موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - عقيدة أهل السنة والجماعة - شرح العقيدة الطحاوية
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح العقيدة الطحاوية لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
  
 
 شرح العقيدة الطحاوية
 عقيدة أهل السنة والجماعة
 التوحيد أول دعوة الرسل
 أنواع التوحيد ومعانيه
 معنى قوله تعالى" ليس كمثله شيء"
 كمال قدرة الله وانتفاء العجز عنه
 كلمة التوحيد لا إله إلا الله
 صفتا القدم والبقاء
 الإقرار بدوام بقائه سبحانه وتعالى
 كل ما يحدث في الكون فهو بإرادته سبحانه
 معرفة البشر ربهم بأسمائه وصفاته وعجزهم عن الإحاطة بكنهه وحقيقته
 تنزيه الله عن مشابهة مخلوقاته
 حي لا يموت قيوم لا ينام
 صفتا الخلق والرزق
 من صفات الله الفعلية أنه يحيي ويميت
 اتصاف الرب تعالى بصفات الكمال أزلا وأبدا
 صفتا الخالق والبارىء
 الله تعالى هو الرب بكل معاني الربوبية قبل أن يخلق الخلق
 الله تعالى هو الخالق قبل إنشاء الخلق وبعد إنشائه
 متعلقات القدرة والرد على المعتزلة
 الخلق جميعا كلهم فقراء إلى الله
 الرد على الممثلة والمشبهة والمعطلة
 الله سبحانه خلق الخلق وهو عالم به
 قدر الله مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض
 آجال الخلائق مقدرة
 شمول علمه سبحانه وتعالى
 الله تعالى خلق الخلق لعبادته وتوحيده
 ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن
 مسألة الضلال والهدى
 تقلب العباد في مشيئة الله
 تعالي الله سبحانه عن الأضداد والأنداد
 لا راد لقضاء الله
 الإيمان بأن كل شيء يجري بمشيئة الله وقدره
 وإن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى
 ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم
 محمد صلى الله عليه وسلم إمام الأتقياء
 محمد صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين
 كل من ادعى النبوة بعده صلى الله عليه وسلم كاذب
 عموم بعثته صلى الله عليه وسلم للإنس والجن
 الرسول هو المبعوث لعامة الجن والإنس بالحق والهدى
 ثبوت الخلة لنبينا صلى الله عليه وسلم
 القرآن كلام الله تعالى
 القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق
 القرآن أنزل على الرسول وحيا
 إيمان وتصديق المؤمنين بأن القرآن كلام الله
 تيقن المؤمنين بأن القرآن كلام الله بالحقيقة
 القرآن كلام الله ليس بمخلوق ككلام البرية
 كفر من قال القرآن كلام البشر صراحة من دون شبهة
 ذم الله من قال إن القرآن كلام البشر وتوعده
 كلام الله ليس ككلام البشر
 كفر من وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر
 من أبصر وقرأ النصوص تبين له أن الله سبحانه لا يماثل شيئا من مخلوقاته
 الله تعالى بصفاته ليس كالبشر
 رؤية المؤمنين لربهم
 أقوال أهل العلم في رؤية المؤمنين لربهم
 الرؤية والكلام والعلو من أثبتها فهو من أهل السنة
 أقوال المذاهب في رؤية الله في الآخرة
 أدلة أهل السنة في مسألة إثبات الرؤية
 الرد عل شبه نفاة الرؤية
 من أدلة رؤية المؤمنين لربهم
 النهي عن الخوض في الصفات
 ما جاء في أحاديث الرسول مفسر لما أراد الله
 النهي عن الخوض في كيفية الرؤية
 التسليم لله والرسول ورد المتشابه للعلماء
 التسليم والانقياد والإذعان لنصوص الوحيين
 النهي عن التكلم في أمور الدين بغير علم
 انتياب الحيرة من عدل عن الكتاب والسنة إلى غيرهما
 الرد على من تأول رؤية الله
 صفات الله
 كل صفة تضاف إلى الرب تفسيرها بترك التأويل
 النفي والتشبيه من أمراض القلوب
 تنزيه الرب هو وصفه كما وصف نفسه نفيا وإثباتا
 الله تعالى لا يحويه شيء ولا يحيط به شيء
 الإسراء والمعراج
 ثبوت الإسراء والمعراج بشخصه في اليقظة
 الحوض
 ثبوت الحوض
 الشفاعة
 الشفاعة حق
 الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته
 القدر
 منزلة وحقيقة الإيمان بالقدر
 أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه
 كل ميسر لما خلق له
 الأعمال بالخواتيم
 السعادة والشقاوة مكتوبة في اللوح المحفوظ
 القدر سر الله في خلقه
 سر الله في خلقه
 البحث والاعتراض على القدر
 الحذر من النظر والوسوسة والاعتراض على الله
 الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه
 النهي عن الاعتراض والبحث في القدر
 الله حكيم لا يسأل عما يفعل
 من رد حكم الكتاب كان من الكافرين
 أولياء الله مسلمون بقدر الله
 الراسخون في العلم هم الذين يسلمون لقضاء الله
 العلم علمان موجود ومفقود
 إنكار العلم الموجود والمفقود
 ثبوت الإيمان بقبول العلم الموجود وترك المفقود
 اللوح والقلم
 تعريف اللوح والقلم وآراء العلماء فيهما
 استحالة تغيير الناس شيئا مما كتبه الله
 جفت الأقلام بما هو كائن إلى يوم القيامة
 وجوب الإيمان بالقدر
 علم الله سابق في كل شيء
 الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه
 لا يستطيع أحد أن ينقض حكم الله وما قدره في اللوح المحفوظ
 لا يستطيع أحد أن يمحو أو يزيل شيئا مما كتبه الله
 لا يستطيع أحد أن يزيد مما قضاه الله وقدره في خلقه السماوات والأرض
 من عقد الإيمان اعتقاد المسلم أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء ولا يستطيع أحد أن يغيره
