موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة المؤلف - شرح لمعة الاعتقاد
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة المؤلف
 صفات النفي
 الصفة الثبوتية
 الإيمان بأن أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها عليا
 من صفات الكمال أن الله أحاط بكل شيء علما
 الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله
 الإيمان بكل ما جاء في القرآن وصح عن المصطفى من صفات الرحمن
 الإيمان بالصفات المشكلة لفظا والتوقف عن السؤال عن كيفيتها
 ذم مطلق التأويل في المتشابه تنزيله
 علامة الزيغ هي ابتغاء التأويل
 بعض الآثار عن الأئمة والعلماء في التمسك بالسنة
 مذهب الشافعي في العقيدة
 الإمام الأوزاعي يدعو للتمسك بآثار من سلف
 الأثر المروي عن الإمام أحمد بن حنبل في تأويل الصفات
 قول ابن قدامة في تأويل الصفات
 طريقة السلف تقبل النصوص والعمل بها واعتقادها والإقرار بها وإمرارها كما جاءت
 أمر النبي باقتفاء أثر الإئمة والاقتداء بهم والابتعاد عن البدع
 ابن مسعود يحث الناس على اتباع الصحابة ويحذرهم من الابتداع
 عمر بن عبد العزيز يحث على اتباع الصحابة والعلماء من بعدهم
 الإمام الأدرمي ودفاعه عن السنة
 إثبات صفتي الوجه واليد لله تعالى
 إثبات صفتي النفس والمجيء لله تعالى
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من القرآن
 الأدلة على إثبات الصفات الفعلية لله تعالى من السنة
 صفات الله تعالى حقيقية من غير تشبيه بصفات المخلوقين
 إثبات صفة العلو لله تعالى
 إثبات صفة العلو من كتب المتقدمين
 إثبات صفة الكلام لله تعالى
 من أمثلة كلام الله القرآن الكريم
 القرآن سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات
 وصف القرآن
 القرآن كلام عربي
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا تحدي الله للكفار أن يأتوا بمثل مثله
 من الأدلة على أن القرآن كلام الله لفظا قول المشركين " ائت بقرآن غير هذا أو بدله"
 من الأدلة على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف
 رؤية المؤمنين لربهم
 من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد
 جميع الأفعال التي تحدث والتي تحصل كلها مرادة لله
 بعض الأدلة على القدر من القرآن
 الأدلة على عموم القدر من السنة
 القضاء والقدر ليس حجة في ترك أوامر الله واجتناب نواهيه
 فصل في أسماء الإيمان والدين
 تعريف الإيمان
 بعض الأدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان
 فصل في الإيمان بالغيب
 الإيمان بكل ما أخبر به النبي
 الإسراء والمعراج
 قصة فقأ موسى عين ملك الموت
 أشراط الساعة
 عذاب القبر ونعيمه
 البعث
 الميزان
 الحوض
 الصراط والشفاعة
 الجنة والنار
 فصل حق النبي صلى الله عليه وسلم
 أمة النبي خير الأمم وأبو بكر أفضلها
 ترتيب الخلفاء في الفضل والخلافة على حد سواء
 فصل الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي بالجنة
 عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب
 الجهاد والحج مع الأئمة من جملة عقيدة المسلمين
 محبة أصحاب النبي وذكر محاسنهم والترحم عليهم
 الترضي على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
 السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين
 التحذير من البدع وفرق الضلال والجدال والخصومات
 الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية
شرح لمعة الاعتقاد - مقدمة المؤلف

لمعة الاعتقاد

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف-رحمه الله تعالى -: مقدمة صاحب المتن (ابن قدامة) قال الشيخ الإمام العلامة، موفَّق الدين، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي -عليه رحمة الله-: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزَّه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

لا شك أن أمْر العقيدة (العقيدة الإسلامية عقيدة المسلمين) من أهم الأمور، وأن شأنها عظيم، والاهتمام بأمرها أكيد؛ لأجل ذلك اهتم بها العلماء قديمًا وحديثا، وكتبوا فيها، وألَّفوا المؤلفات التي ضمَّنوها المعتقد المأخوذ من الكتاب والسنة، والذي درج عليه سلف الأمة، وبسطوا في ذلك واختصروا وكتبوا ودرسوا وقرروا؛ وكل ذلك نصحا منهم للأمَّة أن تثبتَ على عقيدةٍ صحيحة، وأن ترسخ هذه العقيدة في قلوبها.

في هذه الأمسية نحبُّ أن نتكلم على مبدأ العقيدة، وعلى تطوراتها بحسب الزمان إلى زماننا هذا، وعلى الإشارة إلى بعض ما كتب في العقيدة، في "باب الاعتقاد" وفي الليالي القادمة -إن شاء الله- نبدأ في القراءة، في العقيدة التي اختيرت لهذا الدرس.

نقول: العقيدة التي منها هذه الرسالة: "لُمْعَة الاعتقاد" ومنها مثلا: "العقيدة الواسطية" وغيرها... مشتقة من العَقْد؛ وذلك أن العقد: هو ربط الشيء بعضه ببعض.

تقول: عقدت الحبْل ببعضه، أي: وثقَّته وربطته؛ وسميت بذلك لأن القلب يعقد عليها عقدا محكما مبرما لا سبيل إلى انفكاكه؛ وذلك لأن أدلتها جليَّة صحيحة واضحة، لا يعتريها شكٌّ ولا تغير، أدلتها نصوص قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة؛ فلأجل ذلك يعقد عليها القلب، ولا يمكن أن يتزعزع هذا الاعتقاد من القلب، إلا إذا كان العقد غيرَ محكم،ٍ وغيرَ قوي؛ فإنه عُرضة للتزعزع؛ ولأجل ذلك كان العلماء -والمسلمون عموما- يربُّون أولادهم على العقيدة منذ الطفوليَّة، يلقنونهم كيف عرفوا ربهم، وبأي شيء عرفوه، ولأي شيء خلقوا، وبأي شيء أمروا، وأول ما فُرِض عليهم، وأهم الفرائض، وما إلى ذلك..حتى إذا تلقَّاه الطفل في صِغَره وتربى عليه؛ نبت لحمه وعظمه وعصبه وعقله على هذه العقيدة؛ فأصبحت راسخة لا تتزعزع، بحيث لو عَرَضت عليه بعد ذلك شبهات، ولو أتي بزعم ما يزعزع وبما يفتن، ولو فُتِن، ولو عُذِّب أو أوذي، لم يتغير اعتقاده.

أولا: أنه تربى عليه منذ صغره وتلقَّنه وهو طفلٌ.

ثانيا: أنه ألفى عليه أبويه، وأبواه أنصح الخَلْق له، وأحبوا أن يتربى على الخير.

ثالثا: أن الأدلة التي تؤيد هذه الاعتقاد، أدلة جلية واضحة في ظهور معناها، وأدلة صحيحة قطعية الثبوت، لا يمكن أن يعتريها شكٌّ، أو يعتريها تغيُّر.

فهذا ونحوه مما يبين أهمية هذه العقيدة.

بعد ذلك نقول: "تطور أمر هذه العقيدة" قبل أن نبدأ في شيء من تفاصيلها. معروف أن الرسل كلهم بدءوا رسالتهم بأمر العقيدة، التي هي عبادة الله، بقولهم: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره". تقرير للإلهية أن الله تعالى هو الإله، بحيث يعترفون أن لهم ربًّا، وأن ربهم هو الله، وأنه الذي له الإلهية وحده، ولا تصلح الإلهية إلا له، وهذا مبدأ العقيدة وأساسها كما سيأتي.

فالرسل بدءوا بأمر العقيدة، ومنهم نبينا -محمد صلى الله عليه وسلم- بدأ بأمْرِ العقيدة، وبقِيَ عشْرَ سنين بمكة -بعد أن أُوِحَي إليه- لم يدع إلا إلى العقيدة، لم يدع إلا إلى معرفة الله وعبادته، وأداء حقِّه، وترك عبادة ما سواه، وإقامة الأدلة التي تثبت لله وحده العبودية، وتنفي عن غيره أن يكون معبودا، أو أن يكون إلها، وتقيم الأدلة على ذلك، ففي كثير من السور التي تتوالى (في السور المكية) يذكر الله -عز وجل- ما يدل على أنه سبحانه هو الرب، وهو الإله، فنجد مثلا في سورة الإنسان قوله تعالى:

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ﴾ إلى آخِر الآيات. أليس هذا تقريرًا للإلهية أن الذي خلق الإنسان بعد أن كان معدوما هو الخالق المنفرد بالخَلْق؟.

