موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب فضائل تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه - شرح فضائل القرآن
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح فضائل القرآن لفضيلة الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الشثري
  
 
 شرح فضائل القرآن
 باب فضائل تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه
 الأحاديث الدالة على فضل القرآن الكريم
 بيان ما يلقاه صاحب القرآن الكريم من الأجر والثواب
 باب ما جاء في تقديم أهل القرآن وإكرامهم
 باب وجوب تعلم القرآن وتفهمه واستماعه والتغليظ على من ترك ذلك
 باب الخوف على من لم يفهم القرآن أن يكون من المنافقين
 باب قول الله تعالى ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني الآية، وقوله مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا الآية
 باب إثم من فجر بالقرآن
 باب إثم من راءى بالقرآن
 باب إثم من تأكل بالقرآن
 باب الجفاء عن القرآن
 باب من ابتغى الهدى من غير القرآن
 باب الغلو في القرآن
 تابع باب الغلو في القرآن
 باب ما جاء في اتباع المتشابه
 باب وعيد من قال في القرآن برأيه وبما لا يعلم
 باب ما جاء في الجدال في القرآن
 باب ما جاء في الاختلاف في القرآن في لفظه أو معناه
 باب إذا اختلفتم فقوموا
 باب قول الله تعالى ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها
 باب ما جاء في التغني بالقرآن
شرح فضائل القرآن - باب فضائل تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه

 

كتاب فضائل القرآن

باب فضائل تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الهادي الأمين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا يا رب العالمين.

كتاب فضائل القرآن، باب فضائل تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه، وقول الله عز وجل : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 وقوله تعالى : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾2 وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران »3 أخرجاه، وللبخاري عن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « خيركم من تعلم القرآن وعلمه »4 ولمسلم عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو: كأنهما غيايتان، أو: كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة »5


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أحمد ربي وأشكره وأثني عليه الخير كله، من فأفضل وأعطى فأجزل وأنعم فتكرم، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين ومنة للمؤمنين ومحجة للسالكين وحجة على المعاندين، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين.

أما بعد:

فأولا: أشكر الله جل وعلا على ما يسر وهيأ من هذه الدورة العلمية التي تقام في هذا الجامع المبارك على أيدي إخوان فضلاء، جزاهم الله خيرا على هذا العمل، وجعل ذلك في موازين حسناتهم عند الله تعالى.

وهذا الدرس هو في كتاب ( فضائل القرآن الكريم ) لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وهو ضمن مجموع مؤلفات الشيخ رحمه الله تعالى، والشيخ غني عن التعريف، إمام من الأئمة وعلم من الأعلام، سار على منهاج النبوة في طلبه للعلم وتعليمه له، وتلقيه للعلوم الشرعية، فدعا الناس إلى عبادة الله تعالى وحده ونبذ الشرك وترك البدع والخرافات، ومن أهم ما تميز به هذا الإمام الكبير، السير على أدلة الكتاب والسنة على وفق منهج السلف الصالح لهما، وإذا تتبعت مؤلفاته وجدت أن فيها، إما دليل من القرآن أو من السنة أو من أقوال الصحابة أو كلام لأئمة الإسلام وسلف الأمة، ليس فيها إطالة ولا إطناب، كما في هذا الكتاب في فضائل القرآن الكريم، إما الاستدلال على فضل القرآن بآية أو بحديث أو بأثر عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم - وهذا هو العلم النافع المفيد الذي يجعل النفس زكية ومستقيمة وصالحة على الطريق السوي الذي يرضاه الله تعالى لعباده.

 

وعنوان هذه الرسالة هي ( فضائل القرآن الكريم ) ولا بد قبل الشروع في الكلام على الفضائل شرح هذا العنوان لأنه يكثر الكلام على مثل هذا العنوان، فضائل القرآن الكريم فضائل الصحابة فضائل مكة فضائل المدينة، وغير ذلك.

 

فأقول: الفضائل جمع فضيلة، وهي على وزن فعيلة، والعرب تجمع فعيلة على فعائل، وهذا جمع مقيس في كل رباعي مؤنث ثالثه حرف مد، فليست جمع الفضائل فضل وإنما جمع الفضائل فضيلة، وفضائل القرآن التي نحن بصددها هل هي للقرآن الكريم أو لمن يقرأ القرآن الكريم ؟ هذه الفضائل أصلها لازمة للقرآن الكريم لا تنفك عنه، فضائل القرآن لازمة للقرآن الكريم ولا تنفك عنه، ولكن هذه الفضيلة قد تتعدى إلى آخر بحسب ما يقوم به من عمل نحو القرآن، فتنتقل هذه الفضيلة إلى المتفضل عليه، ومتى تنتقل إليه ؟ إذا هو أحسن التعامل مع القرآن الكريم، وقام بحقه، وتلاه حق تلاوته، وعمل به واتبعه وتدبره، وأخلص لله تعالى في تلاوته، حينئذ تنتقل هذه الفضائل إلى قارئ القرآن مع بقائها في القرآن الكريم، أما إذا لم يحسن الإنسان العمل بالقرآن الكريم وهو يتلوه أيضا، يتلو القرآن ويقرأه لكنه لا يعمل به، أو يخالف عمله في حياته، فهذا لا يتأهل إلى أن يكون من أهل فضائل القرآن الكريم.

وهناك فرق بين الفضائل والفضول، فكما سبق، الفضائل هي جمع فضيلة، والفضول جمع فضل، ولهذا سمي حلف الفضول بحلف الفضول، والفضول هو الشيء الزائد الذي لا يحتاج الإنسان إليه، كما قال الله تعالى : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾6 أي ما فضل وما زاد، وفي قوله تعالى : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾7 العفو هنا الشيء الزائد، أي ما فضل، ولا يعني أن هذا الزائد قد لا يحتاج إليه، قد يحتاج إليه لكن إذا لم يقم به الإنسان لا يضره شيء، وقد يستعمل المعنى الثاني الذي هو الفضول، فيما لا ينبغي أن يكون، كما يقولون: هذا إنسان فضولي، يعني أنه يتدخل في أمور لا تعنيه ولا تخصه، وسموه " فضولي " كما قال أهل اللغة في هذا، لكن قد تقول: إن الله سبحانه وتعالى قد سمى في القرآن فضل، قال : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾8 وأنت قلت: إن الفضول جمع فضل، فينبغي معرفة هذا القيد، صحيح أن الفضول جمع فضل، لكن الفضل إذا أضيف إلى الله تعالى اكتسب معنى آخر ؛ لأن الله جل وعلا هو مصدر الخير والإحسان، وكل ما يضاف إلى الله تعالى فإنه ينال شرف الكمال وشرف التحقق والحصول، كما قال الله تعالى : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾8 وقال تعالى عن الفضل أيضا : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾9 .