 الله رب الخلائق ومالكهم
 وخلق كل شيء فقدره تقديرا
 وكان أمر الله قدرا مقدورا
 ويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما
 ويل لمن تكلم في القدر وقلبه سقيم
 لا يعلم الغيب إلا الله
 إثم من تكلم في الغيب
 العرش والكرسي
 الله سبحانه غني عن العالمين محيط بكل شيء
 الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما
 أصول الإيمان
 أصول الإيمان عند أهل السنة
 الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة
 أهل القبلة مسلمون مؤمنون
 الكف عن المتكلمين الباطل وذم علمهم
 النهي عن الجدال في القرآن
 القرآن كلام الله
 القرآن كلام الله لا يساويه شيء من البشر
 مخالفة من قال بخلق القرآن جماعة المسلمين
 لا يجوز تكفير المسلم بذنب لم يستحله
 ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله
 ما ينبغي على المؤمن اعتقاده في حق نفسه وحق غيره
 يرجون من الله أن يدخل المحسنين الجنة
 الأسباب التي تسقط بها عقوبة جهنم عن فاعل السيئات
 الجمع بين الخوف والرجاء
 الإيمان
 ما يخرج العبد من الإيمان
 ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق
 تفاوت الناس في الإيمان
 التفاضل بالإيمان وأعمال القلوب
 المؤمنون كلهم أولياء الرحمن
 أكرم المؤمنين عند الله
 أركان الإيمان
 الاختلاف فيما يقع عليه اسم الإيمان
 وجوب الإيمان بجميع الرسل
 التصديق بكل ما جاءت به الرسل
 أهل الكبائر إذا ماتوا على التوحيد لا يخلدون في النار
 الموت على التوحيد شرط لعدم خلود أهل الكبائر في النار
 المعرفة الكاملة لله المستلزمة للإهتداء
 أهل الكبائر من أهل الإيمان والتوحيد تحت مشيئة الله
 أهل الكبائر بين فضل الله تعالى وعدله
 خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وبرحمة الله
 دخول أهل الكبائر الجنة
 الله تولى أهل الإيمان به
 الله تعالى ما جعل المؤمنين كأهل الجهل به
 أعداء الله خابوا من هدايته
 خذلان أعداء الله بعدم نيل ولايته
 الدعاء بالثبات على الإسلام
 الصلاة خلف البر والفاجر
 الشهادة للإنسان بالجنة أو بالنار
 الحكم بالظاهر وترك السرائر إلى الله تعالى
 ما يحل به دم المسلم
 طاعة ولاة الأمر وعدم الخروج عليهم
 طاعة ولي الأمر من طاعة الله ما لم يأمر بمعصية
 الدعاء لولي الأمر بالصلاح والمعافاة
 اتباع السنة والجماعة واجتناب الخلاف والفرقة
 محبة أهل العدل والأمانة وبغض أهل الجور والخيانة
 موقف المسلم من النصوص المتشابهة والمحكمة
 المسح على الخفين في السفر والحضر
 الحج والجهاد ماضيان مع ولي الأمر إلى قيام الساعة
 الإيمان بالكرام الكاتبين
 الإيمان بملك الموت
 معتقد أهل السنة في الإيمان بملك الموت
 الإيمان بعذاب القبر وسؤال منكر ونكير
 أقوال العلماء فيما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين
 القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار
 الإيمان بالبعث والعرض والحساب والثواب والعقاب والصراط والميزان
 أقوال العلماء في خلق الجنة والنار
 معتقد أهل السنة والجماعة في خلق الجنة والنار
 دخول المومنين الجنة بفضل الله
 كل يصير إلى ما قدر له
 الخير والشر مقدران على العباد
 الاستطاعة تكون مع الفعل وقبله
 الاستطاعة قبل الفعل
 لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
 أفعال العباد خلق الله وكسب من العباد
 التكليف بحسب الطاقة
 استطاعة الإنسان أكثر مما كلف به
 تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله
 لا تحول من المعصية إلى الطاعة إلا بمعونة الله
 إقامة طاعة الله والثبات عليها بتوفيق الله
 كل شيء يجري بعلم الله وقضائه وقدره
 مشيئة الله تعالى
 غلب قضاء الله الحيل كلها
 تنزيه الله عن الظلم
 تنزيه الله عن كل سوء وقبيح
 تنزيه الله عن كل عيب وشين
 لا يسأل عما يفعل
 انتفاع الأموات بسعي الأحياء
 استجابة الله تعالى دعاء عبده
 الله تعالى مالك الأشياء كلها
 لا أحد يستغني عن الله طرفة عين
 كفر من زعم أنه استغني عن الله
 صفة الغضب لله تعالى
 حب الصحابة رضي الله عنهم
 حب الصحابة من الإيمان وبغضهم كفر ونفاق
 الخلافة والولاية
 آراء أصحاب الفرق في العشرة المبشرين بالجنة
 حسن القول في الصحابة وأمهات المؤمنين فيه براءة من النفاق
 علماء السلف وأهل الخير والفقه يذكرون بالخير والجميل
 عدم ذكر علماء السلف ومن بعدهم بسوء
 المفاضلة بين الأنبياء والأولياء
 الإيمان بكرامات الأولياء
 أشراط الساعة
 الإيمان بأشراط الساعة
 النهي عن تصديق الساحر والكاهن والعراف
 الحث على الاجتماع والنهي عن التفرق والاختلاف
 الإسلام
 الدين عند الله الإسلام
 دين الإسلام هو بين الغلو والتقصير
 دين الإسلام هو بين التشبيه والتعطيل
 دين الإسلام هو بين الجبر والقدر
 دين الإسلام هو بين الأمن واليأس
 معتقد أهل السنة ما دلت عليه النصوص ظاهرا وباطنا
 البراءة ممن يخالف العقيدة الصحيحة
 الدعاء بالثبات على الإيمان
 أمثلة للمذاهب الردية
 المشبهة
 فرق الضلالة خالفوا السنة والجماعة
 البراءة إلى الله من طريقة أهل البدع
 الفرق الضالة ضالين منحرفين عن الطريق المستقيم
 خاتمة
شرح العقيدة الطحاوية - عقيدة أهل السنة والجماعة