تقرير؛ لأنه هو الخالق وحده، وأنه الذي يستحق أن يعبد، ولا يجحده إلا معاند. السورة التي بعدها فيها أيضا تقرير ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴾ إلى آخر الآيات. يذكر الله آيات ودلالات على أنه هو المنفرد بالإلهية، وأنه المنفرد بالتصرف وبالربوبية وحده؛ لأن هذا تصرفه وحده الذي انفرد به، فهو أهل أن يكون معبودا وحده دون ما سواه، كذلك السورة التي بعدها: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ إلى آخر الآيات.

تقرير من الآيات والمعجزات والبراهين التي من تأملها وتعقلها رسخت العقيدة في قلبه، حيث يعرف أن الذي أوجد هذه الكائنات على هذا الإحكام، غاية الإحكام، أنه أهْلٌ أن يُعَظَّم، وأهْلٌ أن يُعْبَد وحده، وأن يشكر ويذكر، وأن تكون الطاعة له دون ما سواه، وأهل أن يطاع رسله الذين أرسلهم وحملهم رسالته.

وفي السورة التي بعدها يقول تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ إلى آخر الآيات، يحتج عليهم بهذا الخَلْق المُحْكَم العظيم، الذي لا يستطيع أي مخلوق أن يغيره عن وضعه، فالذي أوجد هذه المخلوقات أهل أن يكون هو الإله، وهو الرب، وهو المعبود وحده.

وفي السورة التي بعدها يقول تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴾ إلى آخرها، يذكر الإنسان بأن الذي فعل هذا هو الله وحده، ولا يستطيع مخلوق -مهما كانت قدرته- أن يأتي بمثل هذا الأمر الذي يأتي به الله سبحانه.

إذن فهذا يبين أن العقيدة هي أول ما بدأ به نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ولما بينه للصحابة اعتقدوا ما اعتقدوه بأمر الإله وحده، وبأمر الربّ -سبحانه وتعالى- من أسمائه وصفاته، ومن براهينه وآياته، ومِن نعمه وآلائه على خلقه، واعتقدوا أنه الذي هو أهل أن يعبد وحده، وأن يشكر، وأن يثنى عليه، اعتقدوا ذلك ولم يكن فيهم مَن ينكر شيئا من أمر هذا الاعتقاد.

اعتقدوا أن الله تعالى هو ربهم وخالقهم ومدبرهم، اعتقدوا أن الله -سبحانه- فوق عباده، وأنه على عرشه مستوٍ عليه كما يشاء، اعتقدوا أن له الأسماء والصفات العلا...إلى آخر أمر العقيدة، ولم يظهر فيما بين الصحابة من ينكر شيئا من أمر هذا الاعتقاد، ولا ظهر فيما بينهم مَن يردُّ شيئا من دلالات النصوص، وهذا من تزكية الله تعالى لصحابته (لصحابة نبيه صلى الله عليه وسلم).

لما زكاهم الله تعالى وفضلهم على غيرهم؛ ظهر أثر ذلك: فلم يظهر فيهم -والحمد الله-مبتدع، ولا خارجي، ولا قَدَري، ولا رافضي، ولا معتزلي، ولا أشعري، ولا قَدَري، ولا جبري، ولا مرجئ، لم يظهر فيهم أحد من هذه البدع، بل كلهم على عقيدة واحدة، هي عقيدة أهل السنة. هذا ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم.

وبعدهم (بعد عهد الصحابة أو بعدما دخل في الإسلام غيرُ الصحابة) بدأ ظهور البِدَع، ولمَّا بدأت اهتم الصحابةُ بإظهار السُّنَن، وأوضحوها بالأدِلَّة.

فأول البدع: بدعة الخوارج الذين خرجوا عن الطاعة، وكفَّروا الصحابة، وكفَّروا المسلمين، وقتلوا الأبرياء...قصتهم معروفة، لما خرجوا وظهروا كثرت الأحاديث التي تبين قصتهم وشأنهم، ومبدأ أمرهم وصفاتهم، أحاديث صحيحة، مخرَّجة في الصحيحين وفي غيرهما.

أنكر الصحابة عليهم، وبينوا خطأ طريقتهم، ولما كتب المؤلفون فيما بعد، كتبوا في الرد عليهم ما يبين خطأهم، وضمَّنوا ذلك كُتُب العقيدة. وبعد ذلك خرجَت القَدَرية. في آخر عهد الصحابة أدركهم بعض الصحابة: كعبد الله بن عمر بن الخطاب، وغيره من الذين تأخر موتهم، منهم: غَيْلان القَدَري، ومعبد الجُهَني. خرجوا في آخر عهد الصحابة، وأنكروا عِلْم الله السابق للأشياء قبل وجودها، وقالوا: إنما يعلمها بعدما تحدث. وهذا معنى قولهم: إن الأمر أُنُف. فشنَّع عليهم الصحابة، واحتجوا عليهم بالأدلة (بالآيات وبالأحاديث)، وحذَّروا من طُرُقهم ومن شأنهم.

وكانوا قلة مغمورين لا يُتَفطن لهم، ولا يأبه لهم، وإنما الغلبة لأهل السنة، والظهور لهم، والكثرة لهم والحمد لله. إنما هم أفراد لا يَسْمع منهم إلا مَن هو ضعيفُ الإدراك وضعيفُ العقل.

بدأ القرن الأول يعني في أول القرن الثاني ظهرت بدع أخرى: فظهرت المعتزلة في أول القرن الثاني، اعتزلوا مجلس الحسن البصري، وكان رئيسهم الذي يقال له: واصل بن عطاء. وجلس يقرِّر مذهبه، وأخذ يشير إليهم الحسن ويقول: "هؤلاء معتزلة، اعتزلنا واصل". فمِن ثَمَّ اشتهر هذا المذهب الذي هو مذهب الاعتزال. ولعله يأتينا بعض الإشارات إليه فيما بعد، عندما نبدأ في الرسالة إن شاء الله. ومع ذلك فإن أهله قلة، منهم معبد هذا، ومنهم عمرو بن عبيد الذي هو في وسط القرن الثاني، يُظْهِر التنسُّك ولكنه مبتدع منحرف في باب الاعتقاد.

ثم ظهرت أيضا بدعة التعطيل، وما أدراك ما هو؟ البدعة الشنيعة، البدعة العظيمة، البدعة المنكرة، وهي بدعة الجهمية الذين أنكروا الصفات (أنكروا صفات الله تعالى) وتأولوا نصوصها، وبالغوا في إنكارها، وكان أولُّ مَن أنكر بعضها: الجَعْد بن دِرْهم، وهو الذي قَتَله خالدٌ القسري في يوم عيد الأضحى، وقصته مشهورة، ثم إنه تلقاها عنه الجَهْم بن صَفوان السَّمرقندي، وهو الذي نشرها ونُسِبت إليه، وكثر الذين تلقوها عنه وإن كانوا قلة في ذلك الزمان، ولكن ظهر لهم بعد ذلك أنصار وأعوان، فمنهم بِشْر المريسي الذي أعلن هذه البدعة (إنكار الصفات) ومنها إنكار صفة العلوِّ لله تعالى، وإنكار كلامِه أنه متكلم،ٌ وأنَّ القرآن ليس كلامه، ونحو ذلك من التعطيل.

ولما كان في آخر القرن الثاني وأول القرن الثالث، كان وزراء الملوك أغلبهم من اليونان، ومن الترك، وكانوا غالبا من المجوس -في عقيدتهم- ومن النصارى، وعندهم مِن كتب النصارى وكتب الفلاسفة بقايا؛ فزينوا للخلفاء أن ينقلوها إلى العربية (يترجموها إلى اللغة العربية)؛ فترجموا كتبا كثيرة من كتب الفلاسفة والملاحدة، ومن كتب اليونان: من نصارى ومجوس ونحوهم، ولما انتشرت تلك الكتب كان في طياتها التشكيك في الخالق، وفي مبدأ الخَلْق، وفي منتهاه؛ مما كان سببا في كثرة الزندقة.

