موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة الشارح - شرح تفسير جزء عم
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح تفسير جزء عم لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح تفسير جزء عم
 مقدمة الشارح
 تفسير سورة النبأ
 تفسير سورة النازعات
 تفسير سورة عبس
 تفسير سورة التكوير
 تفسير سورة الانفطار
 تفسير سورة المطففين
 تفسير سورة الانشقاق
 تفسير سورة البروج
 تفسير سورة الطارق
 تفسير سورة الأعلى
 تفسير سورة الغاشية
 تفسير سورة الفجر
 تفسير سورة البلد
 تفسير سورة الشمس
 تفسير سورة الليل
 تفسير سورة الضحى
 تفسير سورة الشرح
 تفسير سورة التين
 تفسير سورة العلق
 تفسير سورة القدر
 تفسير سورة البينة
 تفسير سورة الزلزلة
 تفسير سورة العاديات
 تفسير سورة القارعة
 تفسير سورة التكاثر
 تفسير سورة العصر
 تفسير سورة الهمزة
 تفسير سورة الفيل
 تفسير سورة قريش
 تفسير سورة الماعون
 تفسير سورة الكوثر
 تفسير سورة الكافرون
 تفسير سورة النصر
 تفسير سورة المسد
 تفسير سورة الإخلاص
 تفسير سورة الفلق
 تفسير سورة الناس
 تفسير سورة الفاتحة
شرح تفسير جزء عم - مقدمة الشارح

تفسير جزء عم

مقدمة الشارح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد …

فإن القرآن العظيم: كلام الله الذي أنزله على عبده ورسوله نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كما قال جل وعلا: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ (1) وكلام الله -جل وعلا- أنزله على عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- بواسطة الروح الأمين جبريل -عليه السلام- كما قال الله -جل وعلا-: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (2) وهذا القرآن يسّره الله جل وعلا لخلقه، كما قال -جل وعلا-: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (3) .

وتيسير القرآن يتضمن ثلاثة أمور: تيسير حفظ ألفاظه، وتيسير فهم معانيه، وتيسير امتثال أوامره ونواهيه.

فألفاظه يحفظها الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعربي والعجمي، ومعانيه مفهومة في جملتها وإن خفيت بعض ألفاظه على بعض الناس إلا أنه في الجملة مفهوم لعامة البشر، فإن الإنسان وإن خفيت عليه أحيانا آية أو آيتان أو أكثر من ذلك فإن جملة القرآن يكون معلوما مفهوما لديه.

وهذا الفهم إنما هو على سبيل العموم، أما من حيث دقة الاستنباط والمقايسة وردّ آياته بعضها إلى بعض فهذه يختص بها أهل العلم؛ ولهذا كثير من الناس يسمعون آيات الله -جل وعلا- تتلى عليهم في المساجد، في الصلوات، فيفهمون مراد الله -عز وجل- مباشرة.

ولكن أهل العلم يختصون بأنهم يردّون هذه الآيات بعضها إلى بعض، ويعرفون بيانها بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بكلام أصحابه والتابعين لهم بإحسان.

وتيسير امتثال أوامره ونواهيه، هذا أمر واضح للجميع فإن الله -جل وعلا- لم يكلِّف بني آدم ما لا يطيقون ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (4) ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا (5) ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ (6) ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (7) .

فهذه الآيات كلها تبين أن امتثال أوامر القرآن ونواهيه هذا أمر ميسور، فمن لم يستطع ذلك فلا يكلفه الله -جل وعلا-، فهذا هو تيسير الله -جل وعلا- بهذا القرآن على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم.

وهذا القرآن أنزله الله -عز وجل- ليتدبره العباد ثم يعملوا به كما قال الله -جل وعلا-: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (8) .

ووبّخ الله -جل وعلا- الذين لا يتدبرون آياته فقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (9) أي: بل على قلوب أقفالها.

ولهذا ذَكر الله -جل وعلا - عن المؤمنين أنهم ينتفعون بهذا القرآن، ويخشون به ربهم ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (10) .

وقال -جل وعلا - لمّا استبطأ قلوب المؤمنين: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (11) .

ومن صفات الأنبياء والمرسلين وأهل الإيمان: أنهم يعملون بآيات الله -جل وعلا- إذا فقِهوها وعلموا مدلولها، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (12) وهؤلاء المنعم عليهم هم النبيون المذكورون قبل هذه الآية.

وذكر الله -جل وعلا- عن مؤمني اليهود في مقام المدح لهم عملهم بهذا الكتاب ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (13) .

وقال -جل وعلا- في شأن مؤمني النصارى: ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (14) .