العقيدة الطحاوية

عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

قَالَ الْعَلَّامَةُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ الطَّحَاوِيُّ -بِمِصْرَ- رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا ذِكْرُ بَيَانِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ الْمِلَّةِ: أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ الْكُوفِيِّ، وأَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ، وأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن العلم الذي سندرسه معكم -إن شاء الله- هو في العقائد، وشرح متن العقيدة الطحاوية في كل ليلة -إن شاء الله- من ليالي هذه الدورة المباركة، وستكون المدة (مدة الدرس) في الغالب ساعة قد تزيد أحيانا وقد تنقص أحيانا، في الغالب ستنتهي في الساعة العاشرة -إن شاء الله-.

لكن قد تزيد المدة أحيانا؛ نظرا لكون البحث يحتاج إلى استكمال، وقد تنقص، ثم تكون بعدها الأسئلة -إن شاء الله- وقد مضى على وفاة سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمة الله عليه- نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجمعنا به في دار كرامته، قد مضى على وفاته شهر نسأل الله أن يغفر له، وأن يتغمده برحمته، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

وأسأل الله -سبحانه وتعالى- وسوف يكون الشرح شرح العقيدة الطحاوية -إن شاء الله- سوف يكون شرحا متوسطا، أسأل الله أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، وأن يجعل هذا العمل نافعا لعباد الله، وأسأله -سبحانه وتعالى- أن ينفع به الغائب والحاضر، وأن يجعله من العمل الذي لا ينقطع إنه جواد كريم.

هذا العلم الذي ندرسه وهو علم العقائد ودراسة العقيدة الطحاوية يتعلق بعلم الأصول هو علم الأصول، وعلم الأصول بالنسبة (علم أصول الدين) بالنسبة إلى غيره هو أشرف العلوم، فهو أشرف العلوم، علم أصول الدين أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله -سبحانه وتعالى-، والعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالعلم يشرف بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله سبحانه، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.

فتبين بهذا أن علم أصول الدين أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم إنما يكون بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله -سبحانه وتعالى-، فعلم أصول الدين يتعلق بالعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا هو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروض؛ ولهذا لما كتب الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمه الله- أوراقا جمعها في أصول الدين سماها الفقه الأكبر، وأما فقه فروع الدين فهو الفقه الأصغر، فيكون العلم علمين: علم أصول الدين وهذا هو الفقه الأكبر، وعلم فروع الدين وهذا هو الفقه الأصغر.