فالفضل في القرآن لم يرد إلا مفردا، ولم يأت على فضول، وإذا أضيف إلى الله تعالى اكتسب معنى آخر، ولا يدخل في معنى الفضول، وينبغي معرفة هذا، هذه مسألة قبل الدخول في الموضوع.

المؤلفات في فضائل القرآن:

المؤلفات في فضائل القرآن على نوعين:

النوع الأول: فضل آية مستقلة، يعني بعض العلماء يؤلف في فضل آية مستقلة، كما ألف أبو محمد الخلال المتوفى سنة أربعمائة وتسعة وثلاثين في فضل سورة الإخلاص، فضل سورة واحدة، فضل سورة الإخلاص، وقد يكون أيضا فضل آية واحدة، كما أفرد السيوطي آية الكرسي واستقصى فضائلها، ويوجد مؤلف للشيخ ابن عثيمين: تفسير آية الكرسي وبيان ما فيها من الفضائل.

 

النوع الثاني: فضائل القرآن على وجه العموم بسوره كلها، وهذا قد ألف فيه أهل العلم مؤلفات متعددة، وهي على النحو التالي مرتبة حسب التواريخ:

ألف في ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة مائتين وأربعة وعشرين، ومطبوع كتابه، في فضائل القرآن الكريم، وألف أبو عبد الله بن الضريس في فضائل القرآن الكريم، وهو متوفى سنة أربع وتسعين ومائتين، وألف فيها أيضا أبو الفضل الرازي، وهو متوفى سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وألف فيها الحافظ ابن كثير رحمه الله، وهي موجودة ضمن التفسير - فضائل القرآن الكريم.

 

وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو للشيخ محمد بن عبد الوهاب، المتوفى سنة ألف ومائتين وست من الهجرة، وسماه في فضائل القرآن.

 

وهناك نوع، لعله نوع ثالث من المؤلفات في فضائل القرآن الكريم، وهو ما يكون في كتب السنة، فبعض كتب السنة أفردت فضائل القرآن بكتاب مستقل، من ذلك ما أفرد البخاري رحمه الله تعالى، كتابا ضمن صحيحه وسماه فضائل القرآن الكريم، وكذلك سار عليه الترمذي والنسائي.

 

وربما هناك نوع رابع يستأنس به أيضا في فضائل القرآن الكريم، وعلى طالب العلم أن يرجع إليه لمعرفتها، وهي كتب التفسير، كتب التفسير في مقدماتها كلام عن فضائل القرآن الكريم، ما من مفسر إلا ويجعل في مقدمة كتابه محلا لبيان فضائل القرآن وآدابه وآداب حملته وغير ذلك، فيوجد فيه كلام على فضائل القرآن، ومن أوسعها والله أعلم هو كتاب القرطبي: أحكام القرآن الكريم، وبعده جمال الدين القاسمي، في محاسن التأويل . هذا ضمن المدخل قبل الشروع.

 

ومما يدخل أيضا في العنوان: الإضافة، وهي فضائل القرآن الكريم، كلمة القرآن الكريم، اختلف أهل العلم في هذه الكلمة، هل هي مصدر أم وصف ؟ هل هي مهموزة أو غير مهموزة ؟ يعني قرآن أو قران، والمختار عند أهل العلم، عند جماهير أهل العلم، أن لفظة أو كلمة القرآن، مصدر من قرأ يقرأ قراءة، وهو مهموز، وصار هذا الاسم علما على القرآن الكريم، ما بين دفتي المصحف الشريف، فإذن هذه الكلمة هي مصدر من قرأ يقرأ قراءة، بالهمز، ويدل لذلك أيضا ما أخبر الله تعالى في كتابه في قوله تعالى : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾10 ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾11 ويدل له كذلك أول كلمة نزلت في القرآن الكريم وهي في صدر سورة العلق : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾12 .

فالكلمة مصدر وهي مهموزة، وهي تجمع ما دل عليه القرآن الكريم، فالقرآن الكريم جمع في سوره وآياته الحكم والمواعظ والعبر، والوعد والوعيد والقصص وأخبار السابقين، وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم، وهو المختار.

ولكن ذهب آخرون إلى أن كلمة ( قرآن ) هي وصف وأنها غير مهموزة، يعني أنها قران، أي من قرنت الشيء بالشيء، أي ضممت بعضه إلى بعض، وقالوا: إن سور القرآن مقرون بعضها ببعض، وآياته مقرون بعضها ببعض، ومجموع بعضها إلى بعض، وفيها الحكم والمواعظ والعبر كذلك، وبهذا استشهدوا بقراءة ابن كثير، عبد الله بن كثير المكي الذي يقرأ في القرآن الكريم بالنقل ولا يقرأ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ ﴾13 يقرأ ( إن هذا القران ) إلا في موضعين في سورة القيامة، كما هو موضح في علم القراءات، ولكن أهل العلم قالوا: ليس هذا هو الأصل وإنما نقل الحركة من الهمزة إلى التسهيل هو لأجل كثرة دوران هذا اللفظ في القرآن الكريم، وإن كانت القراءة أيضا سنة متبعة يأخذها الأول عن الآخر لا مجال فيها للرأي ولا للقياس.

 

في هذا الباب قال المؤلف: باب فضائل تلاوة القرآن الكريم وتعلمه وتعليمه، وصدر ذلك بآية المجادلة وهي قول الله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 فالمؤلف اقتصر هنا على وجه الشاهد من الآية، وهو قوله تعالى : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 .

وفي هذا المقام أبين معنى هذه الآية تفسيرا، فقوله تعالى : ﴿يَرْفَعُ ﴾1 هذا فعل مضارع مجذوم وجوابه هو جواب الأمر المتقدم، الأمر تقدم في أول الآية في قوله تعالى : ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ﴾1 فهذا الفعل مضارع مجذوم بإجماع القراء، يعني ليس فيه قراءة وقراءة، بل هو مجذوم ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ﴾1 والضمير في قوله ﴿مِنْكُمْ ﴾1 هو عائد على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾1 ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 وحرف " من " هنا هي تبعيضية، والمعنى أي يرفع الله الذين امتثلوا أمر الله تعالى وامتثلوا ما تعلموه من العلوم الشرعية، فعملوا بها ونشروا هذا العلم وطبقوه في حياتهم، فإن الله تعالى يميزهم عن غيرهم ويرفعهم درجات تفوق من لم يعمل بعلمه ومن لم يتعلم.