ظهر في ذلك الوقت مذهب الزندقة، وهو الذي يسمى عندنا بالشيوعي (مذهب الشيوعية)، تمكن الشيوعية وظهروا، ولكن فَطِن لهم الخليفة المهدي -رحمه الله، سموا في ذلك الوقت زنادقة-؛ فقتل منهم خلقا كثيرا، كل مَن اتُّهم بأنه زنديق ينكر الخَلْق والخالق، ويذهب مذهب الفلاسفة في إنكار بَدْء الخَلْق وإعادته، وفي أن الأمر مسندٌ إلى الطبائع ونحو ذلك-قربه وقتله، ولم يكن يستتيبهم؛ لعلمه أنهم منافقون، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم أظهروا الإسلام وقصدوا من إظهاره إفساد العقائد، أن يثق الناس بهم، وأن يأخذوا منهم، فإذا أخذوا منهم أعطوهم ما يريدون من التشكيك، ومن الارتباك في أمْر العقيدة؛ حتى يزعزعوا عقيدة الكثير من الناس؛ فهذا هو السبب في فشوِّ هذا المذهب الشيوعي.

ذكر المترجمون له: أنه أحضر أحدهم، لما ثبت عنده أنه زنديق حكم بقتله؛ فقال ذلك الزنديق: "كيف تفعل بأربعة آلاف حديث كذبتها ودسستها للمسلمين". أربعة آلاف كذب "كذبتها" فقال له المهدي: "تعيش لها نقادها". أي أن الله تعالى قيض علماء ينقحون الأحاديث، ويبينون زيفها، ويظهرون ما هو مكذوب ودخيل على السنة، يعني: أمثال الأئمة الذين كتبوا في الأحاديث وبينوا عللها، وبينوا الكذب منها، والموضوع والصحيح والضعيف، يعني أن هذا مثال.

وبكل حال هذا وقت انتشر فيه هذا المذهب الشيوعي الخبيث؛بسبب تعريضه للفتن. ومن أثر انتشارها كثر الخوض في علوم جديدة، سماها السلف -رحمهم الله- "علم الكلام" هكذا أطلقوا عليه، وقصدوا به العلم الذي يخوض في غير دليل، يخوض في الأمور الخفية: في الجواهر والأعراض والأبعاض والافتراضات وما أشبه ذلك، وهذا الكلام (علم الكلام) هو الذي شغل كثيرا من أهل القرون المتأخرة، بحيث أنهم كرسوا جهودهم في هذا الكلام، وأخذوا يفترضون افتراضات: إن كان كذا فماذا يكون كذا وما هو جوابه؛ حتى ملئوا صدور الناس بما لا فائدة فيه، وملئوا الكتب بما لا أهمية له؛ فكان ذلك مما حمل العلماء على التحذير من علم الكلام.

تذكرون قول الشافعي -رحمه الله-: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك القرآن وأقبل على الكلام". وغيره في كتب الأشاعرة، وفي كتب المعتزلة حشدوا الكثير منه، وفي كتب العقائد، وفي كتب الأصول وما أشبهها، وافترضوا افتراضات لا دليل عليها، فإذن لا شك أن هذا مما حمل السلف -رحمهم الله- على أن ينقحوا العقيدة، لما رأوا في القرن الثاني وفي القرن الثالث وما بعده، تغير الناس في بعض الاعتقاد -لم يكن بد من أن يكتبوا في ذلك، ويقرروا ويبدءوا ويعيدوا، ويظهروا المذهب الصحيح، والعقيدة السلفية السليمة، ويبينوها علنا حتى لا يقع في خلافها من قصده الحق، كتب السلف في باب العقيدة كثيرة وشهيرة، منها ما سمي "بكتاب الإيمان" متقدما ومتأخرا، مختصرا ومبسوطا، مثل: كتاب "الإيمان"

لابن أبي شيبة ومنها ما سمي بأسماء أخرى: "كالرد على الجمهية" للإمام أحمد لما شك فيه من متشابه القرآن، و"الرد على الجمهية" لعثمان بن سعيد الدارمي، و"الرد على بشر المرِّيسي" للدارمي أيضا، ومنها ما له أسماء خاصة: "كالشريعة" للآجرِّي، و"الإبانة" لابن بطة (الإبانة الصغرى والإبانة الكبرى)، و"شرح أصول أهل السنة" أو"اعتقاد أهل السنة من أوسعها" للالكائي، هذه كتب ضمنها مؤلفوها العقيدة، وأرادوا بذلك أن يخلصوا أمْر المعتقد؛ حتى لا تنمحي أو تضمحل عقيدة أهل السنة.

ومع ذلك، ومع كثرة هذه الكتب -مما ذكرنا ومن غيرها كثير- لما انقضى القرن الثالث (القرون المفضلة)؛ أميتت هذه الكتب -مع الأسف- وأصبحت مختفية مخزونة لا يعترف بها، ولا تقرأ ولا تدرَّس إلا نادرا وبصفة خفية، وتمكن مذهب الأشاعرة، ومذهب المعتزلة، تمكَّن أيَّما تمكُّن، وصار الإقبال عليه، وصار الدرس والكتاب، أو الكتب التي تؤلف فيما يتعلق بهذه العقائد -عقيدة الأشعرية وعقيدة المعتزلة، وكادت السنة وكتبها ألا يكون لها ذكر، بل كاد مذهب الإمام أحمد أن يضمحل، ولم يبق أحد عليه إلا أفرادٌ قلة، وفي آخِر القرن الرابع وأول القرن الخامس بدأ يظهر مذهب الإمام أحمد؛ بسبب القاضي أبي يعلى -رحمه الله- فإنه لما اعتنق هذا المذهب وتولى القضاء، وكان عالما جليلا، وكان من أبرز أهل زمانه، ولم يجدوا للقضاء مَن يتولاه مثله -أظهر هذا المذهب، ومع ذلك فإنه هَو وتلامذته الذين قرأ عليهم في بعض الكلام، قد تأثروا بشبه المتكلمين، ولكن لمَّا كان على مذهب الإمام أحمد؛ لم يردَّ ما روي عنه، فألف رسالة فيما يتعلق بصفة العلو، وأملاها على تلامذته، ولمَّا كتبها وأملاها قامت عليه الدنيا، وأنكر عليه أهل زمانه، وقالوا: "القاضي أبو يعلى ممثِّل، القاضي مشبِّه". وكادوا أن يسعوا في إبعاده، وفي فصله؛ فاعتذر بأنه إنما نقل كلام غيره، والرد لا يكون عليه بل يكون على غيره (على الذين نقل عنهم)، تولوا أنتم الردَّ عليهم، وأما هو فإنه ناقل. ولا شك أن هذا دليل على غُربة السنَّة في تلك القرون (القرن الرابع والقرن الخامس وما بعده أيضا).

بالتتبع لهذه القرون: الرابع والخامس والسادس وأغلب السابع، إنك لا تجد فيها مَن هو على مذهب السنة إلا مَن هو مستخفٍ، ولو كان حنبليًّا؛ وما ذاك إلا أنهم قرءوا على مشائخَ لهم، أولئك المشائخ، أولئك العلماء قرءوا عِلْم الكلام على علمائهم؛ ولمَّا قرءوه تمكَّن من نفوسِهم، وتمكَّنت هذه الشبهة -التي هي إنكار صفة العلو، وإنكار الصفات الذاتية، وإنكار كثير من الصفات الفعلية- تمكَّنت من النفوس؛ فصار ذلك سببا في انحرافهم عن عقيدة أهل السنة، وعن عقيدة السلف والأئمة.

الأئمة الأربعة الذين يُقتدى بهم في الفروع، هم كلهم -والحمد لله- على معتقدٍ واحدٍ في الأصول، يعني: في العقيدة، ومع ذلك يفتخر كثير بانتمائهم إليهم، ويخالفونهم في أصل الأصول الذي هو باب العقيدة، فتجدهم يقولون: "نحن على مذهب الشافعي، ولكن في باب العقيدة على مذهب الأشعري". ولا يتمسكون بمذهب الأشعري الصحيح، ولا بمذهب غيره من السلف، وإنما بمذاهبَ تلقَّوْها عن علمائهم، وعن مشائخهم المتأخرين الذين تلقوا هذه العلوم عن علم المتكلمين.

ولا شك أن أولئك لمَّا كثر الخوف منهم في علم الكلام، وفي التدقيق في تلك المسائل الخفية؛ كانت لها نتيجة سيئة وهي أنها أوقعت كثيرا منهم في الحيرة. تحيروا، ماذا يعتقدون؟ وما هي العقيدة التي تنجيهم؟ ذكر شيخ الإسلام في "أول الحموية" وابن أبي العز في "شرح الطحاوية" قصصا لبعض أولئك الحيارى المتهوكين، قصصا لهم منها قصة للرازي (من علماء المتكلمين) أبو عبد الله، ويقال له: ابن الخطيب. صاحب "التفسير الكبير" وصاحب "تأسيس التقديس" الذي رد عليه الشيخ في كتاب "نقض التأسيس" ذكر أنه: "إما أنشأ ذاته وإما استشهد بها" وهي التي يقول فيها:

نهايــة إقبـال العقـول إطـال *** وأكـثر ســعي العـالمين ضلال

ولـم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** ســوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

ثم يقول:

"لقد تأملتُ الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلا ولا ترضي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ ومن جرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي".