علم أصول الدين هو علم العقائد، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله هذا العلم الأكبر، وهذا هو الفقه الأكبر، والثاني فقه الفروض، وهو العلم بالأوامر والنواهي والحلال والحرام.

فيكون العلم علمين: علم أصول الدين وهذا هو الفقه الأكبر، وعلم فروع الدين وهذا هو الفقه الأصغر، وإن كان لشيخ الإسلام -رحمة الله عليه- ابن تيمية، شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- له كلام فيه تقسيمه إلى أصول وفروع.

وعلم أصول الدين وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته الحاجة إليه فوق كل حاجة، حاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليه أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بل أشد من حاجتهم إلى النفس الذي يتردد بين جنبي الإنسان؛ لأن الإنسان إذا فقد الطعام والشراب وفقد النفس مات الجسد، والموت لا بد منه، ولا يضر موت الجسد إذا صلح القلب، أما إذا فقد العلم بالله وأسمائه وصفاته والعلم بشرعه ودينه مات قلبه وروحه.

وبهذا يتبين أن حاجة العباد إلى علم أصول الدين والعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ وذلك لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة ولا سعادة إلا بأن تعرف ربها وخالقها، وفاطرها، ومعبودها بأسمائه وصفاته وأفعاله.

ويكون مع ذلك أحب إليها من كل شيء، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه.

هذا هو نعيم القلوب وروحها وطمأنينتها وسعادتها أن تعرف ربها وخالقها وفاطرها ومعبودها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك أحب إليها من كل شيء، ويكون مع ذلك سعيها وعملها فيما يقربها إليه -سبحانه وتعالى-.

ولما كانت العقول عقول البشر لا تستقل بمعرفة هذا الأمر وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا تستقل بمعرفة ذلك على التفصيل اقتضت حكمة الله ورحمته بعباده أن أرسل الرسل يعرّفون بالله، ويدعون إلى الله، ويبشرون من أجابهم، وينذرون من عصاهم وخالفهم، وجعل -سبحانه وتعالى- مفتاح دعوة الرسل وزبدة رسالتهم معرفة المعبود -سبحانه وتعالى- بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها، وعلى هذه المعرفة تبنى مطالب هذه الرسالة كلها من أولها إلى آخرها، على معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها، هذا هو الأصل العظيم أصل الدين، أصل الدين أن تعلم ربك، أن تعلم الله، أن تعرف ربك بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان:

الأصـل الأول: معرفة شريعة الله المتضمنة معرفة الطريق الموصل إلى الله، معرفة الطريق الموصل إلى الله، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه تعرف الطريق الموصل، وذلك بأن تعرف الطريقة الموصلة إلى الله، ما هو الطريق الموصل إلى الله؟ هي شريعة الله المتضمنة لأمره ونهيه.

والأصـل الثاني: معرفة حال السالكين والسائرين إلى الله ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم.
هذه هي الأصول الثلاثة العظيمة، وأصلها وأساسها معرفة الله، والعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والثاني: معرفة الطريق الموصل إلى الله وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه، والثالث: معرفة حال الناس وجزائهم في الآخرة، وهذه هي أقسام العلم النافع، هذه الثلاثة هي أقسام العلم النافع، وليس هناك قسم رابع.

أقسام العلم النافع ثلاثة:

القسم الأول: معرفة الله والعلم بالله ومعرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله.

الثاني: معرفة دين الله وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.

الثالثة: معرفة جزاء الناس وحالهم بعد الموت، ماذا يكون جزاء المتقين المؤمنين الموحدين؟ الجنة، وجزاء الكفار والعصاة النار، ويتبع ذلك معرفة ما يكون في أمور البرزخ من سؤال منكر ونكير، ومن عذاب القبر ونعيمه.

ومعرفة العلم بأحكام البعث والنشور، والوقوف بين يدي الله -عز وجل-، وتطاير الصحف، ووزن الأعمال والأشخاص والورود على الحوض، والمرور على الصراط، ثم الاستقرار في الجنة أو في النار.

هذه هي أقسام العلم النافع الثلاثة وليس هناك قسم رابع كما قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في الكافية الشافية:

والعلـم أقســام ثلاث ما لها *** مـن رابـع والحـق ذو تبيـان

علـم بأوصاف الإلـه وفعلـه *** وكـذلك الأســماء للرحــمن

والأمـر والنهي الـذي هو دينه *** وجـزاؤه يــوم الميعاد الثانـي

هذه أقسام العلم ثلاثة:

والعلـم أقســام ثلاث ما لها *** مـن رابـع والحـق ذو تبيـان

علـم بأوصاف الإلـه وفعلـه *** وكـذلك الأســماء للرحــمن

هذا الأول، "والأمر والنهي الذي هو دينه" هذا الثاني، "وجزاؤه يوم الميعاد الثاني" هذا الثالث، وأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه، والطريق الموصل إلى الله كما سبق هي شريعته -سبحانه وتعالى- المتضمنة لأمره ونهيه.

فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه الذي يمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، ويعمل بشرع الله ودينه، هذا هو أقوم الناس، وأتبعهم أتبع الناس للصراط المستقيم؛ ولهذا سمى الله -سبحانه وتعالى- كتابه المنزل على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو القرآن العظيم روحا؛ لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه نورا؛ لتوقف الهداية عليه قال سبحانه: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ (1) قال سبحانه: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (2) .

سماه الله شفاء قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ (3) والله -سبحانه وتعالى- أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وقد بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- البلاغ المبين، وأوضح الحجة للمستغفرين، ومضى على طريقه -صلى الله عليه وسلم- الصحابة، السلف الصالح الصحابة والتابعون والأئمة من بعدهم، فاهتدوا بهديه -صلى الله عليه وسلم-، وترسموا خطاه، وآمنوا بالله وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر والقدر خيره وشره، وامتثلوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه، واستناروا بنور الله، فكانوا على الهدى المستقيم.

وهم أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون وتابعوهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين هم أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق، وهم الطائفة المنصورة، ثم لما بَعُدَ العهد، خلف من بعدهم خلوف، غيروا وبدلوا وتفرقوا في دينهم شيعا وأحزابا، ولكن الله -سبحانه وتعالى- حفظ على هذه الأمة أصول دينها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم »(4) وفي لفظ آخر: « لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى »(5) .

فتصدى العلماء والأئمة لإيضاح أصول الدين وفروعه، والرد على أهل البدع بدعهم وإيضاح الحق، فنصر الله بهم الحق وألفوا المؤلفات، وكتبوا الردود، ألفوا المؤلفات في عقائد... في عقيدة السلف الصالح، ومن هؤلاء الأئمة الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأسدي الطحاوي نسبة إلى قرية طحا من صعيد مصر المولود سنة تسع وثلاثين ومائتين، والمتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ألف هذه الرسالة في العقيدة المعروفة بالعقيدة الطحاوية مؤلفها أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأسدي الطحاوي.

ألف هذه الرسالة في عقيدة السلف الصالح، وتلقتها الأمة بالقبول، وتلقاها العلماء بالقبول سلفا وخلفا، وفي هذه الرسالة بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، وإن كان قد يلاحظ على هذه الرسالة ملحوظات يسيرة قد تتمشى مع معتقد المرجئة، نبه عليها العلماء، وسيأتي التنبيه عليها -إن شاء الله-، وهناك أيضا عبارات مشتبهة وفيها إيهام، لكن القاعدة في هذا أن العبارات المشتبهة تفسر بالعبارات الواضحة؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن النصوص المشتبهة من كتاب الله -عز وجل- تفسر بالنصوص الواضحة المحكمة وترد إليها.

هذه هي طريقة أهل العلم الراسخين في العلم يردون المتشابه إلى المحكم، ويفسرون النصوص المتشابهة من النصوص المحكمة فيتضح الأمر، وكذلك أيضا النصوص المتشابهة في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تفسر بالنصوص الواضحة المحكمة فيزول الاشتباه، وكذلك أيضا النصوص المشتبهة في كلام أهل العلم تفسر بالنصوص الواضحة من كلامهم، ولا يتعلق بالنصوص المتشابهة لا يتعلق بالنصوص المتشابهة ويترك النصوص المحكمة الواضحة إلا أهل الزيغ والظلام، كما قال الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العظيم: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (6) .

قد ثبت عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم(7) " ثم قرأت هذه الآية، فأهل الزيغ يتعلقون بمتشابهه ويتركون المحكم، فمثلا إذا تعلق النصراني بقول الله -عز وجل-: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (8) وقال: نحن ضمير الجمع، وهذا يدل على أن الآلهة ثلاثة، يقول أهل الحق: أنت من أهل الزيغ هذه من النصوص المشتبهة، الواجب عليك أن تردها إلى النصوص الواضحة المحكمة، كقول الله -عز وجل-: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (9) ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي (10) .

عليك أن ترجع هذا النص المشتبه إلى النص المحكم، "نحن" يقولها في لغة العرب يقولها الواحد المعظم لنفسه، وهكذا هذا مثال، ومثال ذلك أيضا من السنة النبوية قد يتعلق بعض دعاة السفور (سفور النساء) ببعض النصوص المشتبهة ويقولون: إن مثلا حديث الخثعمية في صحيح البخاري في حجة الوداع « جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تسأله وكان رديفه الفضل، فجعل ينظر إليها، وتنظر إليه فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يصرف وجه الفضل إلى الطرف الآخر »(11) .

