موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح العقيدة الواسطية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
 شرح العقيدة الواسطية
 مقدمة
 عقيدة الفرقة الناجية
 أصول الإيمان
 الإيمان بما وصف به الله تعالى نفسه في كتابه
 ما يجب في صفاته تعالى
 الجمع بين علوه وقربه وأزليته وأبديته
 إثبات السمع والبصر لله سبحانه وتعالى
 إثبات المشيئة والإرادة لله سبحانه وتعالى
 إثبات محبة الله ومودته لأوليائه على ما يليق بجلاله
 إثبات اتصاف الله سبحانه بالرحمة والمغفرة
 ذكر رضى الله وغضبه وسخطه وكراهيته وأنه متصف بذلك
 ذكر مجيء الله لفصل القضاء بين عباده على ما يليق بجلاله
 إثبات الوجه واليدين والعينين لله تعالى
 إثبات السمع والبصر لله تعالى
 إثبات المكر والكيد لله تعالى على ما يليق به
 وصف الله بالعفو والمغفرة والرحمة والعزة والقدرة
 إثبات الاسم لله ونفي المثل عنه
 نفي الشريك عن الله تعالى
 إثبات استواء الله على عرشه
 إثبات علو الله على مخلوقاته
 إثبات معية الله لخلقه
 إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى
 إثبات تنزيل القرآن من الله تعالى
 إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
 فصل في الاستدلال على إثبات أسماء الله وصفاته من السنة
 ثبوت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا على ما يليق بجلاله
 إثبات أن الله يفرح ويضحك ويعجب
 إثبات الرجل والقدم لله سبحانه
 إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
 موقف أهل السنة والجماعة التي فيها إثبات الصفات الربانية
 مكانة أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة
 فصل في وجوب الإيمان باستواء الله وعلوه ومعيته على خلقه وأنه لا تنافي بينهما
 فصل في وجوب الإيمان بقرب الله من خلقه وأنه لا ينافي علوه وفوقيته
 فصل في وجوب الإيمان برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ومواضع الرؤية
 فصل في ما يدخل في الإيمان باليوم الآخر
 شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم
 إخراج الله بعض العصاة من النار برحمته وبغير شفاعة
 حقيقة الإيمان وحكم مرتكب الكبيرة
 فصل في الواجب نحو الصحابة وذكر فضائلهم
 منهج أهل السنة النهي عن الخوض فيما وقع من الخلاف والنزاع والحروب بين الصحابة
 فصل في موقف أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء
 فصل في صفات أهل السنة والجماعة
 فصل في بيان مكملات العقيدة من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي يتحلى بها أهل السنة
شرح العقيدة الواسطية - مقدمة

العقيدة الواسطية

مقدمة

فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل هذه الاجتماعات في سبيله وسببًا لمرضاته، وأن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه سميع الدعاء.

أيُّها الأحباب، إنها لنعمة أن يتهيَّأ لنا جميعًا هذه اللقاءات على ذِكْر الله وتَعَلُّم العِلْم الموروث عن محمد -عليه الصلاة والسلام- فإنه العلم الذي تزكو به النفوس، وتستقيم به الأخلاق، وتُشْرِق به البصائر فهو زكاةٌ وحياةٌ ونورٌ وهدًى، وهذا فضْلٌ عظيم يَمُنُّ به -تعالى- على مَن يشاء ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(1) .

أيُّها الأخوة، إنَّ اجتماعكم أو اجتماعاتكم في هذه الأيام وتفرغكم إن ذلك لمِن نعمةِ الله عليكم.

فأوصيكم أن تستغلوا هذه الفترة التي فرَّغتم أنفسكم فيها للتزود من العلم من علم الكتاب والسنة، فاستغلوا وقتكم دائمًا، وإن كان هذا مطلوبًا منَّا جميعًا في كل وقت، لكن الوقت الذي يخصصه الإنسان لعمل ما ينبغي أن يستثمره لهذه المهمة التي قَصَد إليها، وفرَّغ لها وقته، وتخفَّف فيها عن شَوَاغله العامة، فأهل العلم والإيمان هم القلة القليلة في كل وقت، هم خيرة الله مِن خَلْقِه، فكل المؤمنين مُصْطَفَوْنَ مختارون اختارهم الله من سائر البشرية، من سائر الثقلين هم الخِيرة ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ(2) يعني: ويختار ما يشاء، فهو -تعالى- هو خالق كل شيء، وهو يختار مِن خَلْقِه ما يشاء فهو الذي خَلَقَ البشرية، وهو الذي يختار منها ما يشاء، وهذا الاصطفاء هو مراتب كثيرة جدًّا وعباد الله يتفاضلون في هذا الاصطفاء تفاضلًا عظيمًا، وهو -سبحانه وتعالى- أعلم حيث يجعلُ رسالاته، وهو أعلم حيث يجعل فضله ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا(3) .

