موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المقدمة - شرح الأربعين النووية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الأربعين النووية لفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
  
 
 شرح الأربعين النووية
 المقدمة
 حديث: إنما الأعمال بالنيات
 حديث: مجىء جبريل ليعلم المسلمين أمر دينهم
 حديث: بني الإسلام على خمس
 حديث: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة
 حديث: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد
 إن الحلال بَيِّن وإن الحرام بَيِّن
 حديث: الدين النصيحة
 حديث: أمرت أن أقاتل الناس
 حديث: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه
 حديث: إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا
 حديث: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
 حديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
 حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه
 حديث: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث
 حديث: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت
 حديث: لا تغضب
 حديث: إن الله كتب الإحسان على كل شيء
 حديث: اتق الله حيثما كنت
 حديث: يا غلام إني أعلمك كلمات
 حديث: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت
 حديث: قل: آمنت بالله ثم استقم
 حديث: أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان
 حديث: الطهور شطر الإيمان
 حديث: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي
 حديث: ذهب أهل الدثور بالأجور
 حديث: كل سلامى من الناس عليه صدقة
 حديث: البر حسن الخلق
 حديث: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة
 حديث: تعبد الله ولا تشرك به شيئا
 حديث: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها
 حديث: ازهد في الدنيا يحبك الله
 حديث: لا ضرر ولا ضرار
 حديث: البينة على المدعي واليمين على من أنكر
 حديث: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده
 حديث: لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا
 حديث: من نفس عن مؤمن كربة
 حديث: إن الله كتب الحسنات والسيئات
 حديث: من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب
 حديث: إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان
 حديث: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
 حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به
 حديث: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني
شرح الأربعين النووية - المقدمة

الأربعين النووية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لمجده، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يجعلني وإياكم ممن يتحرك لله، ويعمل لله، ويطلب العلم لله، ويتكلم ويعمل لله -جل جلاله- فـ « إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى »(1) وما من شك أن « طلب العلم فريضة على كل مسلم »(2) كما ثبت ذلك عن المصطفى- صلى الله عليه وسلم-.

وطلب العلم له أصوله، وله رتبه، فمن فاته طلب العلم على رتبه وأصوله، فإنه يحرم الوصول، وهذه مسألة كثيرًا ما نكررها رغبة في أن تقر في قلوب طلبة العلم ومحبي العلم، ألا وهي أن يطلب العلم شيئًا فشيئًا على مر الأيام والليالي، كما قال ذلك ابن شهاب الزهري -الإمام المعروف- إذ قال: "من رام العلم جملة ذهب عنه جملة، وإنما يطلب العلم على مر الأيام والليالي".

وهذا كما تدرس صغيرًا أصول الكتابة، أو أصول نطق الكلمات، فإنه لا بد أن يأخذه شيئًا فشيئًا، ثم إذا استمر على ذلك أحكم الكتابة، وأحكم النطق حتى تمكن من ذلك، والعلم كذلك، فالعلم منه صغار، ومنه كبار باعتبار الفهم كبار العمل.

وباعتبار كون العلم من الله -جل جلاله- وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإنه ليس في العلم شيء سهل، كما قال مالك -رحمه الله تعالى- إذ قيل له: هذا من العلم السهل، قال: ليس في علم القرآن والسنة شيء سهل، وإنما كما قال الله -جل وعلا-: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(3) .

فالعلم من أخذه على أنه ثقيل صعب أدركه، وأما من أخذ المسائل على أنها سهلة، وهذه سهلة، وهذه متصورة، وهذه مفهومة، ويمر عليها مرور السريع، فإن هذا يفوته شيء كثير.

فإذًا لا بد لنا في طلب العلم من تدرج فيه على أصوله، وعلى منهجية واضحة، ولا بد لنا أن نأخذ العلم على أنه ليس فيه شيء سهل؛ بل كله ثقيل من حيث فهمه، ومن حيث تثبيته، ومن حيث استمراره مع طالب العلم، فهو ثقيل لا بد له من مواصلة ومتابعة، فالعلم ينسى إذا ترك، وإذا تواصل معه طالب العلم فإنه يبقى، وهذا يعظم التبعة على طالب العلم في ألا يتساهل في طلبه للعلم.