ثم قال الله : ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 أصل الإتيان في اللغة هو المجيء مطلقا، ولهذا عطف ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 هو معطوف على الذين آمنوا ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 وهذا من عطف الخاص على العام، للاهتمام به والعناية، وهذا كثير في القرآن الكريم، من ذلك قول الله تعالى حتى يتضح به المقام : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾14 هذا من عطف العام على الخاص، وفي قوله تعالى : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾15 فجبريل هو من الملائكة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ ﴾15 فجبريل داخل في الملائكة، لكنه عطفه على ما سبق ذكره لمكانته وعلو قدره من بين الملائكة، أفرده بالذكر، وهكذا في هذه الآية أفرد من تعلم العلم وتلقاه من مصادره الصحيحة وعمل به، أفرده بالذكر من أهل الإيمان مع أنه من أهل الإيمان، بل إن أهل العلم هم أهل الخشية، وهم أهل الإيمان الحق ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾16 فالعطف حينئذ هو من عطف الخاص على العام للاهتمام به والتنويه بذكره والعناية.

وهكذا يأتي في القرآن الكريم ذكر الذين أوتوا العلم، وهذه مسألة تفسيرية تحتاج منكم إلى بحث واستقراء، ولهذا في قوله تعالى حينما ذكر الله قصة قارون : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ ﴾17 وفي سورة الروم : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾18 وقال تعالى في سورة العنكبوت : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾19 فأهل العلم حينما يأتي ذكرهم في القرآن في مثل هذا الموضع فإنه مقام ثناء وشرف ورفعة لهم، فتجدهم ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف ويدعون إلى الخير.

ففي قصة قارون ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾17 أهل العلم الحق الذين لا يريدون الدنيا، قالوا: " ويلكم " يحذرونهم، والله تعالى ذكر أن القرآن الكريم هو آيات في صدور الذين أوتوا العلم، ومن غرائب هذه الآيات أنها لم ترد إلا في السور المكية ما عدا سورة واحدة والله أعلم جاءت وهي مدنية وإنما أكثرها سور مكية، في قوله: أوتوا العلم.

 

وفيه أيضا ما يشابه هذا، أوتوا الكتاب، فهذا مبحث تفسيري نفيس يحتاج من طالب العلم إلى أن يتوقف عنده، فقال هنا: الذين أوتوا العلم، ما المراد بالعلم الذي أوتوه ؟ ابن جرير الطبري وغيره من أهل التفسير يقول: أوتوا العلم بالله وبكتابه وبرسوله، وهم أهل القرآن الكريم، ولهذا استشهد بها المؤلف في هذا الموضع بهذا الجزء من هذه الآية ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 فقد ميز الله تعالى أهل العلم بالقرآن الكريم على غيرهم من سائر الناس ومن سائر أهل الإيمان، بأن الله قد أثنى عليهم وأعلى من مكانتهم وشرفهم ونوه بذكرهم وجعل لهم من الثواب ما ليس لغيرهم من سائر المؤمنين، كما يروى عن عبد الله بن مسعود يقول: " إن الله جل وعلا وهب أهل العلم من الثواب ما ليس لغيرهم من سائر المؤمنين " وعلى أحد التفسيرات أن أهل العلم هنا هم أهل القرآن الكريم.

 

ثم ذكر الله تعالى هذا الفضل الذي ميزهم به عن غيرهم، فما هو ؟ قال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 والدرجات هي تنبئ عن العلو والرفعة وشرف المكانة، وهل هي محددة هذه الدرجات ؟ ليست محددة بحد، ولهذا جاءت منكرة ولم تأت معرفة في هذا اللفظ، قال: درجات ، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾1 فهي جمع درجة والدرجة هي المنزلة الرفيعة، وجاءت منكرة إشارة إلى كثرة أنواع الدرجات في الدنيا وفي الآخرة، وما يناله من الفضل . وفيها معنى الكرامة والشرف والرفعة.

هذه الآية العظيمة نأخذ منها عدة دلالات، فأقول: دلت هذه الآية:

أولا: على فضل العلم وفضل العلماء، فيها دلالة على فضل العلم وفضل العلماء، حيث نوه الله تعالى بشأن من تعلم، والمقصود بالعلم هنا العلم الشرعي الذي هو علم القرآن وعلم السنة، ونوه بشأن أهل العلم وما لهم من الأجر والثواب.

ودلت هذه الآية أيضا على فضل أهل القرآن الكريم الذين يتلونه حق تلاوته.

ودلت هذه الآية كذلك على أن الرفع في الدنيا يكون بالنصر والتأييد وحسن الذكر، ويكون أيضا الرفع في الآخرة بدخول الجنة وحصول الثواب ومراتب الرضوان من الله تعالى.

ودلت هذه الآية على أن العلم بالله وبرسله، هو الذي بعث الله تعالى به أنبياءه، وبعث به نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فهو مبلغ عن ربه، ومعرف عن ربه، يعرف العباد ما لربهم من الحقوق، وما يجب عليهم نحو ربهم جل وعلا ؛ لأن اللام التي في ( العلم ) هي لام العهد وليست للاستغراق، أي العلم المعهود الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.

وإذا كان الحال كذلك وأن هذا النبي عليه الصلاة والسلام جاء بهذا القرآن ليعلم الناس ما يجب عليهم لربهم، كان واجبا على العباد أن يتبعوه، وأن يقتفوا أثره وأن يسلموا لحكمه عليه الصلاة والسلام.

والرفعة في الدنيا مكانة عظيمة، يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، ويهبها لأهل القرآن خاصة الذين عملوا به، والأمثلة على ذلك كثيرة، لعلي أذكر مثالين:

المثال الأول: ما أخرجه الإمام مسلم في قصة عامر بن الحارث الخزاعي، الذي كان واليا على مكة، ولاه عمر على مكة، فلقيه عمر، لقي نافعا في عسفان، فلما لقيه قال له: من أمرت على هذا الوادي ؟ كأنه ينكر عليه، كيف تخرج وتترك هذا الوادي أو هذا المكان بلا وال ؟ قال: إني أمرت عليهم ابن أبزى، عبد الرحمن بن أبزى، قال مستنكرا عمر: ومن ابن أبزى هذا ؟ فسكت نافع وقال: ابن أبزى، إنه حافظ للقرآن وعالم بالفرائض، وكان عمر وقافا عند حدود الله، وقال: لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: « إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين »20 فهذا دليل على أن الله رفعه وهو مولى من الموالي رفعه الله.

