موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة الشارح - شرح فقه المعاملات المالية المعاصرة
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح فقه المعاملات المالية المعاصرة لفضيلة د. سعد بن تركي الخثلان
  
 
 شرح فقه المعاملات المالية المعاصرة
 مقدمة الشارح
 أحكام الأوراق المالية
 الشركات المساهمة
 الصناديق الاستثمارية
 مسائل متعلقة بشركات المساهمة
 الأوراق النقدية
 أحكام بيوع التقسيط
 حقيقة بيع العينة والتورق
 التأجير المنتهي بالتمليك
 بطاقات الائتمان
 عقود التوريد وعقود المناقصات والمزايدات
 المسابقات التجارية وأحكامها
 شركات التسويق الهرمي
 الأوراق التجارية
 خصم الأوراق التجارية
 قبض الأوراق التجارية
 شيكات التحويلات المصرفية
 جمعيات الموظفين
 التأمين
 خطاب الضمان
شرح فقه المعاملات المالية المعاصرة - مقدمة الشارح
مقدمة الشارح

فقه المعاملات المالية المعاصرة

مقدمة الشارح

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. أما بعد:

فأسأل الله تعالى أن يبارك في هذه الدورة العلمية، وأن يجزى القائمين عليها خير الجزاء، وأن ينفع بها الجميع، وأن يجعلها من العلم النافع الذي ينتفع به.

أيها الإخوة: هذه الدورات العلمية هي من نعم الله تعالى علينا؛ إذ أنها تجمع علوما كثيرة في وقت وجيز، وقد نفع الله تعالى بها نفعا عظيما.

وقبل أن أبدأ بالحديث عن درسنا أذكر ببعض الأمور التي أرى أن من المهم التنبيه عليها:

أولا: أقول أيها الإخوة إن وجودنا في هذا المكان عبادة جليلة من أجل العبادات، إذ أنها اجتماع على طلب العلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة »1 وقد ذكر العلماء أن الاشتغال بطلب العلم الشرعي أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات. وممن نص على هذا النوويفي مقدمة المجموع وغيره، وعللوا ذلك بأن طلب العلم نفعه متعدد بينما نوافل العبادات نفعها قاصر على صاحبها، ومن هنا كان الاشتغال بطلب العلم أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات، كيف وقد جعله الله عز وجل قسيما للجهاد في سبيله، فقال: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ﴾2 .

وأوصي مع بداية هذه الدورة باستحضار إخلاص النية لله عز وجل في طلب العلم، فإن هذا هو شرط لا بد منه في طلب العلم، وإلا فإن هذا العلم يصبح وبالا على صاحبه يوم القيامة، إذا لم يحقق طالب العلم الإخلاص لله عز وجل في طلبه العلم فإن هذا العلم يصبح وبالا على صاحبه يوم القيامة. ويدل لذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة »3 وذكر منهم رجلا تعلم العلم وعلمه الناس وقرأ القرآن فيؤتى به فيعرفه نعمه فيعرفها فيقول: « ما عملت فيها؟ فيقول: يا رب تعلمت فيك العلم وعلمته الناس وقرأت فيك القرآن، فيقول الله له: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل -أي نلت جزاءك في الدنيا وأجرك في الدنيا- ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار »4 .

قال بعض أهل العلم: لو أن هذا سلم من هذا العلم لكان خيرا له؛ لأنه أصبح هذا العلم وبالا عليه، فأصبح من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهذا يبين لنا أهمية إخلاص النية لله عز وجل في طلب العلم، وذلك بأن ينوي به طالب العلم رفع الجهل عن نفسه، ورفع الجهل عن غيره، والدعوة إلى الله عز وجل، والدفاع عن دينه، ولا يريد بذلك رياء ولا سمعة ولا عرضا من الدنيا.

الأمر الثالث: أوصي بالصبر والجلد في طلب العلم، فإن العلم كما قيل: إن أعطيته كلك أعطاك بعضه. والعلم أيها الإخوة لا ينال دفعة واحدة، لا يأتي للإنسان دفعة واحدة وإنما يحصله الإنسان شيئا فشيئا. وقد كان السلف رحمهم الله يرحلون في سبيل طلب العلم، حتى أصبحت الرحلة في طلب العلم أمرا معروفا ومعهودا عند السلف، بل أصبح من لم يرحل في طلب العلم عندهم، يصبح ذلك مثلبا في حقه، بل إن من السلف من رحل من أجل سماع حديث واحد فقط، ومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه فإنه رحل من المدينة إلى الشام من أجل سماع حديث واحد فقط.

قد أشار إلى هذه القصة البخاري في صحيحه معلقا لها بصيغة الجزم، وذلك أن جابرا بلغه أن عند عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه رضي الله عن الجميع- حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فرحل جابر ومكث في هذه الرحلة شهرا، رحل وحده على بعيره، وبعد شهر وصل إلى الشام، فاعتنقه عبد الله بن أنيس وسأله جابر، قال: بلغني أن عندك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم فخشيت أن أموت أو تموت، فذكر له قول النبي صلى الله عليه وسلم: « يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاّ »5 الحديث، فرجع جابر بن عبد الله ومكث في العودة شهرا آخر، أي أنه مكث شهرين كاملين من أجل سماع حديث واحد فقط.

وأبو أيوب الأنصاري أيضا رحل من المدينة إلى مصر من أجل سماع حديث واحد فقط؛ ولهذا لا يستكثر طالب العلم أن يأتي إلى مثل هذا المكان ولو من مكان بعيد. السلف يرحلون إلى طلب العلم.

وأقول: إن العلم يحتاج إلى صبر وإلى جلد وإلا فمن أراد أن ينال العلم براحة الجسد فإنه أراد المحال، أخرج مسلم في صحيحه عن يحيي بن أبي كثير أنه قال: « لا ينال العلم براحة الجسد »6 والعجيب أن مسلما ذكر هذا في باب مواقيت الصلاة. قال بعض الشرّاح: أن المناسبة: أن مسلما ذكر عدة روايات تعب واجتهد في جمعها، ثم ذكر هذا الأثر عن يحيي بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسد.

وثمرة العلم هي العمل به وإلا علم بلا عمل لا فائدة منه، لا فائدة من علم بلا عمل، ومن المؤسف أن تجد بعض طلاب العلم -الذين ينبغي أن يكونوا قدوة لغيرهم- تبدر منهم تصرفات -خاصة فيما يتعلق في أبواب المعاملات- أقل ما يقال فيها إن فيها شبهة، وطالب العلم ينبغي أن يكون قدوة لغيره في البعد عن المشتبهات فضلا عن المحرمات؛ ولذلك فينبغي أن يكون عاملا بما علم، قدوة لغيره من الناس في المبادرة في الطاعات والبعد عن المشتبهات فضلا عن المحرمات.

وأوصي كذلك بضبط العلم ووضع الآلية المناسبة لحفظه وضبطه، فإن بعض الإخوة يبذلون جهدا كبيرا في طلب العلم، ربما حضروا دروسا كثيرة، ودورات كثيرة لسنوات ومع ذلك فإن تحصيلهم ضعيف، والسبب في هذا وجود الخلل في آلية تحصيل العلم، فتجد أن هؤلاء عندهم خلل ولكن لم يراجعوا أنفسهم لسد هذا الخلل.

وأقول أيها الإخوة: أن من أسباب هذا الخلل عدم تقييد العلم؛ لأن الذاكرة في الوقت الحاضر ضعفت عند الناس ليست كما كانت عليه في السابق، كان العرب في السابق، كانت تسمع القصيدة من مائتي بيت لمرة واحدة وتستعيب أن تطلب من ملقيها أن يعيدها مرة أخرى؛ يرون أن هذا عيب، يحفظونها جميعهم، ولكن في الوقت الحاضر كما ترون ضعفت الذاكرة عند الناس؛ ولهذا فإن من يستمع إلى درس ولا يقيده فإنه سوف ينساه، وبالتالي يبقى في دوامة، يحفظ الدروس وينسى. صحيح أنه يكسب الأجر والثواب، إذا أخلص النية لله عز وجل لكن من جهة ضبط العلم وتحصيله لا يستفيد.