قالوا: هذا يدل على أن المرأة سافرة كاشفة الوجه، وهذا يدل على أن المرأة يجوز لها كشف الوجه، وأن كشف الوجه ليس بواجب، ويستدلون أيضا بحديث أسماء أنها جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليها ثياب رقاق، فأعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها بوجهه، وقال: « يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه ».

قالوا: هذا يدل على أيش؟ يدل على كشف الوجه، نقول لهم: أنتم من أهل الزيغ، أنتم تعلقتم بالنصوص المتشابهة، لماذا تركتم النصوص المحكمة الواضحة تركتم قول الله -عز وجل-: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ (12) والحجاب ما يحجب المرأة عن الرجل، الحجاب يكون جدارا، ويكون بابا، ويكون غطاء على الوجه ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ (13) .

وكذلك ثبت في صحيح البخاري في قصة الإفك لما سار الجيش، وترك عائشة -رضي الله عنها- قالت: « جلست في مكان الجيش لعلهم يفقدونها ثم يرجعون، وكان صفوان بن المعطل السلمي قد جاء متأخرا فلما رأى سواد إنسان عرفها، وجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون -استرجع- وكانت نائمة حيث قالت: فاستيقظت باسترجاع صفوان، فخمرت وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب »(14) وهذا في صحيح البخاري قولها: " « فخمرت وجهي بجلبابي »(15) " صريح في تغطية الوجه وكان يعرفني قبل الحجاب" دليل على أن النساء قبل الحجاب يكشفن الوجوه، وأما بعد الحجاب فكن يسترن الوجوه.

وفي سنن أبي داود عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: « كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محرمات، فإذا حازونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه »(16) فنقول لهم: كيف تتعلق بحديث أسماء وحديث الخثعمية وتتركون هذه النصوص المحكمة، عليك أن تفسر حديث الخثعمية بما يتناسب مع هذه النصوص، ثم حديث أسماء هذا ضعيف، وفيه علل كثيرة؛ فهو منقطع؛ لأنه من رواية خالد بن دريك عن عائشة، وخالد بن دريك لم يسمع عن عائشة، ثم هو منكر.. المتن منكر لا يمكن أن تكون أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة وامرأة الزبير وامرأة عاقلة دينة تدخل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في ثياب رقاق، هذا لا يمكن تصف البشرة فهو فيه علل متعددة كثيرة.

ومن رواية أيضا سعيد بن بشير وهو ضعيف أيضا، ولو صح جدلا لكان محمولا على ما قبل الحجاب، فالمقصود من هذا أن أهل الزيغ يتعلقون بالنصوص المتشابهة، ويتركون النصوص المحكمة، وأما الراسخون في العلم فإنهم يأخذون بالنصوص المحكمة، ويرجعون إليها النصوص المتشابهة، ومن ذلك أيضا في القرآن الكريم؛ لأهمية هذا المثال أن نصوص العلو محكمة يأتي أهل الزيغ، ويتعلقون بنصوص المعية ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (17) ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (18) ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (19) .

يأتي أهل البدع وأهل الزيغ ونفاة الصفات فيقولوا: هذا دليل على أن الله مختلط بالمخلوقات، وأن الله معهم، نقول لهم: أنتم أهل الزيغ لماذا تركتم النصوص المحكمة نصوص العلو والمعية ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (20) في سبعة مواضع ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ (21) ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (20) ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ (22) ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ (23) ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ (24) ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ (25) .

حتى إن نصوص العلو تزيد على ثلاث آلاف أفراد، وعلى ثلاث آلاف دليل كلها صريحة في أن الله فوق السماوات، فوق عرشه، مستو على عرشه، بائن من خلقه، ثم تتعلق بنصوص المعية، المعية لا تفيد الاختلاط في لغة العرب أقول: لا تزال العرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا، هذا معروف في لغة العرب، والقمر فوقك، وتقول: فلان معه كذا، وقد يكون فوق رأسه.

فالمقصود أن طريقة أهل الزيغ يتعلقون بالنصوص المتشابهة، ويتركون النصوص المحكمة، أما طريقة الراسخين في العلم فإنهم يفسرون يأخذون بالنصوص المحكمة ويرجعون إليها النصوص المتشابهة ويفسرونها بها، فيزول الإشكال، وهكذا كلام أهل العلم فإذا رأيت كلاما لعالم اشتبه عليك مشتبه ترجع إلى كلامه الواضح تفسر به كما سيأتي في بعض كلام أبي جعفر الطحاوي، وهذه العقيدة الطحاوية كما سبق تلقاها العلماء بالقبول، وشرحت بشروح متعددة، لكن هذه الشروح لا تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة.