 

المثال الثاني : قصة أبي لما جاءه النبي عليه الصلاة والسلام، والقصة في صحيح مسلم، ناداه وقال له : « يا أبي إن الله أمرك أن تقرأ علي سورة البينة، قال: أوسماك الله لي ؟ قال: نعم، فبكى أبي فرحا بهذه الرفعة، قال: وسماك باسمك في الملأ الأعلى »21 لأنه يقرأ القرآن وهو سيد القراء وهو من كبار القراء، أثنى عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 

وتتبعوا الأمثلة، هي كثيرة حقيقة، يعني قصة عبد الله بن قيس، أبو موسى الأشعري، وقصة ابن عباس لما جمع له عمر، جمع الصحابة وأتى بابن عباس وسألهم عن معنى قوله تعالى : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾22 ففهم منها ابن عباس ما لم يفهمه غيره من الصحابة التي هي قرب أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: لم أفهم منها إلا ما فهمه ابن عباس، فهذا دليل على الرفعة وعلو المكانة إذن.

 

هذا ما يتعلق بهذه الآية، وبقي فيها أيضا من الدلالات أنها دلت على أن المراد بالرفعة هي الشرف وعلو المنزلة، ولهذا الله تعالى ذكر نظائر هذه الآية في القرآن الكريم، قال تعالى عن الأنبياء عليهم السلام : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾23 ماذا بعدها ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾23 رفع بعضهم، ليسوا على درجة واحدة، الأنبياء.

وكذلك في قوله تعالى عن سائر الناس في آخر سورة الأنعام : ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾24 وقال تعالى : ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾25 وقال تعالى : ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ ﴾26 فتبين أنها الرفعة في هذه الآية وفي الآيات التي تلوتها، المراد بها الشرف وعلو المنزلة، وهذه من إطلاقات الرفع أو الرفعة في القرآن الكريم ؛ لأن كلمة ( الرفع ) كما يقول أهل اللغة وأهل التفسير لها إطلاقات متعددة، منها الشرف وعلو الرفعة، ومنها أيضا رفع الأجسام الموضوعة إذا أعليتها من مكانها ومقرها، فإنك ترفعها، ولهذا قال تعالى : ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾27 وهو رفع لشيء معلوم ومعروف، رفعه الله تعالى على بني إسرائيل.

وتارة يكون الارتفاع في البناء، إذا أردت أن تطوله وترفعه أكثر، ولهذا قال تعالى : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ﴾28 فدل على أن الرفعة في أصلها هي تعني مرتبة عالية وأعلى.

فأهل القرآن الكريم هم أهل الرفعة والمكانة عند الله جل وعلا، ثم عند الناس، يرونهم ويحترمونهم ويجلونهم كما سيأتي في الأبواب.

أما الآية الثانية، وهي قوله تعالى : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾2 دائما نسمع في القرآن الكريم " ما كان " ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾29 ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ﴾30 ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾31 آيات كثيرة، أهل التفسير يقولون دائما إذا جاءوا إلى عند مثل هذه الآية وهم يذكرونها في الموضع الأول، يقولون: أي ما ينبغي، ما كان، أي ما ينبغي، ولكن هذا المعنى قاصر يحتاج إلى تعريف ووضع قاعدة وضابط يستطيع طالب العلم أن يعرف المعنى في أي موضع من القرآن الكريم، فقوله تعالى: ما كان، هذه الكلمة إذا جاءتك في القرآن فإنها تستعمل في الشيء الممتنع شرعا وقدرا، وفي هذا الموضع استعملت هذه الكلمة بمنع ما كان شرعا وقدرا كما سيأتي، وأما امتناع الشيء قدرا ففي قوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾32 فهذا أمر ممتنع على الله أن يكون الله ناسيا أو منسيا، قدرا ممتنع وممتنع أيضا شرعا، وهذا مثاله كقوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾31 لو شاء الله أن يعذبهم ونبيهم فيهم لشاء سبحانه، ولكن هذا الأمر ممتنع شرعا كما يقول ذلك أهل التفسير . والذي ذكر هذه الفائدة هو الشيخ ابن عثيمين، يرجع إليه في تفسير هذه الآية في سورة آل عمران، وكتابه مطبوع.

 

قال تعالى أيضا بعدها : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾2 البشر، لفظ بشر يقع على الواحد وعلى الجمع ؛ لأنه بمنزلة المصدر، كلمة بشر تطلق على الفرد وتطلق على المجموع ؛ لأنه بمنزلة المصدر، والبشر هو الواحد والجماعة من بني آدم، يطلق على الإنسان ويطلق على أكثر من إنسان لأنه بشر، لكن سبب التسمية سمي بذلك لأمرين:

الأول: لظهور بشرته، فإن بشرة الإنسان ظاهرة وبارزة لا يغطيها شعر ولا يغطيها صوف ولا يغطيها وبر، ليس كسائر الحيوانات، وإنما بشرته واضحة وبينة.

وقيل الثاني: سمي بشرا لظهور أثر البشارة عليه فيما إذا أخبر بخبر سار، وهذا أمر معروف، إذا جئت إنسانا وأخبرته بما يسره فإنه يتغير وجهه ويستبشر بهذا الخبر، وترى هذا الخبر، يعني سرور هذا الخبر، ظاهرا على قسمات وجهه وفي عينه وفي وجهه كاملا، فتظهر البشارة في وجه الإنسان، ولا مانع يقول العلماء: ولا مانع من اجتماع الأمرين في هذا اللفظ.

ولكن هناك حكمة، الحكمة من أن الله جل وعلا جعل الإنسان ذا بشرة واضحة للناس، يرون بشرته بدون أن يغطيها شيء، قالوا: الحكمة في ذلك أن يبحث عما يقيه من حر الشمس وما يستر به عورته وما يحفظ به سوأته، ثم أيضا يذكره هذا الذي هو الكساء الحسي، يذكره بأن يسعى في اكتساب الكساء المعنوي وهو التقوى، كما قال الله تعالى لبني آدم : ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾33 التي هي التقوى، فالمسلم يسعى بعد أن أنعم الله عليه بهذا اللباس وستر عورته والتجمل بهذا اللباس، أن يسعى في اكتساب اللباس المعنوي وهو لباس التقوى، هذا ما يتعلق بلفظ البشر.

وفي الآية أيضا إشارة إلى ثلاثة أشياء، الآية فيها إشارة إلى ثلاثة أمور، وتتبعوا معي في الآية أن الله تعالى قال : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ ﴾2 هذا الأول، والحكم، هذا الثاني، والنبوة، هذا الثالث.