وهذه يا إخوان نقطة -يعني- في غاية الأهمية ولذلك لا بد من ضبط العلم ووضع الآلية المناسبة لضبطه، والاستفادة من الدروس العلمية والدورات العلمية، ويكون ذلك بتقييد العلم إما بكتابته، وإما بالتسجيل فإن وجود هذه المسجلات من نعم الله تعالى على الناس، وبعض الإخوة لهم في هذا طريقة جيدة وهو أنهم يأتون بنوتات صغيرة يقيدون فيها الفوائد وما يحصلون في مثل هذه الدورات العلمية، ومع مرور الوقت يكونون قد حصّلوا فوائد كثيرة، وتكون هذه النوتات الصغيرة توضع في الجيب حيث يراجعها الإنسان من حين لآخر خاصة في أوقات فراغه.

المهم أن توجد الآلية المناسبة لضبط وتقييد العلم. أما أن الإنسان يحضر دروسا بغير ضبط فإنه لا يستفيد كثيرا، ولا ينتفع كثيرا.

بعد ذلك أقول أيها الإخوة درسنا كما أعلن: هو في فقه المعاملات المالية المعاصرة، وهذا الموضوع هو في غاية الأهمية، ولو تأملت معظم استفتاءات الناس لوجدت قدرا كبيرا منها في هذا الموضوع؛ إذ أنه في الحقيقة يمثل الفقه العملي للناس، وقد أصبح عند كثير من الناس في الوقت الحاضر وعي فكثرت الأسئلة عن كثير من المعاملات المالية المعاصرة، وهذه المعاملات تحتاج إلى تقعيد وإلى تأصيل وإلى معرفة آراء العلماء المعاصرين فيها.

وفي هذه السلسلة من الدروس سوف نبين إن شاء الله تعالى شيئا من هذا، وسندرس أبرز المسائل التي يحتاج إليها الناس من هذه المعاملات، ومن ذلك: سوف نتكلم إن شاء الله تعالى عن بيوع التقسيط، وبيع المرابحة للآمر بالشراء، والشركات المساهمة، وحكم تداول الأسهم، والصناديق الاستثمارية وحكم الدخول فيها، والمضاربة في البنوك والشركات وتطبيقاتها المعاصرة، وإجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، والأوراق المالية والأوراق النقدية، والأوراق التجارية، وبطاقات الائتمان، وتشمل بطاقات الصرف الآلي، وبطاقات الفيزا، والماستر كارد، والتورق المصرفي، والتأجير المنتهي بالتمليك، والتحويلات المصرفية، وعقود التوريد والمناقصة، والمزايدة، وخطابات الضمان، والشرط الجزائي، والتضخم وتغير قيمة العملة، وفرض غرامة على المدين المماطل، والتسويق الهرمي، وصرف العمولات، وودائع البنوك، والمسابقات التجارية، وعقود الصيانة، وبطاقات التخفيض، والحقوق المعنوية، وبدل الخلو، والتنضيض الحكمي، والقبض وصوره المستجدة.

هذه هي أبرز المسائل التي سوف ندرسها إن شاء الله تعالى، وربما إذا كان معنا وقت أيضا ندرس مسائل أخرى، لكن هذه هي أبرز المسائل التي يكثر السؤال عنها والتي يحتاج الناس إلى بيانها.

أما المنهج الذي سوف نسير عليه إن شاء الله تعالى في هذه الدروس فهو تصوير المسألة المراد طرحها تصويرا دقيقا مع الحرص على تبسيط العبارة قدر ما أمكن، ومن كان عنده استشكالات وهي واردة خاصة في بعض المصطلحات فلعله يجاب عنها بعد نهاية الدرس، وعرض آراء الفقهاء المعاصرين في المسألة المراد طرحها، ومع التركيز على المجامع الفقهية والهيئات العلمية ونقل قراراتها وبيان القول الراجح في تلك المسائل المراد طرحها.

ولعلنا نبدأ بمدخل لهذه الدروس، مدخلا أرى أنه لا بد منه، وأنه مهم في هذا.

أقول أيها الإخوة: إن العالم اليوم يشهد تطورا ماديا وفكريا سريعا، وقد شمل ذلك معظم جوانب الحياة، وكان عالم الاقتصاد والتجارة مجالا فسيحا وواسعا من هذا التطور، وكان من نتاج ذلك أنه ابتكرت أدوات وصيغ وأساليب في العقود وفي المعاملات لم تكن معروفة من قبل.

ومعلوم أنه ما من قضية تقع إلا ولله تعالى فيها حكم، علمه من علمه وجهله من جهله، ولا بد من قائل بالحق؛ يعني لا يمكن أن تكون مسألة من المسائل يخفى فيها الحق على جميع العلماء، هذا لا يمكن؛ لأن هذا يتنافى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: « لن تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين »7 لا بد من وجود قائل بالحق، ولا يمكن أن تجمع الأمة على ضلالة.

وقد استوعبت شريعة الإسلام جميع الحوادث والنوازل التي تقع للناس، وعلى مدار أربعة عشر قرنا استوعبت هذه الشريعة العظيمة جميع الحوادث والنوازل والقضايا، وشريعة الإسلام قد حُكّمت في ديار متباعدة وأقطار مترامية مددا طويلة وقرونا متوالية وأزمنة متتالية، وعايشت جميع التيارات والبيئات وعصور الرخاء والشدة والقوة والضعف، وواجهت الأحداث في جميع الأطوار، ولاقت مختلف العادات والتقاليد، ومع ذلك شملت هذه كلها، فما عجزت عن واقعة، ولا قصرت عن حاجة.

فلم نجد يوما من الأيام أن العلماء لم يجدوا حكما لقضية من القضايا، بل شملت جميع جوانب الحياة، وقد أكمل الله تعالى هذا الدين وأتم نعمه، قال أبو ذر رضي الله عنه: " ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائر يطير بجناحيه إلا وذكر لنا منه علما".

أقول أيها الإخوة: ومع هذا التطور والتقدم ووجود معاملات حديثة لا بد للمسلم من التفقه فيها، خاصة من يتعامل بالبيع والشراء، أو يعمل في التجارة ومن يحتاج إلى تلك التعاملات، على أن أكثر الناس -إن لم يكن جميع الناس- لا يخلو من نوع احتياج إلى تلك التعاملات الحديثة، فمثلا: بطاقات الصرف الآلي أصبح جلّ أو جميع الناس يحملونها، فإذن جل الناس أو جميع الناس يحتاجون إلى معرفة هذه المسائل والتفقه فيها. لكن ذلك يتأكد على من يتعامل بالتجارة والبيع والشراء.

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقيم من الأسواق من ليس بفقيه، والمراد هنا بالفقه الفقه النسبي يعني الفقه في مسائل الحلال والحرام، وليس معني ذلك أن يكون -يعني- فقيها في جميع أمور الدين ولكن المقصود أن يكون فقيها فيما يتعامل فيه-، وروى عنه أنه كان يقول: "لا يقعد في أسواق المسلمين من لا يعرف الربا".

وقد أمر الإمام مالك بأن يقام من الأسواق من لا يعرف الأحكام؛ لئلا يقع في الربا ويوقع فيه المسلمين. يقول الرهوني في كتابه " أوضح المسالك " نقلا عن أحد شيوخه: أنه أدرك المحتسب يمشي على الأسواق ويقف على كل دكان، فيسأل صاحبه عن الأحكام التي تلزمه في بيعه، ومن أين يدخل عليه الربا، وكيف يتحرز منه، فإن أجابه أبقاه في الدكان، وإن جهل شيئا من ذلك أقامه منه وقال: لا يمكنك أن تقعد في أسواق المسلمين تطعم الناس الربا ومالا يجوز.

