحاديث؛ ولذلك كان يقول لتلميذه الإمام أحمد: إذا صح الحديث عندكم فأخبرنا حتى نعمل به، ولكنه رزقه الله تعالى الفهم، فهو يستنبط كما تدل على ذلك كتبه التي كتبها والتي أملاها، فكتبُه كتبُ فقه.

أما الإمام أحمد فلم يكن يكتب الفقه، وإنما يكتب في الأحاديث، أو يكتب في العقيدة، وكره كتابة الفقه والمسائل الفقهية، وأحال تلامذته على أن يأخذوا من حيث أخذ.

ولعل السبب أنه رأى أن كثيرا من الذين كتبوا اختلفوا، فمثلا كتبُ أبي حنيفة فيها خلاف لمن بعده، كتب مالك فيها خلاف لمن قبله وبعده، كتب الثوري أو مسائل الثوري كذلك، وهكذا.

ومع ذلك فإن تلامذته كتبوا مسائله، كتبوا مسائله التي نقلوها عنه شفاها والتي حفظوها أكثر من ثلاثين مجلدا، يوجد بعض منها: كمسائل أبي داود، ومسائل ابنه صالح، ومسائل ابنه عبد الله، ومسائل إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، وغيرها.

ولكن أكثرها لم يوجد، ولكن حُقِّقت أو أخذت، وذلك لأن الإمام الخلّال أبا بكر تتبع مسائل الإمام أحمد، وجمعها في الجامع الكبير ورتبها، وقال: نقل ابن حنبل كذا، ونقل ابن منصور كذا، ونقل المرزاقي كذا، ونقل ابن هانئ كذا، تحت أبواب، وبلغت نحو عشرين مجلدا.

ثم جاء بعده ابن حامد وجمعها أيضا، وجمع ما فات على الخلّال، واجتمعت له عوج مسائل كثيرة.

ثم كاد مذهب أحمد أن ينطمس وينمحي؛ وذلك لأن القرن الرابع كان أهله تركوا العقيدة السلفية، واعتنقوا مذهب الأشعري، ومذهب الكرامية، ومذهب الكلابية، واشتهر أيضا مذهب الاعتزال، وأصبح كلام أحمد ومذهب أحمد غريبا، وأصبح من تمذهب بمذهبه يُتهم بأنه مشبه، وبأنه ممثل، وبأنه حشوي، وبأنه، وبأنه.

فقلّ أصحاب أحمد، وقلّ الذين اعتنقوا مذهبه، وصاروا لا يخرجون، ولا يصرحون بمذهبهم إلا خفية، وفي ذلك الزمان ألف الخرقي مختصره، وهو من أهل العراق، ثم انتشر مذهب الاعتزال ومذهب الرفض هناك، فهرب إلى الشام، وبقي هناك في الشام حتى مات، وكان المذهب هناك أكثر -يعني في الشام-.

توارث أهل الشام مذهب الإمام أحمد، ويوجد أيضا في العراق، ويوجد في مصر، ولكنه قليل، ومازال كذلك إلى هذه الأزمنة أن الحنابلة أكثر ما يوجدون في الشام، في حلب، وفي دمشق، وفي بعلبك، ونحوها.

ثم كان أهل نجد جَهَلة يذهبون ويتعلمون، فمن ذهب إلى مصر تعلم مذهب الشافعي، ومن ذهب إلى الشام تعلم مذهب الحنابلة، ومن ذهب مثلا إلى تركيا ونحوها تعلم مذهب الأحناف.

إذ كان أئمة الدعوة حنابلة؛ لأنهم يتعلمون هذا المذهب من علماء الشام، وكان في الشام حنابلة إلى العهد القريب، من آخرهم الحنبلي المشهور بابن بدران، الذي خدم أيضا المذهب الحنبلي.

وكان منهم أبو عبد الله محمد بن بدر الدين البلباني من علماء الحنابلة في القرن الحادي عشر، ألف كتابا له سماه: "كافي المبتدي" اشتهر هذا الكتاب كأنه متن، ورأى أن فيه زيادة أو ترتيبا أحسن مما قبله كزاد المستقنع ونحوه، ثم اختصره وسماه: "أخصر المختصرات" وكلاهما لهذا المؤلف: البلباني.

كافي المبتدي شرحه أيضا معاصر للمؤلف، وهو أحمد بن عبد الله بن أحمد البعلي ثم الحلبي، وسمى شرحه: "الروض الندي لشرح كافي المبتدي" وهو مطبوع في مجلد كبير.

ثم إن أخاه عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي الحنبلي شرح "أخصر المختصرات" وسماه: "كشف المخدرات" أَخَوان شرحا هذين الكتابين اللذين للبلباني، وكلاهما في القرن الحادي عشر، وفي دمشق أو في حلب.

لا شك أن هذا دليل على عناية الحنابلة بمسائل الفقه؛ وسبب ذلك أنهم تميزوا بالفقه الحنبلي واختصوا به.

فلذلك الحنابلة المتقدمون -وكذلك المتأخرون- ما تجد مؤلفاتهم غالبا إلا فيما يتعلق بالفقه، وقليل منهم من يؤلف في غيره إلا العلماء الفطاحلة الكبار، كالإمام أحمد -رحمه الله-، وكذلك تلامذته كالخلّال، وابنه عبد الله، وابن بطة، ونحوهم ممن كتبوا في المسائل الأخرى.

وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من الحنابلة، ولكن لهم اختيارات قد يخالفون بها المشهور عن الحنابلة في الفقه.

وبكل حال، فإن هذا الكتاب يقول مؤلِّفه: إنه لم يجد ما هو أخصر منه. يعني في زمانه لم يجد أخصر منه، فهو مؤلَّف على أبواب الفقه، ومسائله قريبة من مسائل كتب الفقه في زاد المستقنع، الغالب أنه لا يخرج عن مسائل الزاد، يغير سيرتها، وقد يحذف منها بعض الأشياء، بعض الجمل التي ليست مشهورة.

نحن في هذه الدورة نحاول أن نكمل قسم العبادات، آخره كتاب الجهاد، ومن المعلوم أنه لو توسعنا في شرح المسائل والخلافات لم نقطع إلا شيئا يسيرا، ولكن لعلنا نقتصر على تحليل المسألة، والتمثيل لها إذا احتاجت إلى ذلك، والإشارة إلى الحكم، والإشارة إلى الخلاف إذا كان قويا.

فنبدأ الآن في كتاب الطهارة، ويقرأ الأخ راشد. . معك .


(1) البخاري : العلم (71) , ومسلم : الإمارة (1037) , وابن ماجه : المقدمة (221) , وأحمد (4/93) , ومالك : الجامع (1667) , والدارمي : المقدمة (226).