فإيتاء الكتاب هو ما جاء في الوحي المنزل، والحكم هو العلم والفهم، والنبوة هي التبليغ والإخبار عن الله تعالى، فهذه ثلاثة أمور جاءت مرتبة ترتيبا دقيقا ومنظما.

ولكن لماذا قال: النبوة، مع أنه تقدم وقال الله تعالى : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ ﴾2 فالكتاب لا يؤتى إلا لمن ؟ للنبي، فلماذا ذكر النبوة مرة ثانية ؟ هل لهذا وجه ؟ لهذا وجه، يعني ما وجه ذكر النبوة بعد ذكر قوله تعالى : ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ ﴾2 الجواب أنه قد يطلق إيتاء الكتاب على من أرسل إليهم به، لا من أرسل به، يعني القوم قد يطلق عليهم أنهم أوتوا الكتاب لكنهم لم يرسل إليهم، لم يُنَبَّئوا ولم يبلغوا برسالة يبلغونها، ودل على هذا قوله تعالى : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾34 وقال تعالى : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾35

ثم قال الله تعالى، وهو الثاني: النبوة، النبوة إما أن تكون مهموزة أو غير مهموزة، اللفظ إما أن يكون بهمز: النبوءة، أو النبوة، وبالهمز قرأ نافع براوييه، في جميع القرآن الكريم ما عدا موضعين في الأحزاب وسائر وعامة القراء قرؤوا بدون همز: النبوة، والنبوة إذا سارت واوية هي من الارتفاع ؛ لأن رتبة الأنبياء أعلى رتبة، وأعلى طبقة في الخلق هم رتبة الأنبياء، فإنها مأخوذة من النَّبْوَة وهو الارتفاع.

 

والثاني: الذي هو الهمز في كلمة ( النبوءة ) تكون مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، فالنبي أو الرسول منبأ ومنبئ، يعني منبأ من عند الله ومنبئ للناس، منبئ لقومه أو منبئ لمن بعث إليهم من سائر الناس، فإما أن تكون اللفظة مهموزة أو غير مهموزة ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ﴾2 .

ثم قال الله تعالى : ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾2 هنا في هذه الكلمة : ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ﴾2 هذا هو الممتنع الذي انصب عليه النفي، النفي أين جاء فيه ؟ جاء في أول الكلام ﴿مَا كَانَ ﴾2 فالذي انصب النفي عليه هو القول أن يأتي ويقول: يا ناس كونوا عبادا لي من دون الله.

وفي كلمة : ﴿ثُمَّ يَقُولَ ﴾2 قراءتان ؛ القراءة الأولى متواترة والثانية شاذة، القراءة المتواترة هي قراءة النصب : ﴿ثُمَّ يَقُولَ ﴾2 وهي عطف على ما تقدم : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ ﴾2 والتقدير: ثم أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، فهي معطوفة على المنصوب المتقدم في قوله : ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ ﴾2 وقرئ شاذا بالرفع: ( ثم يقول للناس ) على الاستئناف، وليست على العطف، إذن كلمة ﴿ثُمَّ يَقُولَ ﴾2 هذا هو الممتنع الذي لا يمكن أن يقع.

وقوله : ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾2 فحال الإنسان بين ثلاثة أمور:

أن يكون عبدا خالصا لله تعالى، أو أن يكون عبدا لله ولغيره، أو أن يكون عبدا لغير الله ؛ أي ثلاثة أحوال، فالأول هو المخلص، والثاني والثالث هو المشرك بالله جل وعلا، فالأول هو المتحقق في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأمران الثاني والثالث، هذا هو المنتفي، ولهذا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخلص الناس لله تعالى، قال الله تعالى : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾36 أمره الله تعالى أن يكون مخلصا، وقال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ﴿ قَانِتًا لِلَّهِ ﴾37 يعني أنه مخلص لله تعالى في عبادته ودعوته، في عبادته لربه ودعوته الناس إلى عبادة ربهم، ولهذا ذكر الله تعالى في سور متعددة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم عبدوا الله حق عبادته، وأنهم دعوا الناس إلى عبادة الله خالصة، وكل نبي يقول لقومه: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وتكرر لفظ العبودية أيضا من الأنبياء في سورة الأعراف: أن اعبدوا الله واتقوه، من الأنبياء عليهم السلام لبيان هذا الحق العظيم الذي هو لله جل وعلا وليس لغيره.

ثم قال الله تعالى : ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ ﴾2 هذا استدراك، قوله تعالى: ولكن، هذا استدراك، وهو واقع أيضا في مقابلة النفي الذي صدرت به الآية ؛ لأن في الجملة حذفا، ولا بد أن يقدر، وهذا التقدير: ولكن يقول: كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، حتى نفهم معنى السياق ودلالته حينئذ، وكلمة ( ربانيين ) واحدهم رباني، وهو من كان عبدا لله خالصا لوجهه، وكلمة الرباني نأخذ منها أربع فوائد:

الفائدة الأولى: أن الرباني هو الذي يربي الناس على صغار المسائل قبل كبارها.

الفائدة الثانية: أن الرباني هو الذي يربي الناس على شريعة الله تعالى، بالعلم والدعوة والعبادة والأخلاق والمعاملة الحسنة.

الفائدة الثالثة : أن الرباني هو العالم بدين الرب، الذي يعمل بعلمه ؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم بل جر على نفسه وبالا وخزيا وعارا، فلا بد من العمل بالعلم.

الفائدة الرابعة: أن الرباني منسوب إلى التربية أو إلى الربوبية، فباعتباره مضافا إلى الله ربوبية، وباعتباره مضافا إلى الإصلاح يعني إصلاح الشيء، فهو تربية، يعني باعتبار مضافين، إذا أضيف إلى الله تعالى فإنه ربوبية، وإذا أضيف إلى إصلاح الشيء وتنميته، فإنها تربية.

ولهذا فإنه لا يصح شرعا أن يطلق على الإنسان رب إلا مضافا، فيقال: رب الدار، رب السيارة، رب الإبل، وإنما يطلق على الله تعالى بغير إضافة، فهو مختص بالله جل وعلا، ولهذا أنكر يوسف عليه السلام قال : ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾38 فالرب إذا أضيف صح إطلاقه على البشر، وأما إطلاقه بدون إضافة فلا يصح حينئذ.

والمعنى معنى هذه الآية، ما معنى كونوا ربانيين ؟ أي كونوا مخلصين للرب متعبدين له مربين للخلق على ما تقتضيه الشريعة ويقتضيه الإسلام، وفسرها الصحابة والتابعون بتفسيرات متعددة، فقالوا: الربانيون، أو معنى ربانيين ؛ أي كونوا فقهاء حكماء علماء أتقياء، والمعنى مشتمل أو محتمل لكل هذه المعاني.