ليته بقي على هذا، وليته كتب في هذا، ولكنه أضلَّ كثيرا من مؤلفاته، مع سعة ما فُتِح عليه من العلوم.

ومنهم: الجويني، الذي يُقال له: "إمام الحرمين" له الكتاب المطبوع المشهور في باب، في علم الكلام اسمه "الإرشاد" وله كتب غيره، ذكروا عنه أنه لما حضره الموتُ تأسف على حياته وقال: "لقد تأملت الطرق الفلسفية" وقال: "لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل العلوم (أهل الإسلام وعلومهم)، وخضت في الذين + عنه، والآن إن لم يتداركني رحمة ربي فالويل لابن الجويني، وهأنا أموت على عقيدة عجائز نيسابور".

تمنى في آخر حياته أنه ما خاض في هذه العلوم أصلا، وكذلك الشهرستاني صاحب "الملل والنِّحل" ذكروا عنه أنه يقول: "أكثر الناس شكًّا عند الموت أهل الكلام". وغيرهم كثير.

هذا نهاية هؤلاء المتكلمين، ونهاية معلوماتهم، ومع ذلك -وللأسف- هم متمسكون بهذه العقائد ويألفون فيها المؤلفات، ويسمونها "بمؤلفات التوحيد" (نظمًا ونثرًا) مثل: العقائد النسفية. على مذهب الأشاعرة، مطبوعة في "مجموع المتون" ومثل: "نظم الجوهرة" و"منظمومة الشيباني" وإن كانت أخف، ولكن فيها بعض التحريف، أو الانحراف قليلا، ومثل: "بَدْء الأمالي".

تجدون هذه العقائد -من عقائد الأشاعرة- مطبوعة في "مجموع المتون" ولها شروح مشهورة، شروح على هذه المتون. هذه عقائد اعتقدوها وألفوا فيها، واشتهرت بينهم وبين تلامذتهم، ومن كان منهم من أهل الحديث ألف في العقيدة، ولكن لا يجرؤ أن يصرِّح بمذهب السلف، ويفصح بما عليه الأئمة.

من أقربهم وأحسنهم: الطحاوي، صاحب هذه العقيدة، هو كان شافعيًّا، ثم تحول حنفيًّا، وتعصب للمذهب الحنفي، وألَّف هذه الرسالة "العقيدة الطحاوية" وتجدون أنه ذكر فيها بعض العبارات المنكرة، التي اشْتَهرت في زمانه عن المتكلمين، مثل قوله: "إن الله منَّزه عن الحدود والغايات والأبعاد والأعراض، لا تحويه الجهات الستُّ كسائر المبتدعات والمحدثات".

الشارح -رحمه الله- الذي شرحها (ابن أبي العز) كان من أهل السنة، ولعلنا نشير إليه فيما بعد، ولكن شرحها كثير من الأشاعرة، وسلكوا فيها مسلك المعتزلة، أو مسلك الأشاعرة، وحمَّلوها ما لا تطيق، وصرَفوا مدلولاتها، وهكذا الرسالة التي كتبت عن الإمام أبي حنيفة، أبو حنيفة مكتوب له رسالة يمكن أنه أملى بعضها، أو أنه أملاها عليه وأخذها بعض تلامذته، وتسمى "الفقه الأكبر" نقل منها شيخ الإسلام بعض النقول في "الحموية" وكذلك ابن أبي العز في "شرح الطحاوية" ولكن يظهر أنها دخلها التغيير من بعض المتأخرين، الذين انحرفوا في باب الاعتقاد؛ فأدخلوا فيها كثيرا من التأويلات وشرحها، كثير منهم على مذهب الأشاعرة، أو مذهب منكري الصفات، وأنكروا ما كان عليه السلف -رحمهم الله-ولا شك أن سبب ذلك كثرة ما تقلوه عن مشايخهم، الذين كانوا على هذا المذهب، الذي هو تأويل وتحريف الصفات وما أشبهها.

وهكذا بقيت هذه العصور وهذه القرون، السائد فيها والمنتشر هو هذا المذهب (مذهب الأشعري)، وتعرفون أن الأشعري هو أبو الحسن، من ذرية أبي موسى، عالم مشهور ظهر في القرن الثالث، كان في أول أمره معتزليًّا على طريقة أبي هاشم الدبائي، وأبي الهذيل العلاف، ونحوهم من المعتزلة، ثم نزل عن هذه العقيدة لما ظهرله تهافتها، وانتحل مذهب الكُلَّابية (أتباع عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب) وكان ابن كلاب هذا عالما جدليًّا، سمي بذلك لأنه إذا احتج إن حجته قوية، بمنزلة كُلَّاب الصانع (كلاب الصناع الحدادين التي تمسك الحديد) يقولون: "إنه في قوة جدله وفي قوة احتجاجه بمنزلة هذه الكُلَّاب". فسموه بذلك.

ومع ذلك فإنه قد تأول كثيرا من الصفات، ولم يثبت إلا بعضها؛ فانتحل أبو الحسن الأشعري عقيدته في الإقرار بسبع صفات وإنكار ما سواها، وألف كتبا كثيرة -أبو الحسن- على هذا المذهب وقضى عليها أكثر عمره، يمكن أنه بقي له أربعون سنة وهو يؤلف على هذا المذهب، حتى اشتهرت كتبه وتلقَّاها الجمُّ الكثير والجمع الغفير، وفي آخر حياة أبي الحسن مَنَّ الله عليه وقرأ بعض كتب السلف؛ فرجع عما كان يعتقده، ورجع إلى مذهب السلف، وألَّف رسالته المطبوعة التي تسمى "الإبانة في أصول الديانة" (رسالة مختصرة ألفها على مذهب السلف)، وألف أيضا كتابه الذي جعله في الفِرَق، ولما أتى على مذهب أهل السنة، في كتابه هذا الذي اسمه "مقالات الإسلاميين" ذكر مذهب أهل السنة صريحا، وذكر عقيدتهم التي يمكن أنه نقلها عن كتب الإمام أحمد، أو غيره، مما يدل على أنه انتحل عقيدة أهل السنة أخيرا.

فمقالته في "مقالات الإسلاميين" عن أهل السنة، تدل على أنه من أهل السنة، بدرجة أنه صرح بمذهب الإمام أحمد: "نقول بما قاله إمام أهل السنة، أحمد بن حنبل نضَّر الله وجهه". وجملة ما قال: "إننا نقول كذا وكذا". لعلكم قد قرأتم ما كتبه في المقالات، وقد نقله أيضا ابن القيم، وقال كلامه هذا في أول كتابه، أو في آخر كتابه "حادي الأرواح" وفي بعض كتبه، وبكل حال هذا المذهب الذي عليه إلى الآن الأشاعرة هو مذهب الكُلَّابية، ليس هو حقًّا مذهب الأشعري، الأشعري قد رجع عنه، إنما هو مذهب الكلابية، هذا بعض ما كان عليه هذا المعتقد في هذه الأزمنة.

الحنابلة طوال هذه الأزمنة قالوا بأنهم يتتلمذون على أشاعرة، ومنهم الإمام ابن قدامة، يمكن أن تلامذته ومشائخه وزملاءه في باب العقيدة -من شافعية ومن حنفية ومن مالكية- على المذهب الأشعري، ولكن لا بد أنها وصلت إليه كتب الإمام أحمد، وكذلك كتب السلف، فلم يوافق أهل زمانه، بل وافق شيخَه، ووافق مذهبَه الذي هو مذهبُ الإمام أحمد، فألَّف كتبًا كثيرة فيما يتعلق بالعقيدة، منها رسالة في إثبات صفةِ العلوِّ، صريحة في أنه يرى إثباتَ هذه الصفة لله تعالى، ولو أنكرها مَن أنكرها، ومنها رسالة في ذم التأويل، الذي ابتلي به زملاؤه وأساتذته من الأشاعرة ونحوهم، من الشافعية ونحوهم، ومنها هذه الرسالة التي نحن بصددها "لُمْعَة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد" سماها لُمْعة؛ لأنها ذات أدلة صحيحة صريحة مضيئة، تلمع لمعانا كلمعان السُّرج القوية، وكلمعان النجومِ في الليلة المظلمة، يعني أنها: ذات أدلة واضحة الدلالة، لا خفاء فيها في باب الاعتقاد. لُمْعَة الاعتقاد أي: أدلة الاعتقاد التي هي صحيحة ذاتُ لَمَعان وضياءٍ لا يحتمل الخفاء، ولا يجوز أن يَخفى، أو تَخفى دلالتُه إلا على عُمْي البصائر، وهذا هو قصده.