وقال -جل وعلا- في شأن مؤمني هذه الأمة: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (15) .

فالأنبياء والمرسلون وصالح المؤمنين يتدبرون آيات الله ويعملون بها؛ ولهذا كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- متمثلا هذا القرآن في جميع شئونه، ظاهرها وباطنها، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: « كان خلقه القرآن »(16) .

ذكر العلماء -رحمهم الله- أن معنى ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا جاءه أمر من الله كان أول العاملين به، وإذا جاءه نهي من عند الله كان أول المنتهين عنه، وهذا هو العمل بكتاب الله -جل وعلا- ولهذا لما كان المراد من إنزال القرآن أن يعمل العباد به جاء وصف هذا القرآن بصفات كثيرة، كلها ترجع إلى هداية العباد وانشراح صدورهم بآيات الله، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (17) ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (18) .

قال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (19) ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (20) .

فمن عمل به خرج من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى وكان على الصراط المستقيم الذي أمرنا الله -جل وعلا- باتباعه والتمسك به ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) .

وهذا القرآن لا بد لكل مسلم أن يجتهد في معرفته، وكلما ازداد الإنسان معرفة لهذا القرآن ازداد إيمانه وتعظيمه لله -جل وعلا-؛ ولهذا لما كان أهل العلم هم أعلم الناس بآيات الله -عز وجل- وبما يجب له -جل وعلا- كانوا هم أخشى الناس لله وأتقاهم له ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (22) .

ولما كان سيد البشر -صلى الله عليه وسلم- هو أعلم الناس بآيات الله وبمراد الله، وأعلم الناس بالله كان هو أتقاهم وأخشاهم لله، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: « أنا أتقاكم لله »(23) .

وأحسن ما يُدْرس فيه هذا التفسير وبيان آيات الله وإيضاحها، في بيوت الله -جل وعلا- لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده »(24) .

وأولى ما يعني به العالم والمتعلم معرفة كتاب الله -جل وعلا- وما يدل عليه لأن معرفة ذلك هو أصل العلم كما قال الله -جل وعلا-: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (25) يعني: أن هذا القرآن آيات واضحات لا تلتبس على أهل العلم، وهذا القرآن إذا علمه الإنسان وفهم معانيه ومدلولاته فإنه تندفع عنه الشبهات والشهوات، وينشرح صدره، ويتلذذ بتلاوة كتاب الله -جل وعلا.

وأحسن ما يُفَسر به المرء كتاب ربه … أحسن ما نفسر به القرآن أن نفسر القرآن بالقرآن؛ لأنه قد تأتي الآية مجملة في موضع فيبينها الله -جل وعلا- ويفصلها في موضع آخر، وتأتي أحيانا عامة في موضع ويأتي تخصيصها في موضع آخر، وتأتي في موضع مطلقة ويأتي تقييدها في موضع آخر، ويأتي أحيانا فيها إبهام فينكشف في موضع آخر، إلى غير ذلك من ترابط كتاب الله -جل وعلا- في آياته.

ولهذا قال العلماء: أحسن ما يُفَسر به القرآن القرآن، ثم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم.

ونبينا -صلى الله عليه وسلم- قد علم أصحابه تفسير هذا القرآن العظيم، وبينه لهم؛ لأن هذه وظيفة النبي -صلى الله عليه وسلم- ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (26) .

وأصحابه -رضوان الله تعالى عليهم- بينوه للتابعين، وهكذا توارث علماء الإسلام تفسير كلام الله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن ينبغي للمسلم إذا أراد أن يفسر كتاب الله بسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يتحقق من صحة هذه الأحاديث التي يفسر بها كلام الله -جل وعلا؛ لأن الحديث إذا لم يكن صحيحا فإننا ننسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئا لم يقله، بل لا بد من التثبت من صحة الحديث، ثم بعد ذلك يُقضى به على الآية وتفسر به الآية.

ويأتي بعد تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسير الصحابة؛ لأن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا حاضرين عنده -عليه الصلاة والسلام- وقت نزول القرآن، فكانوا أعلم بمدلول هذه الآيات، كما أن القرآن نزل بلغتهم، فهم أحق من يبين لنا هذه الآيات، ثم يأتي بعدهم التابعون؛ لأنهم أخذوا عن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم.