والدخول في التجارة من غير معرفة الأحكام الشرعية فيه خطر عظيم على دين المسلم، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: « يا معشر التجار. فاستجابوا للنبي صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى وبر وصدق »8 هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد.

وقال عليه الصلاة والسلام: « إن التجار هم الفجار. فقالوا: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون »9 رواه أحمد والحاكم، قال المنذري إسناده جيد.

وفي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة »10 رواه ابن ماجه وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عند الترمذي.

وعن قيس بن أبي غرزة رضي الله عنه قال: « كنا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم نسمى السماسرة فمر بنا يوم بالمدينة فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف - وفي رواية " والكذب " - فشوبوه بالصدقة »11 أخرجه أبو داوود.

وفي رواية للترمذي: « إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة »12 وإسناده صحيح.

وقد اعتنى فقهاؤنا رحمهم الله بأبواب المعاملات، وأصلّوا هذه الأبواب، وذكروا فيها قواعد جامعة، يستطيع الإنسان ويستطيع طالب العلم الانطلاق منها، حتى إن فقهاءنا ذكروا معاملات لم تقع، حتى إذا وقعت يكون طالب العلم على معرفة وعلى علم بها؛ ولذلك لا تجد كتاب فقه إلا وفيه قسم مخصص لأبواب المعاملات.

وأجود المذاهب في المعاملات هو مذهب المالكية والحنابلة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع، كما كان يقال: " عطاء أفقه الناس في المناسك، وإبراهيم النخعي أفقههم في الصلاة، والحسن أجمعهم لذلك كله " قال ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فَضُل فيه لمن استقرأ ذلك من أجوبته، والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب، فإنهما - يعني الإمام مالك والإمام أحمد - يحرمان الربا ويشددان فيه غاية التشديد؛ لشدة تحريمه وعظيم مفسدته، ويمنعان من الاحتيال عليه بكل طريق حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه وإن لم تكن حيلة، وإن كان مالك يبالغ في سد الذرائع ما لا يختلف قول أحمد فيه.

فإذن أجود المذاهب الأربعة في أبواب المعاملات هو مذهب مالك وأحمد - رحمهما الله تعالى.

أيها الإخوة: هذه المعاملات المعاصرة التي يتعامل بها الناس اليوم قد أصبح التعامل بها منتشر في كثير من أقطار الأرض، فالعالم الآن كما يقال أصبح كالقرية الواحدة وارتبط بعضه ببعض، ونشأ ما يسمي بالاقتصاد العالمي، ولهذا يستطيع الإنسان أن يحول أي مبلغ، أن يحول مبلغا ماليا لأي دولة في العالم، وذلك بسبب ارتباط هذا الاقتصاد بعضه ببعض.

وهذا الاقتصاد قد ارتبطت به البنوك، والإشكالية الكبيرة هنا، هو أن نظرة الإسلام لبعض العقود المالية تختلف اختلافا جذريا عن نظرة هذا الاقتصاد العالمي الذي قد ارتبطت به البنوك به، تختلف من الجذور في الأصل؛ ولذلك لا تعجب عندما يفتي بعض مشايخنا بمنع كثير من التعاملات البنكية، مع أن الأصل في باب المعاملات الحل والإباحة، وذلك بسبب أن هذه البنوك وما يسمى بالاقتصاد العالمي تختلف - في نظرتها - من الجذور، عن نظرة الإسلام، وأضرب لهذا مثالين:

المثال الأول: القرض " عقد القرض " القرض: هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، هذا تعريفه عند الفقهاء. كيف ينظر الإسلام للقرض؟ وكيف تنظر البنوك للقرض؟

الإسلام ينظر للقرض على أنه من عقود الإرفاق والإحسان، ولهذا فإن صورة القرض في الأصل صورة ربوية فمثلا عندما تقرض آخر عشرة آلاف ريال، عشرة آلاف ريال هذا مال ربوي نقد، وعند تبادل مال بمال لا بد من التقابض فعندما تقرضه عشرة آلاف ريال مثلا يردها لك بعد سنة مثلا، هذه الصورة في الأصل صورة ربوية.

ولكن الإسلام استثني هذه الصورة عن القرض، تشجيعا للناس على الإرفاق والإحسان والتعاون والتكافل فيما بينهم، فإذا أصبح القرض لا يراد به هذا المعنى وإنما يراد به الربحية والاستثمار خرج القرض عن موضوعه الأصلي الذي أبيح في الإسلام لأجله وهو الإرفاق والإحسان، ورجع لما كان عليه في الأصل وهو أن صورة القرض صورة ربوية، ولهذا يكون هذا القرض محرما، وهذا معنى قول الفقهاء:" كل قرض جرّ نفعا فهو ربا " لأن صورة القرض في الأصل صورة ربوية، ولكنها استثنيت هذه الصورة تشجيعا للإرفاق والإحسان، فإذا أصبح القرض لا يراد به الإرفاق والإحسان، رجعت صورة القرض لأصلها، وهو أنها صورة ربوية، هذه نظرة الإسلام، نظرة الإسلام أن القرض -يعني- يراد به الإرفاق والإحسان والتكافل بين المسلمين.

كيف تنظر البنوك للقرض- الاقتصاد العالمي والبنوك المرتبطة به -؟

تنظر للقرض على أنه وسائل للاستثمار والربحية، معلوم أن البنوك لا تقرض لوجه الله عز وجل، إنما تقرض لأجل الاستثمار. وهنا تبرز الإشكالية، ترد علينا هذه الإشكالية، فنظرة الإسلام إذن للقرض تختلف اختلافا جذريا عن نظرة البنوك للقرض.

المثال الثاني: " الضمان ".

الضمان أيضا من عقود الإرفاق والإحسان، ولا يجوز أخذ عوض على الضمان، وقد اتفقت على هذا المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. لا يجوز أخذ عوض على الضمان، فالإسلام إذن ينظر للضمان على أنه من عقود الإرفاق والإحسان.

أما البنوك، فتنظر للضمان على أنه من وسائل الاستثمار والربحية؛ ولذلك ترد الإشكالية على أخذ عمولة على خطابات الضمان، وسوف نشرح إن شاء الله تعالى هذا بالتفصيل.

فهنا يعني نظرة الإسلام والضمان تختلف اختلافا جذريا عن نظرة الاقتصاد العالمي والبنوك المرتبطة به لهذا العقد.

وهنا يعني تبرز هذه الإشكالية؛ ولذلك لا تعجب كما ذكرت عندما تجد بعض المفتين يمنع كثيرا من التعاملات البنكية مع أن الأصل في هذا الباب الحل والإباحة.

أقول أيها الإخوة بعد ذلك: إن ما أباحه الله تعالى أكثر بكثير مما حرمه؛ فالأصل في باب المعاملات الحل والإباحة، والأصل في باب العبادات الحظر والمنع، وهذه قاعدة عظيمة نافعة. وتكاد تكون هذه القاعدة محل اتفاق أو قول أكثر أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: " العادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله وإلا دخلنا في معني قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ﴾13 ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ".

المقصود أن هذه قاعدة عظيمة نافعة وهي أن الأصل في باب المعاملات الحل والإباحة؛ ولهذا إذا اختلف اثنان في معاملة من المعاملات فالذي يُطالَب بالدليل هو الذي يقول إنها حرام. أما الذي يقول إنها حلال فإن معه الأصل ولا يطالب بالدليل.