ولكن إذا قرأتها تجد أنه -رحمه الله- لم يجرؤ أن يُفْصِح بالأدلة وبدلالته، بل هو يذكر الأدلة ويرد بعض المعاني، حيث إن أهل زمانه لا يحتملون الإفصاح، وإلا هو قد أفصح في كتابه العلو (إثبات صفة العلو) ونحو ذلك، ولكن يخشى أن يشنع عليه، أن يشنع عليه أهل زمانه بأنه مشبه، وبأنه ممثل، وبأنه وبأنه...، فألفها واقتصر -كما سنقرؤها إن شاء الله- على ذِكر الأدلة، ولكنه مع ذلك ذكر أدلة صريحة، واضحة الدلالة، لا تحتمل تأويلا، وقد أبطل هو التأويل في رسالته الأخرى، وكذلك أيضا تتبَّع عقيدةَ أهلِ السنة في باب الصفات، وفي باب الإيمان، وفي باب القدر، وفي بعض الصحابة، وفي إثبات الرؤية، وغير ذلك مما هو من أصل العقيدة، مما يدل على أنه -رحمه الله- استوفى ما هو عقيدة لأهل السنة.

كانت هذه رسالة مع اختصارها واضحة المعاني، التعليق الذي، أو التعلقات التي كتبناها عليها، كنا أمليناها في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف على طلاب المعهد (معهد إمام الدعوة)، لما قمت بتدريسها في تلك السنة، وفي السنة التي قبلها، وكان الطلاب في ذلك الوقت طلاب المتوسطة، والغالب أنهم لا يتحملون الإطالة، ولا يتحملون الإيضاح بكثرة؛ فأمليتها عليهم كمرجع (مرجع لهم)؛ ليكون موضحا لدلالتها ونحو ذلك، ثم لم يقدر لي أني أراجعها طوال هذه السنين، وأخذها بعض الإخوة وطبعها، ووقع فيها بعض الأخطاء، وبعضها يحتاج إلى تنبيه، وقد صححنا بعض الرسائل (بعض النسخ)، النسخ التي فرقنا الآن عشر نسخ، الذين أخذوها من المكتبات، لعلهم يصححون النقص الذي فيها، والإلحاقات التي فيها على هذه النسخ.

أما يعني بقية العلماء فما أذكر أنها شرحت، إلا شرح الشيخ ابن عثيمين متأخرا، طوال هذه القرون ما ذكروا أن أحدا شرحها، في القرن السابع، والقرن الثامن وما بعده، ما ذكر أن أحدا اعتنى بها ولا شرحها؛ ولعل السبب أن علماء الحنابلة -رحمهم الله- كان جُلُّ عملهم، وجُلُّ انشغالهم بالمسائل الفقهية، لم يشتغلوا بالعقائد إلا القلة منهم إلى عهد شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما أن الله تعالى وهبه علما وقوة وجرأة وحفظا وذكاء وقوة تعبير ووهبه أيضا شهرة.

ونحو أحد عشر مجلدا، وهو أوضحها وأدلها، كذلك "نقض التأسيس" والذي طبع بعضه، ولعله أن يطبع بقيته، كذلك رسائله الكثيرة في "المجموع" نحو: أربعة مجلدات، كلها في الأسماء والصفات، من الثالث إلى السادس، وهكذا أيضا غيرها. لا شك أنه ما أفصح بذلك، إلا لأن الله تعالى وهبه علما وقدرة على البيان، لم يستطع أهل زمانه أن يقاوموه، فهو الذي جدد مذهب أهل السنة، ومع ذلك ألف رسالته التي هي "العقيدة الواسطية" ومع ذلك ما شرحت طوال هذه القرون حتى شرحت قبل عشرين سنة، أو قبل ثلاثين سنة، شرحها -لما اشتهر تدريسها- شرحها مشايخنا، أو زملاؤنا، هذا دليل على أن علماء الحنابلة لم يكن فيهم من تخصص في مذهب العقيدة، وبرع في علم الكلام، أو أنهم يخشون من تشنيع أهل زمانهم عليهم؛ لأن أكثرهم على المذهب الأشعري.

تجدون أن نتوقف الآن. لنتكفي بهذا، وفي درس يوم الأحد -إن شاء الله- نبدأ في درس هذه العقيدة، ونحب أن كل من له همة (همة رفيعة) يطالع هذه الرسالة (هذه العقيدة) ويحفظ المتن؛ ليكون ذلك سببا في بقاء معلوماته ورسوخها في ذهنه. فعند القراءة نبدأ بقراءة مقطع من المتن، ونتكلم عليه بحسب ما يتسع له الوقت، وبعد كل أذان نجاوب على ما تيسر من الأسئلة. الآن معنا هذه الأسئلة.

س: سائل يقول: ما معنى قوله تعالى "حتى يعلم الله الذين صدقوا"؟.

ج: هكذا كتبها، كأنه يريد آية "العنكبوت": ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ﴾ كأنه يستشكل أن الله ذكر أنه فعل هذا ليعلم هذا، ومثله أيضا في سورة "البقرة": ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ فإنه يوهم أن الله لا يعلمهم إلا بهذا الفعل، والجواب: أن المراد ظهور معلوم الله (بروزه) يعني: حتى نعلمه عند ظهوره، وإلا فالله عالم به قبل أن يحصل هذا الابتلاء ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ ﴾ يعني: حتى يظهر من علمنا أنه من المجاهدين والصابرين، ومن هو من غيرهم، هذا الابتلاء بهذه الأوامر وهذه النواهي وهذا الجهاد وما أشبه ذلك؛ ليظهر معلوم الله، ليظهر من علمه، وكذلك قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ المعنى: حتى يظهر من علم الله أنه مؤمن، ومن علم أنه ليس بمؤمن إنما هو منافق أو نحو ذلك، فالعلم هنا علم ظهور.

س: وسائل ثان يقول: ما الفرق بين تأويل الجهمية وتأويل المعتزلة؟.

ج: يظهر أن مذهب الجهمية أشبه بالمضمحل المتلاشي، ما بقي لهم من يتصدى لأنه يقال جهمي، بل تفرق وأغلبه عند المعتزلة؛ وذلك لأن الجهم عنده ثلاث بدع: بدعة التعطيل، أخذها المعتزلة فعطلوا الأسماء وعطلوا الصفات. الأسماء يقولون: "إنها أعلام" ويصرحون بنفي معناها، ويقولون: "إن الله سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة... إلى آخر ذلك".

البدعة الثانية: بدعة الإرجاء، أخذها طائفة من المرجئة الذين يغلبون جانب الرجاء. البدعة الثالثة: للجهم، بدعة الجبر، أخذها المجبرة والجبرية؛ فتفرق مذهب الجهمية في هذه البدع، والحاصل أن الجهمية تأولوا آيات الصفات، وأخذها عنهم المعتزلة؛ فتأولوها وبالغوا في تأويلها.

س: وسائل ثالث يقول: أفتونا في حكم تعلم المنطق؟ وما نصيحتكم لمن سلك طريق هذا العلم؟ وما ردكم فيمن يقول: إننا نتعلم المنطق حتى نرد على المبتدعة، حتى نفهم كلام شيخ الإسلام؟.

ج: نصيحتنا أنك في مندوحة عن هذا العلم؛ وذلك لصعوبته أولا، ولعدم الأمن ممن تعلمه، ولعدم الفائدة فيه، لكن من رزقه الله قوة ذكاء وقوة فهم، فلا مانع أن يتعلم مصطلحات المتكلمين حتى يفهم كلام شيخ الإسلام، أو يفهم كلام المنتقدين؛ حتى يرد عليهم، وأما إذا أراد النجاة، فالأولى له ألا يقرأ في كتبهم، وألا يتعلمه، كثير من الذين تعلموه يمدحونه ويسمونه "علم الميزان" يقولون: إن به يقدر صاحبه أن يشرح تلك الاصطلاحات، ويفهم تلك العبارات والتعبيرات، وما أشبهها، ولكن لما كان شغل بتلك الاصطلاحات لا أهمية له؛ رأينا أن الأولى عدم الانشغال به.

س: وسائل آخر يقول: هل يحكم على مَن مات كافرا أنه من أهل النار؟ ويلحقون الشخص الكافر بعينه بعد أن يموت ؟.