وأحسن شروح لها هو شرح العقيدة المعروفة الآن التي منتشر المطبوع الذي ألفه علي بن علي بن أبي العز الحنفي المولود سنة سبعمائة وواحد وثلاثين، والمتوفى سنة سبعمائة واثنين وتسعين، هذا أفضل الشروح وأحسنها، قد ذكر -رحمه الله- في مقدمتها: أن العقيدة الطحاوية شرحت شروحا متعددة إلا أنها لا تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة، فأراد أن يشرحها شرحا يتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة.

وطريقتنا -إن شاء الله- أننا لا نقرأ الشرح، وإنما نشرح المتن شرحا يكون متوسطا، أو أقل من المتوسط يحصل به الفائدة، والمقصود -إن شاء الله- وإلا لو أراد الإنسان أن يتوسع يحتاج إلى وقت طويل، لكن سيكون -إن شاء الله- الشرح شرحاً مناسبا، يكون فيه بيان معتقد أهل السنة والجماعة، وبيان ما يخالفه من أهل البدع، ليس طويلا فيمل وليس قصيرا مخلا، وإنما يكون -إن شاء الله- متوسطا، ونقرأ جملة جملة، ثم نشرح.

بين -رحمه الله- في هذه المقدمة أنه يريد أن يبين عقيدة السلف الصالح على ما يعتقده الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، والصاحب وصاحبه الأكبر أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، والصاحب الثاني أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، وما يعتقدونه في أصول الدين، ويدينون به رب العالمين، بين -رحمه الله- أن هذه العقيدة تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة.

وخص هؤلاء الثلاثة؛ لأن أبا حنيفة هو إمام الأحناف، المذهب الحنفي، أو أئمة المذهب الحنفي، وهو -رحمه الله- الطحاوي وكذلك السالف كل منهم أحناف في المذهب في الفروع، يتمذهبون بمذهب أبي حنيفة، وهذه العقيدة في أصول الدين ليست خاصة بالأحناف، بل هي عامة، الأحناف والمالكية والشافعية، التمذهب إنما هو في الفروع، في فروع الدين، في أحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج يتمذهب في مذهب أبي حنيفة، أما العقيدة والتوحيد فهذه العقيدة واحدة ليس فيها اختلاف.

والعقيدة هي مأخوذة من العقد وهو الربط، وسميت عقيدة؛ لأن الإنسان يجزم ويعتقد في نفسه، مأخوذة من عقد البيع ونحوه، ثم استعملت في التصميم والاعتقاد الجازم، وتطلق العقيدة على ما يدين به الإنسان ربه، ويعتقده من أمور الدين، إن كان ما يعتقده الإنسان إن كان مطابقا للواقع فهي عقيدة صحيحة، وإن كان مخالفا للواقع فهي عقيدة فاسدة.

إذن العقيدة هي ما يجزم به الإنسان، ويعتقده ويتيقنه في قرارة نفسه يسمى عقيدة، لكن إن كان هذا الاعتقاد موافقا للحق، إن كان هذا الاعتقاد مطابقا للواقع فهي عقيدة صحيحة، وإن كان مخالفا للواقع فهي عقيدة فاسدة، فمثلا الجهمية والمعتزلة والشيعة والرافضة كلهم لهم عقيدة، ويجزمون بها، لكنها عقائد فاسدة باطلة؛ لمخالفتها للحق، وأهل السنة والجماعة عقيدتهم موافقة للحق فهي عقيدة صحيحة، والعقيدة هي الأساس هي أساس بناء المجتمعات، هي الأساس الذي يبنى عليه المجتمع، فإن كان المجتمع عقيدة أفراده سليمة صار مجتمعاً قويا متماسكا، وإن كانت عقيدة أفراده منحرفة صار مجتمعا متفككا منهارا.

قد دلت التجارب أن صلاح سلوك الفرد يتناسب مع مدى صلاح عقيدة أفراده، وأن انحراف الإنسان، انحراف سلوكه يتناسب مع مدى تضاؤل عقيدته وانحرافه، والعقيدة السليمة الصحيحة تعصم الدم والمال، وتصحح جميع الأعمال، والعقيدة الفاسدة تهدر الدم والمال وتفسد جميع الأعمال، قال الله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (26) وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) وقال -عليه الصلاة والسلام-: « من بدل دينه فاقتلوه »(28) وقال -عليه الصلاة والسلام-: « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة »(29) .

ودل هذا على أن العقيدة السليمة تعصم الدم والمال، لا يحل دمه ولا ماله ما دام اعتقاده صحيحا إلا إذا ارتكب واحدة من ثلاث: الزاني بعد الإحصان، والقاتل عمدا، والثاني المرتد الذي فارق دينه « من بدل دينه فاقتلوه »(28) .