وهذا بعكس أو بخلاف العبادات، الأصل فيها المنع والحظر إلا ما ورد الدليل بمشروعيته. ولهذا اختلف اثنان في عبادة من العبادات أحدهما يقول مشروعة والآخر يقول غير مشروعة الذي يطالب بالدليل هو الذي يقول إنها مشروعة. أما الذي يقول إنها غير مشروعة فمعه الأصل.

ولكن أقول: مع أن هذا هو الأصل إلا أنه ينبغي أن تنظر إلى أن الشريعة قد شددت في شأن الربا، وبالغت في التحذير منه، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم « لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه »14 والربا أعظم في الإثم من الزنا، بل إن درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية؛ ولهذا ذكر القرطبي في "جامع الأحكام القرآن": أن رجلا أتى للإمام مالك يستفتيه: قال إني رأيت بالأمس رجلا سكرانا، يريد أن يصطاد القمر -يعني من شدة سكره- فحلفت بالطلاق أنه لا يدخل جوف بن آدم شيء أخبث من الخمر. فاستعظم الإمام مالك هذه المسألة -كان عادة السلف التثبت وعدم الاستعجال في الفتيا- استعظم الإمام مالك هذه المسألة وقال: ائتني بعد ثلاث ليال، فأتاه هذا السائل المستفتى بعد ثلاث ليال، فقال الإمام مالك: امرأتك طالق، إني تأملت كتاب الله فلم أر شيئا يدخل جوف بن آدم أخبث ولا أشر من الربا.

لماذا أفتاه بوقوع طلاق امرأته؟ لأنه حلف أنه لا يدخل جوف بن آدم شيء أخبث من الخمر، فقال الإمام مالك: هناك شيء أخبث من الخمر وهو الربا. الربا إذن أعظم في الإثم من الخمر وأعظم في الإثم من الزنا،كيف وقد توعد الله عز وجل بالحرب آذن بالحرب آكل الربا، وأمره عند الله عز وجل عظيم جدا، وقد بالغت الشريعة في سد جميع الذرائع الموصلة للربا ولو من وجه بعيد.

وأذكر من هذا حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد بسند حسن: « أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال عليه الصلاة والسلام: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن »15 .

لو أردت أن تبيع كيلو رطب بكيلو تمر مع التقابض، تحقق التقابض والتماثل كيلو وكيلو -التقابض- هل يجوز؟ لا يجوز. قد تحقق الشرطان، التماثل هنا لا يتحقق، لماذا؟ لأن هذا الرطب سوف ينقص إذا يبس، مع أن التفاوت يسير جدا، فما مقدار هذا التفاوت في كيلو وكيلو بين رطب وتمر؟ ومع ذلك منعه النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا الحديث فيه أبلغ الرد على من أجاز الدخول في الشركات التي تتعامل بالربا إذا كانت نسبة الربا فيها قليلة، فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم منع بيع الرطب بالتمر مع أن التفاوت يسير بل يسير جدا، فما الذي يبيح الدخول في هذه الشركات التي تتعامل بالربا وبعضهم أوصلها إلى ثلاثين في المائة؟!

ولهذا أقول أيها الإخوة -وهذه إشارة عن هذه المسألة وسوف نتكلم عنها بالتفصيل في حينها إن شاء الله تعالى- ولهذا أقول: لا بد إذا نظرنا إلى هذا الأصل -وهوأن الأصل في المعاملات الحل والإباحة- أن ننظر أيضا إلى أن الشريعة قد شددت في شأن الربا، بل بالغت في التشديد بل منعت بعض التعاملات سدا لذريعة الربا، ومنها مثلا العينة: وهي بيع شيء بثمن مؤجل، أن يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منه نقدا، لو حصل هذا من غير مواطأة، قلنا: أيضا لا يجوز؛ من باب سد الذريعة.

فإذن الشريعة قد بالغت في سد جميع الذرائع الموصلة للربا وشددت في هذا وبالغت في التشديد فيه، فلا بد إذن عندما نقول الأصل في المعاملات الإباحة أن ننظر أيضا لهذا المقصد الشرعي وهو المبالغة في الربا وفي سد جميع الذرائع الموصلة إليه.

وقد تكون بعض المسائل لا تظهر الحكمة فيها بشكل جلي، يعني بعض التعاملات -خاصة فيما يتعلق بأبواب الربا- قد تظهر الحكمة فيها، ولكن بعض المسائل قد لا تظهر الحكمة فيها، وإن كان كما قال ابن القيم: " أنه ما من حكم إلا ولله تعالى فيه حكمة " لكن قد لا تظهر بشكل واضح وبشكل جلي فمثلا: عند بيع صاع من تمر جيد بصاعين من تمر رديء. هذا لا يجوز، وإن كان قيمتهما واحدة مع أنه ليس فيه ظلم لأن قيمة هذا تعادل قيمة هذا، ولكن مع ذلك منعت منه الشريعة.

ولكن المخرج من هذا سهل؛ ولهذا أورد هذه القصة التي وردت في الصحيحين وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بتمر جيد -بتمر جنيب من النوع الجيد- فقال عليه الصلاة والسلام: « أكل تمر خيبر هكذا؟ قالوا: لا يا رسول الله. إنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال عليه الصلاة والسلام: أوه هذا عين الربا »16 بيع الصاع بالصاعين عين الربا. ثم أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مخرج سهل: « ولكن بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيبا »17 .

يعني: بع التمر الرديء وهو الجمع وهو أخلاط من التمر الرديء بالدراهم واشتر بالدراهم تمرا جيدا، مع أن النتيجة واحدة؛ يعني سواء بعت تمر رديء بتمر جيد مباشرة، أو أنك بعت التمر الرديء بدراهم ثم أخذت الدراهم واشتريت بها تمرا جيدا، أليست النتيجة واحدة؟ ومع ذلك هذا التعامل بها مباشرة محرم بل سماه النبي صلى الله عليه وسلم عين الربا، جعله عين الربا بيع الصاع بالصاعين عين الربا، ولكن إذا بعت التمر الرديء بدراهم ثم أخذت الدراهم واشتريت بها تمرا جيدا فهذا مخرج شرعي. ولله تعالى في هذا الحكمة البالغة، ولكن هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

ولهذا فإن مسائل الربا من المسائل الدقيقة، ولهذا ذكر الله عز وجل عن بعض الناس أنهم أنكروا الربا وقالوا: ما الفرق بين الربا والبيع؟ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾18 يقولون: كيف تقولون إن هذا محرم؟ البيع مثل الربا، لا فرق بينهما؛ فأنكر الله عليهم ورد عليهم وقال: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾18 .

يقول صاحب الكشاف: " فإن قلت هلّا قيل إنما الربا مثل البيع؟ لأن الكلام في الربا لا في البيع، قلت: جيء به على طريق المبالغة وهو أنه بلغ من اعتقادهم في حل الربا بأنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع، وقوله: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾18 إنكار لتسويتهم بينهما ودلالة على أن القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله تعالى وتحريمه " إلى آخر ما قال.

فالفرق إذن، قد يكون الفرق بين الحلال والحرام فرق دقيق، الفرق بين الربا والبيع فرق دقيق، وهذا يدل أيضا على أن المسلم يستطيع أن يصل إلى مقصوده وغرضه بالطريق المباح، وهذا من ثمرة التفقه في الدين.

فمثلا: من أراد أن يحصل يعني عنده تمر رديء وأراد أن يحصل مقابله على تمر جيد، أو عنده ذهب قديم وأراد أن يحصل على ذهب جديد، إن باعه مباشرة مع التفاضل وقع في عين الربا، المخرج يبيعه بدراهم ويشتري بالدراهم تمرا جيدا أو ذهبا جديدا، وهذا مخرج سهل وهذا من ثمرة التفقه في الدين، هذا أيها الإخوة من ثمرة التفقه في الدين.