ج: يظهر أن الحكم يختلف باختلاف الأشخاص، إذا عرف مثلا: أن هذا يهودي مثلا، أو نصراني، أو مشرك شركا صريحا، وقامت عليه الحجة وبلغته الدعوة، ولكنه استمر وأصر؛ فلا مانع أن نقول: إنه من أهل النار. كما نقول: إن أبا جهل وأبا لهب ونحوهما من أهل النار، وأما إذا لم تبلغه الدعوة، أو كان عنده شبهات، أو ما أشبه ذلك، قد يتوقف العلماء ويقولون الله أعلم بحالته.

س: هذا يقول: هل يقال عن الأشاعرة أنهم من أهل السنة والجماعة في أبواب الإيمان الأخرى ؟.

ج: الأشاعرة تعرفون أن منهم علماء مشهورين، انتحلوا هذا المذهب في باب العقيدة، وخالفوا في أمور كثيرة: كالإمام النووي -رحمه الله- فإنه يوافق أهل السنة بالإيمان (بأسماء الإيمان والدين) وموافق لهم في العدل (القضاء والقدر وما أشبهه)، إنما فقط في باب الصفات يتأولها، وذلك ما تلقاه عن كثير من مشايخه، فنقول: "إن الأشاعرة الذين هم على مذهب أهل السنة في الإيمان، وفي أسماء الإيمان والدين، وفي القضاء والقدر، وفي الصحابة، وفي الإيمان بالبعث والنشور واليوم الآخر، وما أشبه ذلك، وفي بعض الصفات حيث يقرون ببعضها، وفي الأسماء حيث يقرون بها -إنهم أقرب إلى أهل السنة، وإن كان المعاند منهم يعتبر مبتدعا، وإن كانوا معذورين بما تلقوه عن مشايخهم".

س: وسائل يقول: هناك مادة تسمى "علم الفلسفة" وكذلك "علم الاجتماع" فهل تدخل في علم الكلام وعلم النفس؟.

ج: علم الكلام الذي نهى عنه السلف، غالبا أنه يتكلم في الجزئيات التي يوردونها على البعث، وعلى الأسماء والصفات، وعلى الذات وما أشبهها، فهذا الذي أوقعهم في حيرة. فأما علم النفس فيظهر أنه علم، وكذلك علم الاجتماع أنه من العلوم الخاصة، التي هي فنون ذات مواد خاصة، فلا تلحق بهذا. أما علم الفلسفة، فالغالب أنه -ولو مدحه من مدحه، ولو أثنوا عليه- أنه لا يخلو من علم الكلام، من اصطلاحات المتكلمين، وبيان بعض العبارات التي يعبرون بها؛ ويكون سببا في كثير من الانحرافات.

س: وهذا يقول: ما أحسن الشروح للمبتدئ؟ "الطحاوية" "الواسطية" "لمعة الاعتقاد"؟.

ج: "الطحاوية" عليها تعاليق كثيرة للألباني ولغيره، ويعني مختصرة وفيها فائدة، و"الواسطية" عليها أيضا تعليق لشيخنا (الشيخ ابن باز) لا بأس به، وهناك أيضا شرح لبعض علماء مصر مثل: الهراس وغيره لا بأس به. "لمعة الاعتقاد" ذكرت أن ما أحد شرحها غير (قبل) ابن عثيمين، ولا بأس به أيضا.

س: يقول: ما هو رأيك فيمن يقول: "إن الإنسان حيوان ناطق"؟ كذلك "كل كائن حي فهو حيوان: كالنبات وغيره…" واستدل بقوله: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ؟.

ج: الجواب أن هذا من الاصطلاحات، يعني: اصطلح العلماء، أو أهل الزمان، على أن على تقسيم المتحرك إلى قسمين: إنسان وحيوان. فجعلوا الإنسان اسما لهذا الجنس من المخلوقات، فسموه إنسانا، وجعلوا البهائم والطيور والدواب ونحوها حيوانا (اسم للحيوان) ولما كان اشتقاقه من الحياة؛ قالوا: "لا يدخل فيه اسم حيوان؛ لأنه حي مشتق من الحياة، وهو حي متحرك، فتعالوا نسميه حيوانا لكونه حيا، ونسميه ناطقا لنميزه". بهذا لا يستنكر على من قال ذلك، ولكن يفضل التفريق بين الدواب والبهائم وبين الإنسان، هذا هو الأفضل، والنبات لا شك أيضا أنه حي؛ لأنه ينمو شجرة حية شجرة ميتة، فلا مانع بأن يسمى النبات حيًّا، وأما ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾ فلا دلالة فيها؛ لأنها فيما يعني: إن الدار الآخرة هي دار الحياة التي ليس بعدها موت.

س: هذا سائل يقول أيضا: ما هي الأشعرية؟ وما رأيك فيها بصفة عامة؟.

ج: لقد تكلمنا على هذا الكلام وقلنا: "إن الأشاعرة هم الذين انتحلوا مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري، وأنهم أخذوا مذهب الكلابية الذي هو إقرار بسبع صفات، والغالب أنهم ينكرون حقائقها" ولعلنا نأتي على ذلك في شرح العقيدة إن شاء الله.

س: ويقول: يوجد في كتاب "علم النفس" المرحلة الثانوية حديثا فما صحته: "أعلمكم بنفسه أعلمكم به أو بربه"؟.

ج: هذا الحديث ليس بصحيح، ولا أصل له، فلا يلتفت إلى هؤلاء، يعني هم يكتبون ما سمعوه دون أن يكون لهم علم بمادة الحديث.

س: وهذا يقول: ما أحسن كتاب تكلم على هذه الفرق، ورد عليها بالأدلة بأسلوب بسيط ؟.

ج: يظهر أن كتاب أبي الحسن الذي هو المقالات (مقالات الإسلاميين) -ولو كان فيه شيء من التوسع- أنه من أحسنها، وهناك أيضا كتاب "الفرق بين الفِرَق" له أيضا أهميته.

س: وهذا كتب أبياتا في علم المنطق وكأنه يمدحه:

وقـال فـي الإشارة الصحيحة *** جــوازه لكـامل القريحـة

ممــارس السـنة والكتـاب *** ليهتـدي بـه إلـى الصواب

ج: في مدح علم المنطق هذا قاله صاحب "السلم" وبكل حال هذا جعله خاصا لكامل القريحة، يعني قلنا: "إن هذا إذا كان الإنسان عنده ذكاء وقوة، بحيث أنه لا يتأثر بهذه الاصطلاحات -كما حصل لشيخ الإسلام- فإنه جائز، ولكن مثلما قال ابن القيم:

فانظر ترى لكن نرى لك تركها *** حـذر عليـك مصـائد الشـيطان

س: وهذا يقول: ذكرت كثيرا من البدع ولم تذكر الرافضة؛ فأرجو إعطائنا فكرة عن هذه البدعة؟.

ج: الرافضة بدعتهم مشهورة، ولا تحتمل التوسع والإطالة؛ لكونهم مذاهبهم مشهورة، وكذلك أفرادهم معرفون ومعلومون، والله حسيبهم، وبكل حال كتبهم موجودة والردود عليهم، ولعلها يمر علينا بعض من كلامهم في هذه العقيدة.

س: ما رأيك في إتيان النساء لحضور الدروس في هذه الأيام وفي غيرها؟ وهل المكث في البيت وسماع الأشرطة أستر وأفضل؟.

ج: كثير من الإخوة قد يكون لهم أخوات أو زوجات لهن الرغبة، لا مانع -إن شاء الله- إذا أتوا بهن وهن متحجبات ومتحفظات في مكان مختص بالنساء، ولا مانع أيضا... أو قد يفضل إذا اقتصرت على سماع الأشرطة في بيتها، وكان في ذلك ما يكفي.

س: وهذا يقول: ما معنى قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ ؟ .

ج: المقصود أن الجنة تفنى.

س: وكيف ترد على من قال: "إن أهل النار من الكافرين يخرجون" واستدل بحكايات، بقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾ أي حقبا بعد حقب؟.

ج: أما أهل الجنة فلا شك أنهم يبقون، وأنها دائمة ليس لها نهاية، وأما أهل النار فالمذهب الصحيح الذي تؤيده الأدلة، أنهم ماكثين فيها أبدا كما قال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ﴾ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ هذا القول الصحيح، وأما قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾ فلم يقدر عدد الحقب، وما قال الله: لابثين فيها مائة حقبة، ولا عشرة أحقاب، ولا ألف حقبة، ولا مائة ألف حقبة؛ ولذلك يقول بعض العلماء: "كلما انتهى حقب بدأ حقب إلى ما لا نهاية له". فهي أحقاب لا عدد لها، والحاصل أن المذهب الصحيح أنها دائما سرمدا كما أخبر الله تعالى.