فالعقيدة الصحيحة تعصم الدم والمال، والعقيدة الفاسدة تهدر الدم والمال، والعقيدة الصحيحة تصحح جميع الأعمال، لو صحت العقيدة صحت الأعمال كلها، إذا كانت العقيدة سليمة صحت الصلاة، وصح الصوم، وصحت الزكاة، وصح الحج، وجميع العبادات صارت صحيحة.

أما إذا فسدت العقيدة فسدت جميع الأعمال، إذا دعا الإنسان غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، أو طاف بغير بيت الله؛ تقربا لذلك الغير، أو فعل ناقضا من نواقض الإسلام، اعتقد عدم وجوب الصلاة، أو عدم وجوب الزكاة، أو عدم وجوب الحج، أو اعتقد حل الزنا، أو حل الخمر، أو حل الربا، أو حل عقوق الوالدين فسدت العقيدة، وبطلت الأعمال كلها، لا تصح الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج، فكلها تكون باطلة.

كما قال سبحانه: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (26) ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (30) فالعقيدة الصحيحة السليمة تصحح جميع الأعمال، وتعصم الدم والمال، والعقيدة الفاسدة المنحرفة تهدر الدم والمال، وتفسد جميع الأعمال.

ومن ثم اتجهت جهود الأنبياء والمصلحين إلى إصلاح عقائد المجتمعات قبل كل شيء، كل نبي أرسله الله يدعو قومه إلى إصلاح العقيدة ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (31) كما أخبر الله عن نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم، ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- مكث في مكة ثلاثة عشر عاما يدعو الناس إلى إصلاح العقيدة ويقول لقومه: « قولوا لا إله إلا الله »(32) ولم يصنع شيئا، ولم يجد شيئا من التشريعات إلا الصلاة؛ لعظم شأنها فإنها فرضت قبل الهجرة بسنة أو بسنتين أو بثلاث، كل هذه المدة يدعو قومه إلى إصلاح العقيدة، ويقول: « قولوا لا إله إلا الله تفلحوا »(33) .

ثم لما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وثبتت العقيدة نزلت بقية التشريعات، شرع الأذان، شرعت صلاة الجماعة، فرض الزكاة، فرض الصوم، فرض الحج، فرض الجهاد، شرع الله إقامة الحدود، حد الزنا، حد السرقة، حد شرب الخمر… وهكذا.

وتبين بهذا أن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الأعمال، وهي التي تعصم الدم والمال، والعقيدة الصحيحة تصحح جميع الأعمال نعم.


(1)غافر: 15
(2) الشورى: 52، 53
(3) يونس: 57
(4) مسلم : الإمارة (1920) , والترمذي : الفتن (2229) , وأبو داود : الفتن والملاحم (4252) , وابن ماجه : المقدمة (10) والفتن (3952) , وأحمد (5/279).
(5) البخاري : المناقب (3641) , وأحمد (4/101).
(6) آل عمران: 7
(7) البخاري : تفسير القرآن (4547) , ومسلم : العلم (2665) , والترمذي : تفسير القرآن (2994) , وأبو داود : السنة (4598) , والدارمي : المقدمة (145).
(8) الحجر: 9
(9) البقرة: 163
(10) طه: 14
(11) البخاري : الحج (1513) , ومسلم : الحج (1334) , والنسائي : آداب القضاة (5391) , وأبو داود : المناسك (1809) , وأحمد (1/359) , ومالك : الحج (806).
(12) الأحزاب: 53
(13) الأحزاب: 59
(14) البخاري : المغازي (4141) , ومسلم : التوبة (2770) , وأحمد (6/194).
(15) البخاري : المغازي (4141) , ومسلم : التوبة (2770) , وأحمد (6/194).
(16) أبو داود : المناسك (1833) , وابن ماجه : المناسك (2935) , وأحمد (6/30).
(17) الحديد: 4
(18) التوبة: 40
(19) طه: 46
(20) الأعراف: 54
(21) الأنعام: 18
(22) فاطر: 10
(23) النساء: 158
(24) المعارج: 4
(25) النحل: 50
(26) الزمر: 65
(27) الأنعام: 88
(28) البخاري : الجهاد والسير (3017) , والترمذي : الحدود (1458) , والنسائي : تحريم الدم (4060) , وأبو داود : الحدود (4351) , وابن ماجه : الحدود (2535) , وأحمد (1/282).
(29) البخاري : الديات (6878) , ومسلم : القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1676) , والترمذي : الديات (1402) , والنسائي : تحريم الدم (4016) , وأبو داود : الحدود (4352) , وابن ماجه : الحدود (2534) , وأحمد (6/181) , والدارمي : الحدود (2298).
(30) الفرقان: 23
(31) الأعراف: 59
(32) الترمذي : تفسير القرآن (3232) , وأحمد (1/227).
(33) أحمد (3/492).