ولهذا فما نذكره إن شاء الله تعالى في هذه الدروس نذكر فيها بدائل مباحة عندما نذكر أن هذا التعامل محرم نذكر البديل المباح لهذا التعامل، وهذا هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم، لاحظوا هنا في هذه الصورة لما قال: « أوّه هذا عين الربا »19 أرشد إلى المخرج، ما تركهم،أرشد إلى المخرج وإلى البديل قال: « ولكن بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيبا »17 .

وفي هذا الحديث دلالة أيضا على أن بعض الأمور قد يظنها الإنسان حيلة على الربا وهي ليست كذلك. فقد يقول قائل: ما الفرق بين أن الإنسان يبيع صاعين من التمر بصاع أو أنه يبيع صاعين من تمر بدراهم ثم يشتري بالدراهم صاعا من تمر، وهل هذا إلا حيلة على الربا؟ نقول: هذا ليس بحيلة على الربا أبدا؛ لأن الذي أمر به هو النبي صلى الله عليه وسلم، فأنا أقول: بعض المسائل دقيقة بعض مسائل الربا دقيقة، وقد يكون الفرق بين الحلال والحرام فرق دقيق، وقد تكون بعض البدائل الشرعية يظنها الإنسان حيلة للربا وهي ليست كذلك.

أما كيف يعرف الإنسان الحكم الشرعي للمسائل المعاصرة عموما، وهي مسائل المعاملات على وجه الخصوص؟ فالأمة ولله الحمد لا تزال بخير وقد قام العلماء بجهود كبيرة في هذا، ولهم فتاوى وبحوث وكتب مؤلفة وحاضرات ودروس، ولكن أفضل طريقة لمعرفة الحكم الشرعي في المسائل والنوازل وفي مسائل المعاملات على وجه الخصوص هو الاجتهاد الجماعي، معرفة رأى المجتهدين اجتهادا جماعيا؛ فإن الاجتهاد الجماعي هو أقرب للتوفيق، وإلى إصابة حكم الله ورسوله في النازلة أو في الواقعة.

وذلك أن الإنسان مهما بلغ من العلم ومهما بلغ من الفقه قد يذهل حتى عن أبسط المسائل، وأضرب لهذا مثالا: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان الصحابة رضي الله عليهم يقرءون قول الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾20 وقول الله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾21 ومع ذلك لما مات ذهل أكثرهم عن هذا المعني كما يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن نفسه، وكان أبو بكر رضي الله عنه قد خرج لبعض حاجته، وأصبح الناس يموجون في المسجد، وعمر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، من هول الصدمة، وإنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى، سيرجع يقطع -رقاب- أعناق المنافقين وسوف يرجع يقطع رقاب المنافقين، حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقبل ما بين عينيه وقال: " بأبي وأمي طبت حيّا وميّتا" ثم أتى والناس يموجون في المسجد فقال لعمر أنصت ثم خطب الناس وقرأ هاتين الآيتين، قال: « أيها الناس من كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات »22 ثم قرأ: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾20 ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾21 .

يقول عمر رضي الله عنه: "والله لكأن الآية نزلت في هذه اللحظة وكأني لم أسمع بالآية إلا الآن" هذا وهو عمر أعلم الصحابة بعد أبي بكر ومع ذلك يعني ذهل عن هذا المعني، فقد يحصل الذهول العالم وإن كان كبيرا؛ ولذلك فإن من فوائد الاجتهاد الجماعي أن العلماء يذكر بعضهم بعضا، وربما ذهل العالم عن حكم أو عن مسألة أو عن نص أو عن دليل فيذكره العالم الآخر، ويحصل النقاش والحوار في هذا، فيكون ذلك أقرب إلى التوفيق وإلى إصابة حكم الله ورسوله، وقد كان هذا هو منهج السلف رحمهم الله.

فكان عمر رضي الله عنه يجمع الناس عندما تنزل نازلة ويحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، وهذا - يعني - روي عن عمر رضي الله عنه وقائع كثيرة، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري في قصة ذهاب عمر رضي الله عنه والصحابة إلى الشام، فقد جاء في صحيح البخاري عن بن عباس « أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال بن عباس: فقال عمر: " ادع المهاجرين الأولين" فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع في الشام، فاختلفوا، قال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن نرجع، وقال آخرون: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نري أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الأنصار، قال بن عباس: فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح. قال: فدعوتهم فلم يختلف منهم رجلان، وقالوا: نري أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس وأخبرهم بأنه عازم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديا له عدوتان -والعدوة هي المكان المرتفع- إحداهما خصيبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا عن بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به -يعني بالطاعون- بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" قال: فحمد الله عمر ثم انصرف. »23 .

فهذا أيها الإخوة مثال للاجتهاد الجماعي، فكان عمر رضي الله عنه يجمع الناس ويستشيرهم، ولم يكن ينفرد برأيه فانظر في هذه القصة، كيف أنه جمع الناس ثلاث مرات حتى وفق لإصابة حكم الله ورسوله، وأتى عبد الرحمن بن عوف وأخبره بأن هذا الحكم الذي قد استقر عليه رأي عمر أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك فإن -يعني- الاجتهاد الجماعي أقرب ما يكون إلى التوفيق وإلى إصابة الحكم الشرعي.

وقد أخرج الدارمي في مسنده عن المسيب بن رافع قال: " كانوا -يعني صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم- إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر اجتمعوا لها وأجمعوا فالحق فيما رأوا " هكذا كان منهج الصحابة رضي الله عنهم، كان أبو بكر يجمع الناس، وكان عمر وكان عثمان، وكان علي، كان الصحابة رضي الله عنهم إذا نزلت بهم نازلة اجتمعوا وتشاوروا وبعد ذلك يقررون ما يرون أنه أقرب إلى حكم الله ورسوله، وفي الغالب أنهم يوفقون، كما في هذه القصة، قد وفقوا لإصابة الحكم الشرعي.

وذلك أن التشاور أنه منهج عظيم في دين الإسلام وقد أمر الله تعالى به وقال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾24 أخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن أبي حاتم بسند قوي عن الحسن أنه قال: ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم وفي لفظ: « إلا عزم الله لهم بالرشد، أو بالذي ينفع »25 .

وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾24 قال الحسن: " قد علم أنه ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده".

فإذن الاجتماع والتشاور يفتح باب الحوار والنقاش، ويجد كل فرد عند غيره من الأدلة والعلم والفقه والإدراك وطريقة الاستنباط ما لا يجده عند نفسه، وتتقارب الأفهام وتضيق هوة الخلاف، وأيضا يجد المرء في الشورى إنقاذا لنفسه من التقول على الله عز وجل ما لم يقل، ومن التوقيع عن الله تعالى بما لم يأذن به.

ولهذا فإن الاجتهاد الجماعي في المسائل والنوازل هو أقرب للتوفيق من الاجتهاد الفردي. فإن قلت: أين الاجتهاد الجماعي في الوقت الحاضر؟ أين نجده؟ نقول: الأمة لا تزال بخير، والحمد لله وقد وجدت المجامع فقهية والهيئات العلمية، وهي تمثل هذا الاجتهاد الجماعي. وأبرز المجامع الفقهية في العالم الإسلامي مجمعان:

الأول: مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وهو يضم نخبة من علماء العالم الإسلامي، وكان يرأسه الشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن باز، ثم سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، رحم الله الأموات وحفظ الأحياء وقد صدرت لهذا المجمع قرارات عديدة في عدة نوازل وقضايا، وطبعت هذه القرارات فهي موجودة، وله مجلة تصدر دوريا تنشر فيها بعض البحوث المقدمة للمجمع وهي مجلة محكَّمة.