س: يقول هذا السائل: إن بعض الإخوة -هداهم الله- يأتون متأخرين ويضايقوننا في الصف الأول، مع عدم وجود فرجة مما يذهب خشوعنا؟.

ج: كأنه يريد نصيحتهم، وهذا هو الحق: أن الذي يأتي متأخرا يصف من حيث وجد، ولا يضايق من قبله إلا إذا وجد فرجة، فإن وجد فرجة فله أن يسدها ولو تخطى الرقاب؛ لأنهم أسقطوا حقهم بترك هذه الفرجة في الصفوف الأولى.

وهذا يحث على تشجيع الأخوة الذين جاءوا لطلب العلم من دول الخليج وغيرها.

ج: لا شك أنهم على خير -إن شاء الله- الذي تجشموا المشقة وصبروا على العنت، وعلى الصعوبات، وفارقوا أهلهم وبلادهم، وأنفقوا الأموال التي أنفقوها رغبة في التزود، ومحبة للعلم، فيرجى لهم أن يكونوا ممن يحصل لهم ثواب العالم، أو المتعلم. ورد الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة » بشارة كبيرة، هذا الطريق الذي سلكته -سواء قصيرا أو طويلا- لك فيه أجر: خطواتك، والمسافات التي قطعتها، والزمن الذي قطعته، لك -إن شاء الله الأجر- على قدر نصبك، وقدر تعبك، وقدر تحصيلك، ثم هو أيضا وسيلة إلى التزود. الغالب أن من جاء راغبا محبا؛ فإنه يكون متفجر القلب، ويكون محبا للتزود فيثيبه الله تعالى.

س: وهذا يقول: تقديم السؤال بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل هذا موضع سلام؟ هل يشرع هذا وإن كان الصحابة وهم جالسون في مجلس رسول يصدرون أسئلتهم بالسلام عليه السلام؟ .

ج: نعم السلام مشروع عند كل لقيا وكل مقابلة، كما شرع للخطيب إذا تقدم أمام الجماعة في الجمعة والعيد ونحوها، أن يبدأ مخاطبتهم بالسلام؛ وذلك لتحصل التحية التي قال الله فيها قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ﴾ فإذا تقابل المسلمان فإنهما يحرص -كل منهما- على البداءة بالسلام؛ لقوله «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام » والله أعلم وصلى الله على محمد.

السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سنبدأ في الشرح لهذه المقدمة، ثم نقرأ ما بعدها. الإمام المؤلِّف، قد ذكرنا بالأمس سبب تأليفه لهذا، وهو أنه فقيه واشتغل وقتَه بالفقه، كما يظهر ذلك في مؤلفاته، ولكن لم يحسب أن يكتب في العقيدة؛ فألَّف فيها مؤلفات ولكنها نبذٌة صغيرة، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي -رحمه الله-، صاحب المؤلفات في الفقه: "كالمغني" و"الكافي" و"المقنع" و"العمدة" و"الروضة" وغيرها من المؤلفات.

يقول في هذه المقدمة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأنٌ عن شأن". نقف عند هذه المقدمة قليلا.

فأولا: ابتدأ كغيره بالبسملة؛ اقتداءً بكتاب العزيز، حيث بُدِء بالبسملة، وبدء بالحمدلة؛ وعملا بالحديث المشهور: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله -وفي رواية بالحمد لله- فهو أبتر، أو أقطع، أو أجزم» والمعنى: أنه ناقص البركة. ذكر المؤلفون هذا الحديث، يذكرونه في مقدمات شروحهم، كما ذكره البهوتي في مقدمة شرحه على "زاد المستقنع" وشرحه على "الإقناع" وشرحه "المنتهى" وغيره، ثم بعد ذلك ابتدأ بالحمدلة (الحمد لله).

الحمد: هو غاية الثناء، الثناء على الإنسان يسمى حمدا، الثناء عليه بخصاله الحميدة، الثناء عليه بعقله وبديانته وبأمانته وبكرمه وجوده وبحلمه وصفحه وبصدقه وأمانته... يعني: بالخصال التي يحمد عليها، التي يبالغ في الثناء عليه لأجلها، هذا الثناء يسمى حمدا.

فإذا أثني عليه بأشياء لا صنع له فيها: أثني عليه بأنه جميل أو طويل أو قصير، أثني عليه بأشياء خلقية من خلقته: كجمال صورته وطول قامته، ومثلا بفصاحته (فصاحة لسانه) وذكائه ونحو ذلك، هذا الثناء يسمى مدحا. فالفرق بين المدح والحمد: أن الحمد الثناء بالصفات التي يتخلق بها: كالصدق والأمانة والعلم والحِلم... وما أشبهها، وأمَّا المدح: فهو الثناء عليه بالصفات التي جُبِل عليها (لا صُنْع له فيها): كالجمال والخلقة والطول والقصر... وما أشبه ذلك.

الله تعالى يثنَى عليه بكل الصفات: فيثنى عليه بصفات الكمال، ويثنى عليه بصفات الجمال، ويثنى عليه بصفات الأفعال، يستحق أن يثنى عليه بكل الصفات؛ فهو أهلٌ للحمد وهو المستحق له، ولأجل ذلك حمد نفسه في كثير من السور: كالفاتحة وسورة الأنعام وسورة الكهف وسورة سبأ وسورة فاطر ابتدئت بالحمد، ابتدأها الله ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ إلى آخرها، وكذلك أخبر بأنه المستحق للحمد، وبأنه يثنى عليه بالحمد، كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ وقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ وغير ذلك.

فكثرة ذكر الحمد دليل على أنه ذكر يذكر به الله، ويمدح به، ويثنى عليه به، وأنه يحبه، يحب مَن يحمده، ويحب من يثني عليه، ويثيبهم على ذلك، وأنه أهلٌ للحمد وأهلٌ للثناء.

أما تعريف الحمد في الاصطلاح، فأذكر له تعريفين:

أحدهما قولهم: "إن الحمد فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم؛ بسبب كونه منعِما على الحامد وغيره". "فعل ينبئ عن تعظيم المنعم؛ بسبب كونه منعما على الحامد وغيره". وهذا كأنه يختص بحمد المنعم، يعني: إنه لا يحمد إلا بسبب كونه منعما، وأن الحمد تعظيم، فعل ينبئ عن تعظيمه (أن الحمد تعظيم له)، ولا شك أنه مستحق للتعظيم، ولا شك أن الحمد تعظيم، ولكن الصحيح أن الله تعالى يُحْمَد على كل حال: يحمد على الخير ويحمد على الضَّرر؛ وذلك لأنه إنما يسلِّط الضرر على الشر أو البلاء، لحكم هو أعلم بها، فلأجل ذلك يحمد على الخير ويحمد على الشر، ولا يحمد على الشر سواه، وما ذاك إلا أنه ما يبتلي بالشر: كالمصائب والآفات والفقر والأذى والأمراض ونحوها، إلا لحكم ولمصالح؛ فلأجل ذلك نحمده.

إذا أصابك ضرر وألم فإنك تحمده على ذلك، وإن أصابك فقر أو أذى فإنك تحمده على ذلك، وإن أصابك سجن أو جلد أو حبس أو أذى مِن خلق سلطهم الله عليك، فإنك تحمد الله على ذلك، وإن كان ذلك لا يستدعي الفرح بذلك، ولا الرضا به.

وبكل حال فهذا يبين أن في هذا التعريف شيئا من الخلل، وهو قولهم: "إنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم؛ بسبب كونه منعما على الحامد وغيره". الله تعالى يعظم بسبب كونه منعما، وبسبب كونه مبتليا.

أما التعريف الثاني: في الحمد، الذي يقولون فيه: "إن الحمد ذكر محاسن المحمود، مع حبه وتعظيمه وإجلاله". ولعلَّ هذا التعريف أسلم، ولكن الحمد لا يستلزم أن تذكر المحاسن كلها، ولكن إنما يحمد حمدا مطلقا، فتقول: الحمد لله. ولو لم تذكر محاسنه التي حمدته عليها، فقولهم: "ذِكْر محاسن المحمود" كأنهم يقولون: إن ذلك على وجه الإجمال، نحمده أي: نذكر محاسنه سواء بالقلب أو باللسان.

مثلا في أول سورة الفاتحة: ابتدأها الله بقوله: "رب العالمين" هذا من محاسنه، "الرحمن الرحيم" هذا من محاسنه، "مالك يوم الدين" هذا من محاسنه، وكذلك في أول سورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ هذا من محاسنه، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ هذا من محاسنه، وفي أول سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾ هذا من محاسنه، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ﴾ هذا من محاسنه، وأشباه ذلك.