فجدير بالعاقل أن يشكر ما مَنَّ الله به عليه مِن نعمة الإسلام ونعمة محبة الخير، فإن محبَّة الخير محبَّة العلم والعمل الصالح، هذا من فضله -سبحانه- الذي يتفضل به على مَن يشاء، ويمنُّ به على مَن يشاء، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(4) فاشكروا الله أيها الأحباب أوصيكم ونفسي بشكره -سبحانه وتعالى- على ما أولانا، وتفضَّل به، علينا فكما هدانا للإسلام، نسأله -تعالى- أن يُتِمَّ علينا هذه النعمة، أن يُتِمَّ علينا نعمة الإسلام بنعمة الاستقامة على هداه وصراطه المستقيم، وأن يستعملنا في الإسلام بطاعته حتى نكون محققين لإسلامنا قائمين بحق الله علينا.

ومن الدعاء الذي أثنى الله به على مَن وفَّقه وذكره عن بعض أنبيائه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ(5) فجزى الله القائمين على هذه الدورة وهذه البرامج المباركة، وجزى الله المشاركين فيها، جزى الله الجميع خيرًا، وإنَّ مِن أهم ما نتواصى به في هذه المناسبة أن نجتهد في إخلاص العمل، فإنَّ إخلاص العمل هو أساس صلاحه ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ(6) فالعمل الصالح منه طلب العلم يقوم على أصلين: الإخلاص فيه لله، والمتابعة فيه للرسول -عليه الصلاة والسلام- .

فالعمل الصالح هو ما تحقق فيه هذان الأمران، فالأول هو مقتضى شهادة: أن لا إله إلا الله، والثاني هو مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله.

فإخلاص العمل هو أساس صلاحه، وبه يصير العمل عبادة لله، وتعلُّم العلم هو مِن العمل الصالح ومن العبادة لله -سبحانه وتعالى- وتعلُّم العلم هو الذي تنبني عليه سائر الأعمال؛ فإنَّ الأعمال الشرعية لا تستقيم ولا تصح ولا تصلح إلا بالعلم، لا بد أن تكون مبنية على العلم، فالعلم ضروري لتصحيح الاعتقادات وتصحيح الأعمال، وهذه هي النعمة العظيمة التي فضَّل بها -سبحانه وتعالى- من شاء مِن عباده، وهي نعمة العلم والعمل العلم النافع والعمل الصالح .

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ(7) فالمنعَم عليهم هم الذين عرفوا الحق، عرفوه وتعلموه وتبصروا فيه، والحق إنما يُعرَف بتدبر كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-. هم الذين عرفوا الحق واتبعوه، واتباع الحق هو العمل امتثالًا للمأمورات، واجتنابًا للمنهيات وإيقانًا بالعلوم الصحيحة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ  (4)أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(8) وهذه هي النهاية وهذه هي العاقبة.

الهدى والفلاح، فالمؤمنون المتقون المستقيمون هم أهل الهدى والفلاح. فأهل الهدى والفلاح هم الذين جمعوا بين العلم والعمل بين العلم الصحيح إيمانًا بالله ورسوله وكتبه ورسله واليوم الآخر وعملوا الصالحات وأعظم الأعمال الصالحات هي الصلوات الخمس.

أعظم الأعمال الصالحة بعد الشهادتين هي الصلوات الخمس، ولهذا يقدمها -سبحانه وتعالى- في الذكر عند ذكر الأعمال الصالحة، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ  (1)هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(9) إلى أن قال في ختام صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ  (9)أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ  (10)الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(10) .

أيها الأخوة في الله لعلَّ هذه المقدمة فيها ذكرى، نسأله -تعالى- أن يجعلنا وإياكم ممَّن ينتفع بالذكرى، وأن ينفعنا بكتابه وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- ومعلوم حسب ترتيب البرامج أن لنا في هذا الوقت على قِصَرِه درسين، وإن كان ذهب هذه الليلة قسطٌ من أن لا يتسع للجمع بينهما، فهذان الدرسان أحدهما في أحاديث الأحكام، والثاني في العقيدة، وهذان الدرسان مرتبطان بما سبقت الإشارة إليه من أن دين الإسلام والعلم الذي جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام- يشمل أمورًا اعتقادية وأمورًا عملية.

فدرس العقيدة هذا يتصل بمسائل الاعتقاد، ودرس أحاديث الأحْكَام في (عمدة الأحْكَام) يتصل بمسائل الاعتقاد، ودرس أحاديث الأحكام في عمدة الأحكام يتصل بالنواحي العملية، ولعلنا نبدأ.


(1) سورة آل عمران: 164
(2) سورة القصص: 68
(3) سورة النساء: 69
(4) سورة الحجرات: 7 - 8
(5) سورة الأحقاف: 15
(6) سورة البينة: 5
(7) سورة الفاتحة: 7
(8) سورة البقرة: 2 - 5
(9) سورة المؤمنون: 1 - 2
(10) سورة المؤمنون: 9 - 11