وقوله : ﴿بِمَا كُنْتُمْ ﴾2 هذه سببية، أي بسبب تعليمكم للناس كونوا قدوة لغيركم، اعملوا بما تتعلمون، وادعوا الناس إلى الخير وحثوهم عليه، لا يرى منكم الناس شيئا يخالف ذلك، فإن هذا مذمة وعار على الإنسان.

وفي قوله تعالى : ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾2 تعلمون فيها قراءتان سبعيتان، الأولى: ( بما كنتم تعلمون ) وهي قراءة الكوفيين وابن عامر، والكوفيون هم حمزة وعاصم والكسائي، وقرأ معهم ابن عامر، قرؤوا بالتشديد: ( بما كنتم تعلمون ) بضم التاء وتشديد اللام مع كسرها، وقرأ بقية القراء: ( بما كنتم تعلمون ) بالفتح بدون تشديد، أي بالتخفيف، ولكن التشديد هنا أبلغ ؛ لأن ذاك يتعلم فقط يعلم، أما التشديد فإنه يعلم ويعلم، اجتمع فيه أمران: أمر التعلم وأمر التعليم، وأما على القراءة الثانية بالتخفيف، فليس فيها إلا التعلم، يقول العلماء: فالتشديد أبلغ لأن كل معلم عالم، بمعنى يعلم، وليس كل من علم شيئا يكون معلما، فالتشديد يدل على مزيتين: على مزية العلم والتعليم، وأما التخفيف فليس فيه إلا واحدة وهي العلم فقط، فالتعليم أبلغ وأمدح حينئذ.

 

﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾2 دلالات هذه الآية:

دلت هذه الآية على أمور:

أولها: فضل العلم ومزية أهله، وأعظمه علم القرآن الكريم ؛ لأنه جاء في بعض التفاسير أن الربانيين هم أهل القرآن، ولهذا استشهد بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على فضائل القرآن الكريم، هذا وجه الاستشهاد.

 

الأمر الثاني: دلت الآية على أن التعليم نفعه متعد للآخرين، وما كان متعديا للآخرين فهو أفضل وأعظم أجرا، والله تعالى قد قال : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾39 وقال تعالى : ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾40 أي لن يعدموا فضله وثوابه.

ودلت الآية على الإخلاص لله تعالى في طلب العلم، وأن العلم والتعلم والتعليم والدراسة، تستوجب على الإنسان أن يكون ربانيا ؛ أي عابدا للرب جلا وعلا بهذا العلم، فلا يصرفه لشيء آخر ولا يتعلمه لعرض من الدنيا، ولا لينال به مكانة ووجاهة عند الناس، ليقال: إن فلانا عالم وفلانا حافظ وفلانا معه قراءات ومجاز وكذا، حتى إن ابن الجوزي في تلبيس إبليس ذكر ما يلبس به الشيطان على القراء لأنهم يذهبون ويتتبعون الأسانيد ويأخذون الإجازات من كل مكان، حتى يقال: إن فلان معه إجازات، قال: إن هذا من تلبيس إبليس على من يقرأ القرآن الكريم، فإذا قرأ رواية فالحمد لله، ولكن إذا قرأ عدة روايات وجعلها بينه وبين ربه إلا من جاء يطلب منه العلم فيعطيه حينئذ، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يباهي وأن يفاخر.

 

من طلب علما، في الحديث : « من طلب علما مما يبتغى به وجه الله لا يجد رائحة الجنة أو عرف الجنة »41 وفي الحديث الآخر : « من طلب علما ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو ينال به عرضا من الدنيا، أدخله الله النار »42 رواه ابن ماجه، يعني هناك أحاديث عظيمة تخوف طالب العلم وقارئ القرآن من أن يدخله الرياء في قلبه من الشهرة والذكر والثناء بين الناس، فلا بد أن يكون مخلصا لله جل وعلا، وهذه الآية دلت عليه.

 

الأمر الرابع: دلت الآية على عصمة الأنبياء، وأنهم أمناء في التبليغ عن الله، فلا يصح شرعا ولا عقلا أن يأتي نبي ويأمر الناس أن يعبدوه من دون الله، فالأنبياء هم أول الموحدين لله تعالى ولا يصح، وإن كانت الآية جاءت في سياق نصارى نجران، حينما ذكروا عن عيسى عليه السلام ووسموه بالألوهية، والسورة من أولها ربما إلى قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِك ﴾43 أنها في نصارى نجران، فكانوا يسمون عيسى عليه السلام بالألوهية، وحاورهم النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك : ﴿ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ﴾44 إلى آخر الآية فيها، وفي أولها، ولكن الله تعالى بعد أن ذكر ما لعيسى من المقام والرفعة عند الله جل وعلا قال : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ ﴾2 إلى آخره ، ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾2 فنفى الله تعالى عنه ذلك.

الأمر الخامس : أن النبوة تقتضي العبودية الكاملة لله تعالى والخضوع التام للواحد القهار جل وعلا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾36 ويقول موسى عليه السلام : ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾45 كانوا يفتقرون إلى الله ويلجئون إليه وهم الأنبياء المعصومون المؤيدون بالوحي من الله تعالى.

الأمر السادس: دلت الآية على قيام العلماء بواجب النصح للأمة والإصلاح في المجتمع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا ما يتعلق بهذه الآية أو بهذه الآية والآية التي تليها.

ثم ساق المؤلف جملة من الأحاديث في فضائل سور القرآن، وهناك قاعدة يذكرها أهل العلم، يقول العلماء: إن الأحاديث الثابتة في فضائل القرآن هي قليلة وليست كثيرة، ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يتأكد ويتحرى صحة الأحاديث في فضائل القرآن الكريم، ولا يسلم لكل حديث يأتي إلا بعد أن يتأكد من صحته وصحة سنده وثبوته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

جاء هذا الحديث الذي فيه ثناء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل القرآن، ووصف منه عليه الصلاة والسلام لأهل القرآن وما هم عليه من الرفعة والمكانة، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة »3 والماهر جمعه مهرة، والماهر في الأصل هو الحاذق لكل عمل المتقن له، وأما في وصف القرآن الكريم فإنه الحافظ الكامل الحفظ الذي لا يتردد في حفظه، ومتقن لحفظه وتلاوته، وضابط لما يحفظه، يعني يعرف مواطن الوقف والابتداء، ويعرف مخارج الحروف وصفاتها، ويعرف الأحكام المتعلقة بالتلاوة، فهو يفصح القرآن ويحبره تحبيرا، فهذا هو الحاذق الذي بلغ الرتبة العليا في القراءة، ولهذا جعل الله تعالى له أجورا متعددة، لم يحدد له أجرا كما ذكر في الذي يتعتع، قال: له أجران، وإنما قال في حق الماهر قال: مع السفرة الكرام البررة، والبررة هو وصف للملائكة ؛ لأن كلمة السفرة هي الكشف والبيان أنهم ظاهرون فيما يقولون ؛ لأن كلمة سفرة تدل على الكشف والبيان والظهور، لهذا يقال: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت.