فالحمد: هو ذكر محاسن المحمود، وذكر فضائله، وذكر صفاته الحميدة، مع حبِّه وتعظيمه وإجلاله، أي إن الحمد يستدعي من الحامد هذه الثلاثة: الحب والتعظيم والإجلال.

فهذان تعريفان اصطلاحيان للحمد، ولا شك أنه سبحانه أهل الحمد كما شرع ذلك في الصلاة. المصلي إذا رفع من الركوع، يقول الإمام: "سمع الله لمن حمده". المأمومون والإمام كلهم يحمدون الله ويقولون: «ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد » وفي بعض الروايات: «الحمد لله حمدا كثيرا كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله » كل ذلك من صفة الحمد.

لا شك أن حمد الله تعالى عبادة، إذا حمد الله العبد كان قد عبده بهذه الكلمة (الحمد لله)، ما دام أنه اجتمع كونه معظما له ومحبا ومجلا بهذه الكلمة، فقد أدى عبادة -وأي عبادة- وإن كان للحمد، إذا تجددت نعمة فإنك تحمده عليها. ونعم الله تتجدد بالغدو والآصال.

تذكرون قوله -صلىالله عليه وسلم-: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها » وأينا يستغني عن الأكلة والشربة في اليوم عدة مرات ؟! إذن فإذا تجددت هذه النعمة فإنك تحمده عليها، كذلك أيضا على السلامة من البلاء، بعد الأكل تقول: "الحمد لله الذي أذاقني لذته (يعني: بعد الفراغ من التخلي) الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى في منفعته وأذهب عني أذاه ". أو بعد الخروج من الخلاء يقول: " الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني". فلا يستغني أن يحمد الله في كل الحالات، إذًا فالله تعالى محمود دائما: إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال.

هنا يقول: "الحمد لله المحمود بكل لسان". قد تقول: كيف يكون ذلك مع أن كثيرا من الألسن لا يعرفون الله، أو لا يعترفون بفضله فضلا عن أن يحمدوه؟ والجواب أن الألسن ناطقة بحمده: إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال. فألسنة الكفرة ولو كانت لا تذكر الله، ولو كانوا ينسبون النعم إلى غير الله، ولو كانوا يكفرون بنعمه، ولو كانوا يصرفون العبادة لغيره، ولكن لسان حال أحدهم معترف بأنه محتاج إلى رب، وأنه لا يستغني عنه طرفة عين، لسان حال أحدهم معترف بأنه مخلوق مفتقر إلى خالق، وذلك الخالق له الفضل عليه، فلا بد أن يكون صاحب الفضل أهلا أن يثنى عليه، وأهلا أن يحمد، إذن فهو حامد بلسان حاله شاء أم أبي، فالحق أن الله تعالى محمود بكل لسان: لسان حال، أو لسان مقال.

وقد ذكر الله تعالى أن جميع المخلوقات ذليلة له، كما في قول تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ ﴾ ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ إلى آخر الآيات.

السجود والتسبيح لا شك أنه عبادة، وأنه دلالة على أنها مطيعة ولو كفر؛ ولهذا قال في آية الرعد: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ ﴾ يعني: من لم يسجد فإنه يسجد ظله. إذن فهم معترفون شاءوا أو أبوا بأنهم خاضعون وذليلون لله تعالى.

"الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان". لا شك أنه سبحانه مستحقٌّ أن يعبد في كل زمان، وما ذاك إلا أنه رب العباد في كل الأزمنة، والرب هو المعبود؛ ولأجل ذلك أمر عباده بأن يعبدوه لكونه ربًّا، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ ما دام لكونه ربا، وما دام أن الخلق كلهم مربوبون؛ فإن عليهم أن يعبدوا ربهم، فالرب تعالى معبود في كل زمان، وإن كان هناك من لا يعبد الله عبادة حقيقة: كالكفار والمنافقين ونحوهم، ولكنهم في الأصل عبيد لله، لا يستغنون عن التعبد له، وأيضا فمعلوم أن كل زمان من الأزمنة، لا تخلو فيها الأرض عن أن يوجد فيها عباد عابدون، ولو خليت بلاد لم تخل بلاد أخرى، ولو يوم لم يخل اليوم الثاني، فلا بد في زمان، وفي ساعة، وفي شهر، ونحوه من وجود من يعبد الله، فالله تعالى معبود في كل زمان، أما قوله: "الذي لا يخلو من علمه مكان ولا يشغله شأن عن شان" هذا مبدأ الدخول في الصفات، أول ما بدأ في صفات الله تعالى بهذه الجملة: "لا يخلو من علمه مكان".

معلوم لكل مؤمن أن ربَّنا -سبحانه وتعالى- مطَّلع علينا، وعالِم بأحوالنا، ويعلم أسرارَنا وعلانيتنا؛ فلأجل ذلك يذكرنا دائما هذا الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ يعلم الله خطرات النَّفْس، ووسواس الصدر، وهواجس القلب، يعلمها بل يعلم أخفى من ذلك.

فسر بعض علماء المفسرين قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ أن السِّر:َّ ما أضمره العبد في قلبه ولم يحرك به شفتيه، فضلا عن أن يتكلم به عند أحد. وأخفى من السرِّ: هو ما سوف يخطر له فيما بعد قبل أن يحدث به نفسه، ولكن يعلم الله أنه سيفعله فيما يستقبل، أو سيخطر بباله. إذن فالله لا يخلو من علمه مكان أية مكان: صغير أم كبير، يعلم ما يكون فيه، يعلم من يكون في هذا المسجد وعددهم ونياتهم وأسرارهم وعلانيتهم، ولا يشغله هذا عن المسجد الثاني، عن البلاد الثانية، وعن المكان الثاني، وعن أهل السماوات، وعن أهل الأرض، فإنه كل يوم هو في شأن، لا يشغله شأن عن شأن، يعلم كل مكان وما يحدث فيه.

قلت: إن هذا هو أول بدئه في الصفات، حيث ذكر علم الله تعالى وأنه واسعٌ، وأنه محيط بالأشياء وعالِم بها، ويفسر ابنُ قدامة -رحمه الله- بهذه الكلمة الآيات التي فيها المعية، يشير إلى أنها محمولة على العلم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ أن ذلك معية العلم والاطلاع والقرب والهيمنة والقدرة والنظر والرؤية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ يراكم ويطلع عليكم، يعلم أسراركم ويعلم أعمالكم. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ النجوى: الكلام الخفي بين ثلاثة. يعلمهم فكأنه رابعهم. ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ﴾ يعلم ما يسرونه وما يتناجون به.

ولعل ابن قدامة -رحمه الله- يرد بهذه الجملة على المعتزلة، وعلى الحلولية، وعلى الفلاسفة، وعلى الكثير من الصوفية، وعلى الجهمية، هؤلاء عقيدتهم -والعياذ بالله- إنكار صفة العلو، وادعاء أن الله بذاته في كل مكان؛ فلذلك قال: "لا يخلو من علمه مكان" ردًّا على الذي يقول: "إنه بذاته في كل مكان". وهذا قول الحلولية الذين يدعون أنه حالٌّ بذاته في المخلوقات كلها، وهذا عين الكفر وعين الجحود، فإن الرب تعالى بائنٌ من خَلْقِه مع كونه مستويا على عرشه.

وقوله: "ولا يشغله شأن عن شأن". يقول بعض الخطباء: "إنه في الثناء على الله تعالى، لا تشتبه عليه اللغات، ولا تغلطه كثرة المسائل مع اختلاف اللغات وتفنن المسئولات". وهذا معنى لا يشغله شأن عن شأن: لا يشتغل بسماع هذا عن هذا، بل يدعوه مئات الألوف وألوف الألوف في لحظة واحدة، ويسمع دعاءهم ويعرف حاجاتهم ويعرف مطالبهم، ويجيب مَن يجيبه منهم ويعطيه سؤله، ولا شكَّ أن هذا يستلزمُ أنهم يعظمونه إذا عرفوا أنه مستحق لهذا التعظيم، وأنه بهذه الصفة -بحيث لا يشغله شأن عن شأن- فإن ذلك يحملهم على أن يطيعوه ويعظموه ويجلُّوه، ويعتقدوا أنه ربهم ومالكهم، وأنه هو المعبود.

هذه جملة من الجمل انتهت بقوله: "ولا يشغله شأن عن شأن". نود قراءة الجملة التي بعدها.