المجمع الثاني: مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي وقد أصبح يطلق عليه مؤخرا مجمع الفقه الإسلامي الدولي. وهذا أيضا يجمع نخبة من علماء العالم الإسلامي ويرأسه الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله، وقد أصدر هذا المجمع عددا من القرارات ونشرت جميع بحوثه في مجلة المجمع، في أكثر من أربعين مجلدا ضخمة، بل حتى نشرت جميع مداولات الأعضاء ونقاشاتهم، قد كانت تسجل ثم بعد ذلك تفرغ في هذه المجلة، فأصبحت مرجعا هاما وكبيرا لطلاب العلم في ما يتعلق بهذه القضايا المعاصرة.

وقد يؤخذ على -يعني- هذين المجمعين أنه قد يوجد فيها من الأعضاء من ليس مناسبا، ولكن نقول في الأعم الأغلب أنهم علماء كبار، أنهم أكابر علماء العالم الإسلامي، يعني في الجملة وفي الأعم الأغلب؛ ولهذا فإن هذه القرارات التي أصدروها أقرب للتوفيق وإصابة الحكم الشرعي من غيرها.

وهناك مجامع لكنها -يعني- صغيرة، لا ترقى لمستوي هذين المجمعين، قد تكون -يعني- محلية في بعض الدول - دول العالم الإسلامي- ولكن أبرز المجامع هو هذان المجمعان.

وأما الهيئات العلمية فأبرزها: هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وهي تضم نخبة من علماء المملكة، وتنعقد مرتين في السنة، كل ستة أشهر، وتبحث القضايا والنوازل ومنها بعض المعاملات المالية المعاصرة.

ومنها أيضا الهيئات العلمية: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وتعرض عليها كثير من المسائل والنوازل والقضايا، وتصدر فيها فتاوى مكتوبة.

ومنها هيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية، ومقرها في البحرين، وهذه أيضا لها جهود كبيرة في وضع المعايير الشرعية للمعاملات المالية المعاصرة، وتتميز هذه الهيئة بأن القضية التي تطرح تُناقش من أكثر من هيئة ومجلس، فعندما تطرح قضية للنقاش يستكتب أحد الباحثين ثم يناقش من اللجنة الشرعية، ثم بعد ذلك يعرض على المجلس الشرعي، ثم على هيئة أو مجلس الاستماع إلى أن -يعني- بعد سلسلة طويلة من النقاش والعرض والدراسة يصدر في ذلك معيار ملخص ومختصر، وطبعت بعض معايير أو أكثر معايير هذه الهيئة، هذه هي أبرز الهيئات العلمية والمجامع الفقهية التي تمثل الاجتهاد الجماعي بالقضايا والمسائل المعاصرة.

وسوف نركز عليها إن شاء الله تعالى في دراستنا لهذه المسائل، وننقل رأي هذه الهيئات العلمية والمجامع الفقهية؛ وذلك لأنه كما قلنا الاجتهاد الجماعي أقرب للتوفيق وإصابة الحكم الشرعي من الاجتهاد الفردي.

بعد ذلك أقول: إن الفتيا في المسائل المعاصرة والمسائل المالية على وجه الخصوص على ثلاثة مناهج: فبعض العلماء يتشدد في مثل هذه المسائل، الطرف الثاني يتساهل تساهلا كبيرا، والطرف الثالث وسط بين الطرفين.

أما الأول: فتجد أنه يتشدد في المسائل المالية، ويفتي بالمنع في كثير منها، وأحيانا لا يكون متصورا المسألة تصورا دقيقا، فمثلا عندما يسأل عن حكم مسألة من المسائل يقول: إن كان فيها ربا فإنها تحرم وإلا فلا، والمستفتي لا يعلم هل فيها ربا أم ليس فيها ربا. كان ينبغي لهذا المفتي أن يتصور المسألة أو يقول لا أعلم.

وفي المقابل من يتساهل في مثل هذه المسائل ويبرر بضغط الواقع وهذا مسلك -يعني- خطير في الحقيقة، التبرير بالواقع هذا مسلك غير جيد؛ فإن دين الله عز وجل لا يخضع لأهواء الناس، ولكن دين الله سبحانه جاء ليرفع الناس إلى ميزان الحق والعدل والمصلحة الحقيقية، ويكف عنهم الإثم والظلم ويرفع الآصار والأغلال، فشريعة الله تعالى لم يضعها المجتمع حتى تخضع له وتستجيب لظروفه وأوضاعه. إنما هي تشريع إلهي وضِعَ ليرقى بالمجتمع، وتخضع أوضاعه لهدايته، ومهمة هذا التشريع هو تصويب الخطأ الواقع في المجتمع وتقويم المعوج، أما تبرير الأوضاع وتسويغ التصرفات هذا مسلك غير جيد.

فنجد مثلا -على سبيل المثال- رأي بعض العلماء الذين أفتوا بجواز الدخول في الشركات التي تتعامل بالربا إذا كانت نسبة الربا أقل من الثلث. كان أبرز ما اعتمدوا عليه التبرير بالواقع، قالوا: هذا هو واقع الشركات في العالم الإسلامي، فكيف نقول إنه يحرم الدخول فيها والمساهمة فيها؛ لأنه كان قبل سنوات لا توجد ولا شركة واحدة ما تتعامل بالربا، وإن كان ولله الحمد الآن وجد مجموعة من الشركات، لكن هؤلاء العلماء نظروا إلى هذا الواقع المرير للأمة الإسلامية؛ ولذلك أجازوا الدخول في مثل هذه الشركات.

وهذا أرى أنه مسلك غير جيد، وأنه ينبغي أن يخضع الواقع لدين الله عز وجل ولشرع الله سبحانه؛ وأن يقال: إنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات ولو أن العلماء اتفقوا على هذا الرأي والله إن هذا سيكون أكبر رادع للقائمين على تلك الشركات في أن يتركوا الربا، ولا يوقعوا فيه المسلمين ويحوجوا فيه المسلمين، ولكن عندما ترد مثل هذه الفتاوى التي فيها شيء من التساهل فإن هذا الوضع يستمر؛ ولهذا نجد أن هؤلاء العلماء -يعني- من عشرات السنين وهم يفتون بهذه الفتاوى ولم يتغير شيء كثير عند هذه الشركات.

وعلى كل حال هم مجتهدون لعل - يعني- لهم..، لكن كلامنا الآن حول تقييم المنهج العلمي، وإلا هم مجتهدون والعالم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد فخطؤه مغفور، ولكن نحن الآن نقيم هذه المناهج.

والمنهج الثالث: هو النظر إلى القضايا والمسائل المعاصرة حسب ما يقتضيه الدليل الشرعي والقواعد الشرعية من غير تشدد ولا تساهل، فإن التشدد كما قال بعض السلف يقول: " التشدد كل يحسنه، ولكن -العلم- الرخص عن الثقات " نقلت هذه عن سفيان الثوري قال: " التشدد كل يحسنه، ولكن -العلم- الرخص عن الثقات " فإذن التشدد والتساهل كلاهما طرفان والوسط هو النظر إلى المسائل حسب ما يقتضيه الدليل الشرعي والقواعد الشرعية.

وهناك أمر مهم وهو معرفة مقاصد الشريعة فإن هذا الأمر في غاية الأهمية خاصة لمن أراد أن ينظر لمثل هذه المسائل والقضايا المعاصرة، لا بد أن يعرف مقصد الشريعة، فمثلا عندما تعرف أن مقاصد الشريعة التشديد في باب الربا وسد جميع الذرائع الموصلة إليه تنزل على هذا المسائل المعاصرة كل ما كان فيه ربا تشدد فيه، تطبيقا لهذا المقصد العظيم في الشريعة.

فإذا رأينا الشريعة تشدد في أمر من الأمور نحن نشدد فيه فيما يتعلق بالفتاوى، وإذا رأينا الشريعة تتسامح في بعض الأمور فمثلا كمسائل المعاملات التي ليس فيها ربا ولا جهالة ولا غرض ولا ميسر فالأصل الحل والإباحة، فلا بد من أن ينظر إلى مقاصد الشريعة، فهذا أيضا -يعني- أمر هو في غاية الأهمية.