قال الله تعالى : ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴾46 أي بان وظهر وبان ضوءه، ظهر للناس انكشف، ومنه قيل للتفسير تفسير لأنه يكشف عن بيان معنى الآية ودلالاتها، قال الله تعالى : ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾47 أي أحسن بيانا ووضوحا، فلهذا سمي السفرة بهذا الاسم، فإذن المتتعتع في القرآن الكريم هو الذي يجد صعوبة في النطق به، ويتردد لسانه في قراءة القرآن الكريم، وقد يتبلد لسانه في إخراج الحرف، لا يستطيع أن يظهره سليما فصيحا بينا متقنا مضبوطا، لا يستطيع لكنه يتمنى ذلك، رغبته يتمنى لكنه يجاهد نفسه، لأن الماهر كان يتعتع فلما جاهد نفسه بالقراءة ترقى إلى رتبة أعلى حتى أصبح ماهرا في التلاوة حاذقا لها ضابطا متقنا لهذه التلاوة، كما ضبط أبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأسيد بن حضير وغيرهم كانوا من القراء الضابطين المتقنين الحذاق، أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام.

 

لكن لا يفهم أن لذلك أجرين، وليس للحاذق أو الماهر، ليس له إلا أجر واحد ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر له أجرين، فأجر الحاذق أكثر من أجرين، أجر الحاذق أكثر من أجرين، بل هو أجور متعدية لا تحد بحد.

فالماهر بالقرآن قد فاق غيره ممن هو دونه بالفضل والأجر والثواب من الله تعالى، كيف لا وهو مع ملائكة الله يحفظونه ويكرمونه ويقومون بحمايته وحراسته من كل شيء، فإذن هذا فضل عظيم، فالحديث يدل على دلالات عظيمة، منها:

أولا: الحث على الاجتهاد في تقوية النطق بالقرآن الكريم وتحسين اللفظ به، ودل الحديث أيضا على عظم ثواب المكثر لتلاوة القرآن المجيد لتلاوته، ودل الحديث كذلك على أن الإنسان وإن كان ضعيفا في النطق لا يستطيع أن يقيم الحروف، أن يقرأ القرآن أيضا، لا يستنقص نفسه ويقول: أنا لست من قراء القرآن ولن أدرس القرآن ولن .. ولن .. فعليه أن يجتهد ويقرأ حتى ولو كان عاميا، يجاهد نفسه في صحة النطق بالتلاوة والقراءة حتى يستفيد هذا الأجر العظيم ويترقى من أجر إلى آخر، الله تعالى يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾48 ويقول تعالى : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾49 وقال تعالى : ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾50 فالإنسان لا يبقى على حاله بل يسعى إلى أن يطور نفسه ويجتهد في تقويم نفسه دائما، هذا داخل أيضا في التربية، يربي نفسه على الأشياء النافعة والمفيدة، ومن أعظمها وأجلها قراءة القرآن الكريم ؛ لأن القرآن يمتاز عن غيره من سائر الكلام حتى الحديث القدسي، القرآن فيه أجور عظيمة، وفيه ثواب كبير من الله تعالى.

وهذا الحديث يفسر الآية التي في سورة (فاطر) عندما قال الله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾51 ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾52 .

فأنت أيها القارئ للقرآن تسعى في الأجر من الله، وتبتغي من الله تعالى أن يمنحك أجورا كثيرة، فاعمل، فلا بد من العمل، وخير العمل هو العمل للقرآن الكريم تلاوة وقراءة وتدبرا وعملا واتباعا، حتى تنال الأجر من الله تعالى.

ومعلوم أن الإنسان إذا تعلم القرآن وجاهد نفسه وداوم على القراءة لا شك أنه سوف يترقى من درجة إلى أخرى، وكذلك في الحفظ، إذا داوم وخصص لنفسه وقتا لقراءة القرآن وعرض هذه القراءة على قارئ حافظ متقن ضابط، فسوف يترقى إلى هذه الدرجة العليا بإذن الله تعالى ويكون مع الماهرين، أو مع المهرة الذين هم الحذاق الضابطون.

ثم جاء الحديث الآخر، حديث عثمان رضي الله عنه، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « خيركم من تعلم القرآن وعلمه »4 وهذا الحديث أيضا فيه بيان فضل قراءة القرآن، وكما تقدم: القرآن كله فضائل متعددة لا تنتهي، ولكن هذه الفضائل متى تكتسب ؟ تكتسب إذا أقبل العبد المسلم إلى قراءة القرآن، فإنه ينال هذه الخيرية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، و ( خير ) هي صيغة تفضيل، يعني كأن الذي يتعلم القرآن ويعلم القرآن خير ممن ليس كذلك، ولكنه خير من خير، نحن نقرأ في القرآن أن الله تعالى قد وصف هذه الأمة بمجموعها أنها خير الأمم في قوله تعالى : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾14 .

إذن حتى الذي لا يقرأ القرآن يعني لا يجتهد فيه، هو من خير الناس، فكيف إذا جاء الخير هنا ؟ قال: خيركم، الجواب أن يقال: إن هذا هو خير الخير، يعني أنه اصطفاء من ذلك الخير، خير الخير هم أهل القرآن ؛ لأن الله تعالى وصف أهل القرآن بالخيرية، وهم قد وصفوا بها من الله تعالى من قبل في القرآن الكريم، حيث قال تعالى : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾14 فالذي يقرأ القرآن ويتعاهد القرآن فهو داخل في هذه الخيرية، وتزداد هذه الخيرية خيرا إلى خير إذا قام الإنسان بتعليم القرآن، يعني ما اكتفى بعلم القرآن فقط بل علم غيره ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: « خيركم من تعلم القرآن وعلمه »4 أي علمه لغيره وهذا الحديث دل على فوائد:

أولها: حصول الخيرية لمن تعلم القرآن وعلمه وأخلص لله.

الثانية: تزداد الخيرية خيرا على خير لمن علم القرآن لغيره من الناس.