فلا يقولن قائل مثلا: هذا الكتاب سهل، وهذا المتن لم يشرح؛ لأنه سهل واضح، أحاديث معروفة، فإن هذا يؤتى من هذه الجهة، حيث استسهل الأصول وعقد العلم، وقد قال طائفة من أهل العلم: "العلم عقد وملح، فمن أحكم العقد سهل عليه العلم، ومن فاته حل العقد فاته العلم" وهذا إنما يكون بإحكام أصول العلوم.

وإذا ضبط طالب العلم المتون المعروفة في الحديث، وفي العلوم المختلفة، فإنه يكون مهيئًا للانتقال إلى درجات أعلى بفهم وتأسيس لما سبق؛ فلهذا أحض جميع الإخوة، وجميع طلاب العلم ممن يسمعون كلامي هذا أحضهم على أن يأخذوا العلم بحزم، وألا يأخذوه على أن هذه المسألة مفهومة، وهذه سهلة، وهذه واضحة؛ بل إنه يكرر الواضح ليزداد وضوحًا، ويكرر المعلوم ليزداد به علما وهكذا.

ونسأل الله -جل وعلا- أن يجعل هذا الشرح الذي نبتدئه هذه الليلة، أسأله -جل وعلا- أن يجعله شرحًا تامًّا مكملًا، وأن ينفع به الملقي والسامع، وأن يجعلنا فيه من المبتصرين، والذين يقولون بعلم لا برأي أو هوى.

ثم إن هذا الكتاب الذي سنعاني شرحه هو الأحاديث المختارة المعروفة بـالأربعين النووية جمعها العلامة يحيى بن شرف النووي، ويقال: النواوي أيضًا، وهو من علماء الشافعية البارزين، وممن شرح كتبًا في الحديث، وكتبًا في الفقه، وأيضًا في لغة الفقهاء، وغير ذلك من العلوم.

وأصل كتابه "الأربعون النووية" أن ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- جمع في مجلس من مجالس تدريسه للحديث، جمع الأحاديث الكلية التي يدور عليها علم الشريعة، فجعلها ستة وعشرين حديثًا، فنظر فيها العلامة النووي -رحمه الله- فزادها ستة عشر حديثًا، فصارت الأحاديث التي اختارها النووي ثنتين أو اثنين وأربعين حديثًا، فسميت بالأربعين النووية تجوزًا.

ثم زاد عليها الحافظ الإمام عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي ثمانية أحاديث كلية أيضًا، وعليها مدار فهم بعض الشريعة، فصارت خمسين حديثًا، وهي التي شرحها في كتابه المسمى "جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم".

وأصل هذه الأحاديث في اختيارها على أنها جوامع كلم تدور عليها أمور الدين، فمنها ما يتصل بالإخلاص، ومنها ما هو في بيان الإسلام وأركانه، والإيمان وأركانه، ومنها ما هو في بيان الحلال والحرام، ومنها ما هو في بيان الآداب العامة، ومنها ما هو في بيان بعض صفات الله -جل وعلا- وهكذا في موضوعات الشريعة جميعًا.

فهذه الأحاديث الأربعون، وما يزيد عليها أيضًا، فيها علم الدين كله، فما من مسألة من مسائل الدين إلا وهي موجودة في هذه الأحاديث من العقيدة، أو من الفقه، وهذا يتبين لمن طالع "الشرح العجاب" شرح ابن رجب -رحمه الله- على الأربعين النووية، وعلى الأحاديث التي زادها ثم شرحها.

فالعناية بها مهمة؛ لأن في فهمها فهم أصول الشريعة بعامة، وقواعد الدين، فإن منها الأحاديث التي تدور عليها الأحكام كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- مفصلًا.


(1) البخاري : بدء الوحي (1) , ومسلم : الإمارة (1907) , والترمذي : فضائل الجهاد (1647) , والنسائي : الطهارة (75) , وأبو داود : الطلاق (2201) , وابن ماجه : الزهد (4227) , وأحمد (1/25).
(2) ابن ماجه : المقدمة (224).
(3) سورة المزمل (سورة رقم: 73)؛ آية رقم:5