فإذن المنهج الصحيح في النظر إلى هذه المسائل والقضايا والنوازل هو أن تنزل على حسب ما تقتضيه الأدلة والأصول والقواعد الشرعية من غير تشدد ومن غير تساهل.

سوف نبدأ إن شاء الله تعالى اعتبارا من الدرس القادم في دراسة المسائل التي ذكرتها، ولعلنا نبدأ إن شاء الله تعالى بما تكثر عنه الأسئلة والاستفسارات وهو: الشركات المساهمة، والأسهم وأحكامها والصناديق الاستثمارية لعلها تكون هي البداية في درسنا في الغد إن شاء الله تعالى، وهذا الدرس قد أردنا أن نجعله مدخلا لهذه السلسلة من الدروس، ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله عز وجل للجميع العلم النافع والفقه في الدين والتوفيق لما يحب ويرضى.

س: أحسن الله إليكم وأثابكم، وهذا سائل يقول: ما حكم العمل في بنوك ربوية إن لم أجد عملا غيرها، وإذا وجدت عملا غيرها بمزايا أقل، فهل يجوز العمل في البنك؟

ج: الذي يفتي به مشايخنا هو عدم جواز العمل في البنوك الربوية؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم « لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه »14 والذي يعمل في بنك ربوي لا يخلو إما أن يكتب الربا أو يشهد على الأقل، إما أن يكون كاتبا أو شاهدا، وقد ورد الوعيد الشديد وهو اللعن، واللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله.

ولهذا فالمسألة فيها خطورة بالغة؛ ولهذا نقول للأخ السائل: إنه لا يجوز لك أن تعمل في هذه البنوك الربوية، وأما كونك تجد مزايا فيها لا تجدها في غيرها نقول: « من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه. »25 .

أما أنك تعمل في بنك ربوي وتعرض نفسك للعنة الله تعالى وغضبه فإن هذا لا يجوز، وأقول أيها الإخوة: إن المجتمع يفرض نفسه على هذه البنوك، إذا أن المجتمع قاطع مثل هذه البنوك الربوية وتواصل مع البنوك الإسلامية فإن هذه البنوك سوف تتحول يوما من الأيام إلى بنوك إسلامية، وهذا ما حصل بالفعل الآن، فنجد أن بعض البنوك الآن في طريقها إلى التحول إلى بنوك إسلامية، وأرى أن أقوى الأسباب في هذا هو ضغط المجتمع على هذه البنوك.

وربما تصدق مقولة بعض المشايخ حينما قال: إنه ربما بعض عشر سنوات تتحول جميع البنوك إلى بنوك إسلامية وربما أقل من ذلك.

وأنتم ترون هذه البنوك الآن بدأت تضع هيئات شرعية وفروع إسلامية وبعضها في طريقها إلى التحول بالكامل إلى بنوك إسلامية.

س: أحسن الله إليكم. وهذا يقول: ما رأي فضيلتكم في الاشتراك بما يسمى بالصناديق الاستثمارية وفتح حساب في البنك الأهلي علما بأنه يوجد لجنة شرعية؟

ج: الصناديق الاستثمارية سوف نتحدث عنها إن شاء الله تعالى غدا، ولكن باختصار باعتبار أنه ورد الآن فيها سؤال، والصناديق الاستثمارية الموجودة الآن تأخذ فتوى من أفتى من المشايخ بـ - طبعا الصناديق الاستثمارية المرادة هنا صناديق الأسهم وهي التي يريدها السائل- تأخذ فتوى من أفتى من العلماء بجواز الدخول في الشركات المساهمة إذا كانت تتعامل بالربا في حدود ثلاثين في المائة فأقل من القيمة السوقية.

وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم وسوف نعرض هذا الخلاف بالتفصيل، ونبين إن شاء الله تعالى القول الراجح فيها، فلعلي أرجئ الإجابة عن هذا السؤال إلى الحديث بالتفصيل عن هذه المسألة، وأبين القول الراجح فيها، ومقتضى الأدلة والقواعد، ومنه يتبين حكم الدخول في هذه الصناديق الاستثمارية. نعم.

س: أحسن الله إليكم وهذا يقول: من لديه أسهم في شركة " سابك " من الاكتتاب ولا يعلم أن فيها ربا فماذا يعمل لتطهير ماله مع العلم بأن الشركة وزعت لكل ثلاثة أسهم سهما، فكيف يطهر ماله القديم والأسهم الموزعة التي هي من الاحتياطي من الأرباح أرجو التفصيل في الإجابة وجزاكم الله خيرا؟

ج: نعم. الشركة المشار إليها نسبة الربا فيها كبيرة جدا تملك قرابة ثلاثة وثلاثين أو أربعة وثلاثين مليارا وليس ريالا، ولكن من دخل فيها وهو لا يعلم فإن الله تعالى يقول: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾18 فالذي يدخل في الربا وهو لا يعلم أنه ربا فإنه لا شيء عليه: ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾18 ولا يُلزم بالتطهير لكونه غير عالم وهذا بنص الآية الكريمة، ومن علم فإن عليه أن يضع الربا: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾26 .

فيكون إذن من قبض المال وهو لا يعلم أن فيه ربا فهذا ليس عليه شيء، انتهى له ما سلف وأمره إلى الله، إذا كانت المعاملة قائمة ثم علم ولم يقبض الأرباح فهنا يضع الربا: "لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون" إذا كان هذا الأخ السائل لا يعلم بالربا أصلا وقبض الأرباح وهو لا يعلم فليس عليه شيء. أما إذا علم قبل أن يقبض الأرباح فعليه أن يتخلص من الربا.

ويسأل الشركة -يعني- كم تكون نسبة الربا على كل سهم؟ وذلك بأن يقسم الإيراد المحرم على عدد الأسهم فتخرج النسبة المحرمة على كل سهم، وإذا لم يعلم فيحتاط في المسألة وأكثر ما قيل في الاحتياط هو ما أفتى به الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: وهو أنه يتصدق بنصف الربح بنية التخلص، هذا أكثر ما قيل، لكن -يعني- أقول بالإمكان أن يعرف مقدار الربا على كل سهم، فبإمكانه أن يسأل قسم المحاسبة في تلك الشركة وهم يفيدونه بمقدار الربا على كل سهم.

س: أحسن الله إليكم. يقول: فهمت من خلال كلامكم أن المعاملات المالية المحرمة يعود تحريمها إلى شيئين: إما إنها ربا أو إنها مفضية إلى الربا، فهل فهمي صحيح؟

ج: المعاملات المحرمة لا تنحصر في هذا فقط، المعاملات المحرمة تعود إلى أربعة أمور: إلى الربا، أو إلى الميسر، أو إلى الجهالة والغرر، أو إلى الظلم والعدوان. إلى واحد من هذه الأمور الأربعة، كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي وجمع من أهل العلم.

فهي إما أن تفضي إلى الربا أو إلى الميسر أو الجهالة والغرر أو إلى الظلم والعدوان، فإن أفضت إلى واحد من هذه الأمور الأربعة فإنها تكون محرمة وإلا فالأصل الإباحة.

س: أحسن الله إليكم يقول: ما حكم شراء أسهم البنك غير الربوي علما بأن هناك من قال لا يجوز لأنه شراء مال بمال، فهل هذا الفهم صحيح؟

ج: لا بد عند شراء الأسهم من أن تكون الموجودات أكثر من النقود، وإلا إذا كانت النقود أكثر أصبح من قبيل بيع المال بمال يعني نقد بنقد؛ فيقع في الربا الصريح، فلا بد إذن أن تكون الموجودات يعني أكثر من 50 % وإلا وقع في الربا، ولا نستطيع أن نعمم هذه القاعدة على جميع البنوك، وإن كان الغالب على البنوك أن النقد أكثر من الموجودات، فإذا كان النقد أكثر من الموجودات فإنه لا يجوز تداول أسهمها، ولو كانت بنوك إسلامية.