الثالثة : دل الحديث على الحث على العمل المتعدي نفعه للآخرين ؛ لأن تعليمك للآخرين هو نفع متعد، فإذا علمت غيرك فغيرك سوف يعلم غيره وهكذا، والقرآن ما وصل إلينا إلا كذلك، النبي عليه الصلاة والسلام تلقى القرآن من جبريل، والصحابة تلقوا القرآن من النبي والتابعون تلقوا القرآن من الصحابة، وهكذا تلقى الناس جيلا عن جيل حتى وصل إلينا القرآن غضا طريا، فإذن العمل المتعدي النفع.

ولا تقل: إن هذا سوف يأخذ مني وقتا وجهدا، هذا هو الخير الذي وصف الله تعالى به أهل القرآن الكريم.

الرابعة: الترغيب في تلاوة القرآن الكريم.

الخامسة: أن القرآن أشرف العلوم.

السادسة: أن من تعلم القرآن وعلمه فقد كمل لنفسه ولغيره، أو هو مكمل لنفسه ولغيره، والعمل المتعدي أيها الإخوة نفعه للآخرين، هو الذي كان يحث عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويحث أصحابه ويحث أمته عليه، ولهذا لما جاء عبد الله بن سلام وحفظ من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثا، أكثركم يحفظ هذا الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام »53 فيها نفع قاصر وفيها نفع متعد، ولكنه يذكر الناس بالأمرين، فالأمر المتعدي نفعه إلى لآخرين أعظم أجرا عند الله، فالعالم الذي يعلم الناس العلم والقارئ الذي يُقرئ الناس القرآن، والآمر بالمعروف والذي يسعى على الأرملة والمسكين واليتيم، والذي يطعم الطعام، وهكذا، هذه منافع متعدية، أعمال متعد نفعها إلى الآخرين فأجرها أعظم وأكثر، وهي طريق الفلاح في الدنيا والآخرة كما قال الله تعالى : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾39 وقال تعالى في الآية الأخرى في الأمر بالمعروف : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾54 ماذا بعدها ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾54 إذن حكم عليهم بالفلاح وحقق لهم الفلاح لأن أعمالهم متعدية المنافع، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسارعة في الخيرات.

 

ولهذا أثنى الله تعالى على طائفة من أهل الكتاب بقوله : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾55 ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾56 ماذا بعدها ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾56 ثم قال : ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾40 يعني لن يعدموه ينبغي تدبر القرآن.

وهذا من فضائل القرآن يا إخوان، حينما تقرأ حديثا يحث على تلاوة القرآن وعلى الأجر المترتب أو تقرأ آية، لا تمر عليها مرور الكرام، وإنما تأمل وتدبر لأن الله تعالى أمر وحث على التدبر وقال : ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾57 نقف عند هذا القدر وهناك أحاديث أخر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

 

1 : سورة المجادلة (سورة رقم: 58)؛ آية رقم:11
2 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:79
3 : البخاري : تفسير القرآن (4937) , ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (798) , والترمذي : فضائل القرآن (2904) , وأبو داود : الصلاة (1454) , وابن ماجه : الأدب (3779) , وأحمد (6/48) , والدارمي : فضائل القرآن (3368).
4 : البخاري : فضائل القرآن (5027) , والترمذي : فضائل القرآن (2907) , وأبو داود : الصلاة (1452) , وابن ماجه : المقدمة (211) , وأحمد (1/57) , والدارمي : فضائل القرآن (3338).
5 : مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (804) , وأحمد (5/249).
6 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:219
7 : سورة الأعراف (سورة رقم: 7)؛ آية رقم:199
8 : سورة يونس (سورة رقم: 10)؛ آية رقم:58
9 : سورة المائدة (سورة رقم: 5)؛ آية رقم:54
10 : سورة القيامة (سورة رقم: 75)؛ آية رقم:17
11 : سورة القيامة (سورة رقم: 75)؛ آية رقم:18
12 : سورة العلق (سورة رقم: 96)؛ آية رقم:1
13 : سورة الإسراء (سورة رقم: 17)؛ آية رقم:9
14 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:110
15 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:98
16 : سورة فاطر (سورة رقم: 35)؛ آية رقم:28
17 : سورة القصص (سورة رقم: 28)؛ آية رقم:80
18 : سورة الروم (سورة رقم: 30)؛ آية رقم:56
19 : سورة العنكبوت (سورة رقم: 29)؛ آية رقم:49
20 : مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (817) , وابن ماجه : المقدمة (218) , وأحمد (1/35) , والدارمي : فضائل القرآن (3365).
21 : أحمد (3/489).
22 : سورة النصر (سورة رقم: 110)؛ آية رقم:1
23 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:253
24 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)؛ آية رقم:165
25 : سورة الأنعام (سورة رقم: 6)؛ آية رقم:83
26 : سورة غافر (سورة رقم: 40)؛ آية رقم:15
27 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:63
28 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:127
29 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:179
30 : سورة الأحزاب (سورة رقم: 33)؛ آية رقم:36
31 : سورة الأنفال (سورة رقم: 8)؛ آية رقم:33
32 : سورة مريم (سورة رقم: 19)؛ آية رقم:64
33 : سورة الأعراف (سورة رقم: 7)؛ آية رقم:26
34 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:146
35 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:121
36 : سورة الزمر (سورة رقم: 39)؛ آية رقم:11
37 : سورة النحل (سورة رقم: 16)؛ آية رقم:120
38 : سورة يوسف (سورة رقم: 12)؛ آية رقم:39
39 : سورة الحج (سورة رقم: 22)؛ آية رقم:77
40 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:115
41 : أبو داود : العلم (3664) , وابن ماجه : المقدمة (252) , وأحمد (2/338).
42 : الترمذي : العلم (2655) , وابن ماجه : المقدمة (253).
43 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:121
44 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:61
45 : سورة القصص (سورة رقم: 28)؛ آية رقم:24
46 : سورة المدثر (سورة رقم: 74)؛ آية رقم:34
47 : سورة الفرقان (سورة رقم: 25)؛ آية رقم:33
48 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:197
49 : سورة محمد (سورة رقم: 47)؛ آية رقم:17
50 : سورة مريم (سورة رقم: 19)؛ آية رقم:76
51 : سورة فاطر (سورة رقم: 35)؛ آية رقم:29
52 : سورة فاطر (سورة رقم: 35)؛ آية رقم:30
53 : الترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2485) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1334) , وأحمد (5/451).
54 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:104
55 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:113
56 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:114
57 : سورة ص (سورة رقم: 38)؛ آية رقم:29