فإذا وجدنا آية أجمع عليها أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على تفسيرها، أو أجمع عليها التابعون فإنه يحرم علينا أن نخرج عن هذا الإجماع، وإذا كان لهم في تفسير الآية وجهان فإن المتعين علينا أن نأخذ بأحد هذين الوجهين، ولا بد أن يكون الوجه المأخوذ به هو الوجه الراجح الذي تدل عليه الأدلة، فكما أننا في مسائل الفقه إذا اختلف العلماء ننظر في أدلتهم، ثم نختار من هذه الأقوال ما يرجحه الدليل، فكذلك الصحابة والتابعون، إذا اختلفوا في فهم آية فإننا نتحرى الفهم الأقرب بما يحيط به من دلائل وقرائن تدل عليه.

والذي ينبغي أن يُنبَّه عليه في هذا المقام أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا في تفسير آية واحدة من مسائل التوحيد، ولم تشكل آية واحدة من مسائل التوحيد على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن وقع بينهم اختلاف في بعض آيات الأحكام، كما اختلفوا في قوله تعالى: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ (27) هل هو الجماع أو اللمس باليد والتقبيل؟.

واختلفوا في قوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ (28) من الذي بيده عقدة النكاح؟ هل هو الولي أو الزوج؟.

في آياته أو في بعض آياته اختلف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها، لكن غالب الاختلاف الواقع بينهم ليس اختلاف تضاد وإنما هو اختلاف تنوع، أو تفسير الآية ببعض أفرادها، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ (21) بعض السلف يفسر "الصراط" هنا بأنه القرآن، وبعضهم يفسره بأنه اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعضهم يفسره بأنه الإسلام.

وهذه الأقوال لا تضاد بينها، هذه الأقوال لا يضاد بعضها بعضا، ولكن هذا اختلاف تنوع، واختلاف في العبارة، وكلها ترجع إلى التمسك بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم.

ومن مثل قوله-جل وعلا-: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ (29) فإذا جاء عن بعض السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ (29) أنه الزاني، وعن الآخر أنه تارك الصلاة، وعن الآخر أنه قاطع الرحم، هذه كلها تفسير لهذه الآية ببعض أفرادها، كل هذه المعاصي يكون الإنسان بفعلها ظالما لنفسه.

فالشاهد من هذا أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا في تفسير آيات التوحيد، ولم يختلفوا اختلافا كبيرا في فهم كتاب الله -جل وعلا-، لكن وقع بينهم اختلاف في بعض الآيات، وأما غالب الاختلاف أو غالب الأقوال التي يسوقها بعض المفسرين على أنها اختلاف، هي في حقيقتها ليست اختلافا، ليست اختلاف تضاد، وإنما هي اختلاف تنوع، وهذا من أجل حال المخاطب؛ لأن الصحابة كانوا يخاطبون الناس بحسب أحوالهم، وكذلك التابعون من بعدهم والسلف، يخاطبون الناس بحسب السائل، فيريدون أن يقربوا أحيانا معنى الآية للسائل فيشرحونها ببعض أفرادها، وهذا الشرح ببعض الأفراد لا يقتضي أن يكون هناك اختلاف بين أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بين السلف في هذه الآيات.

فهذه بعض التنبيهات قدمناها بين يدي تفسير جزء عم الذي هو مشتمل في غالبه على آيات الوعد والوعيد، وعلى مسائل التوحيد.

وسوره وآياته واضحة الدلالة، لكن نحن بحاجة إلى أن نربط بعضها بعضا، ونعرف شيئا من فوائدها وأحكامها، ونقف على شيء مما قد يكون غامضا على بعض الناس.

ونسأل الله -جل وعلا- التسديد والتوفيق والإعانة، إنه على كل شيء قدير .


(1) سورة التوبة: 6
(2) سورة الشعراء: 192 - 195
(3) سورة القمر: 17
(4) سورة البقرة: 286
(5) سورة الطلاق: 7
(6) سورة المائدة: 6
(7) سورة الحج: 78
(8) سورة ص: 29
(9) سورة محمد: 24
(10) سورة الزمر: 23
(11) سورة الحديد: 16
(12) سورة مريم: 58
(13) سورة الإسراء: 107 - 109
(14) سورة المائدة: 84 - 85
(15) سورة الفرقان: 73
(16)
(17) سورة الإسراء: 9
(18) سورة المائدة: 15 - 16
(19) سورة يونس: 57
(20) سورة الإسراء: 82
(21) سورة الأنعام: 153
(22) سورة فاطر: 28
(23) أحمد (5/434).
(24) مسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) , والترمذي : القراءات (2945) , وأبو داود : الصلاة (1455) , وابن ماجه : المقدمة (225) , وأحمد (2/252).
(25) سورة العنكبوت: 49
(26) سورة النحل: 44
(27) سورة النساء: 43
(28) سورة البقرة: 237
(29) سورة فاطر: 32