أما إذا كانت الموجودات أكثر من النقد فلا بأس، هذه هي القاعدة في هذا الباب، أن ننظر إلى موجودات البنك إذا كانت أكثر من النقود جاز تداول أسهمها، وإن كانت النقود أكثر لا يجوز.

وعلى ذلك تنزل مسألة تداول أسهم بنك البلاد، فهل موجودات البنك الآن أكثر من النقود، مع أن البنك هو بنك إسلامي لكن تداول أسهمه الآن يعني هل الآن موجودات البنك أكثر من النقود؟ هذه المسألة هذه محل نظر، والإخوة في الهيئة الشرعية للبنك يذكرون أن موجودات البنك أكثر، ولكن إذا عرفنا بأن البنك الآن -يعني- جمع من أموال المساهمين قرابة ثلاثة مليارات، والبنك حتى الآن لم يقم فأين الموجودات التي يفترض أنها تزيد على النصف؛ ولهذا فتداول أسهمه الآن -عندي- أنه محل شك، ولذلك ننصح -يعني- من يملك أسهما في هذا البنك ألا يتعجل في بيعها أو في الشراء حتى يقوم البنك وينشأ ويتأكد من أن موجوداته أكثر من النقود؛ فإن هذه أيضا -يعني- إشكالية كبيرة، إذا كانت النقود أكثر وقع في الربا الصريح بيع نقد بنقد مع التفاضل.

إلا إذا باع أسهم البنك بعملة أخري يعني بدل الريال مثلا دولار أو جنيه فلا بأس حين إذن لكن مع التقابض « فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد »27 والريال السعودي جنس والعُمل الأخرى كل منها جنس، الجنيه جنس، الدولار جنس، اليورو جنس.

فهنا المخرج لمن قال أنه محتاج إلى البيع الآن. نقول: تبيعها بغير الريالات تبيعها بعملة أخرى، وبذلك يزول الحرج. أما بيعها الآن فلا أستطيع أن أجزم بالتحريم لكن أقول عندي شك في كون موجودات البنك أكثر من النقود.

س: أحسن الله إليكم. يقول: ما رأيكم في التأمين؟ وهل يجوز لنا دفعه علما بأنه لا بد من دفعه لاستخراج الرخصة؟

ج: التأمين إن شاء الله تعالى لعله أيضا نتكلم عنه بالتفصيل في درس قادم لكن باختصار: التأمين التعاوني مباح، والتأمين التجاري هو محرم، ولكن إذا أجبر الناس عليه زال الحرج وارتفع الإثم؛ لأنك حينئذ مجبر على هذا الـتأمين وحينئذ ليس عليك حرج في هذا التأمين لكونك مجبر عليه، وسنتكلم إن شاء الله تعالى عن هذا بالتفصيل في درس قادم إن شاء الله.

س: أحسن الله إليكم. يقول: ذكرتم كلاما لشيخ الإسلام بأن أجود المذاهب في باب المعاملات المالكية والحنابلة -يقول-، فأين ذكرها شيخ الإسلام؟

ج: نعم. ذكرها في مجموع فتاوى، وإن أردت الجزء والصفحة فأيضا هي مقيّدة عندي ذكرها رحمه الله في قسم المعاملات في المجلد التاسع والعشرين صفحة 26.

س: أحسن الله إليكم. الأسئلة كثيرة حول استشارة الإخوة لفضيلة الشيخ حول الكتب المؤلف في باب المعاملات المعاصرة؟

ج: الكتب المؤلفة حقيقة يعني هي قليلة مقارنة بأهمية هذه المسائل وحاجة الناس إلى فهمها والتفقه فيها، وغالب الكتب المؤلفة في جزئيات ومن أحسنها: الرسائل العلمية رسائل الدكتوراق والماجستير، لأن هذه الرسائل العلمية يبذل فيها الباحث جهدا كبيرا وتكون تحت إشراف علمي وتناقش أيضا.

وأيضا من أبرز المؤلفات النافعة في هذا هو ما أشرت إليه في ثنايا الحديث وهي مجلة "مجمع الفقه الإسلامي الدولي" التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي مجلة جيدة ونافعة، وقد نشرت فيها جميع الأبحاث، بل حتى نشرت فيها جميع المناقشات في المجمع، وهي موجودة الآن في المكتبات، وتقع في أكثر من أربعين مجلدا، ضخمة، فهذه من أفضل ما يكون في هذه المسائل، وكما ذكرت أيضا مجلة مجمع الرابطة أيضا.

والكتب المؤلفة في مسائل وجزئيات لكن لا تجد طبعا كتابا يجمع لك جميع هذه المسائل، ولكن في جزئيات وفي مسائل يوجد منها عدد لا بأس به وأفضلها كما ذكرت الرسائل العلمية.

س: أحسن الله إليكم. يقول: ما مقصودكم بموجودات البنك؟

ج: يعني أعيان البنك، يعني إذا كان البنك مثلا له - مثلا - فروع يملكها له مشاريع، هذا هو المقصود، يعني تكون مملوكات البنك من غير النقد فيشمل: ذلك التصريح، ويشمل ذلك بنايات البنك والأثاث، وكل ما يملكه البنك من غير النقود هذا المقصود بموجودات البنك يعني الأعيان التي يملكها البنك من غير النقود، هذه لا بد أن تكون أكثر من النقود الموجودة في خزينة البنك.

وهذه يا إخوان -يعني-إشكالية كبيرة، البنوك في الغالب أن النقود تكون أكثر؛ ولذلك إذا كانت النقود أكثر لا يجوز تداول أسهمها لأنه تصبح المسألة مسألة بيع نقد بنقد مع التفاضل، وهذا هو الربا.

أحسن الله إليكم وأثابكم، ونفعنا بعلمكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

1 : مسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) , والترمذي : العلم (2646) , وأحمد (2/252) , والدارمي : المقدمة (344).
2 : سورة التوبة (سورة رقم: 9)؛ آية رقم:122
3 : مسلم : الإمارة (1905) , والترمذي : الزهد (2382) , والنسائي : الجهاد (3137) , وأحمد (2/321).
4 : مسلم : الإمارة (1905) , والترمذي : الزهد (2382) , والنسائي : الجهاد (3137) , وأحمد (2/321).
5 : البخاري : تفسير القرآن (4625) , ومسلم : الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2860) , والترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2423) , والنسائي : الجنائز (2087) , وأحمد (1/253) , والدارمي : الرقاق (2802).
6 : مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (612).
7 : مسلم : الإيمان (156) , وأحمد (3/384).
8 : الترمذي : البيوع (1210) , وابن ماجه : التجارات (2146) , والدارمي : البيوع (2538).
9 : أحمد (3/444).
10 : ابن ماجه : التجارات (2139).
11 : الترمذي : البيوع (1208) , والنسائي : الأيمان والنذور (3800) , وأبو داود : البيوع (3326) , وابن ماجه : التجارات (2145) , وأحمد (4/280).
12 : الترمذي : البيوع (1208).
13 : سورة يونس (سورة رقم: 10)؛ آية رقم:59
14 : مسلم : المساقاة (1598) , وأحمد (3/304).
15 : الترمذي : البيوع (1225) , والنسائي : البيوع (4546) , وأبو داود : البيوع (3359) , وابن ماجه : التجارات (2264) , وأحمد (1/179) , ومالك : البيوع (1316).
16 : البخاري : البيوع (2202) , ومسلم : المساقاة (1593) , والنسائي : البيوع (4553) , وابن ماجه : التجارات (2256) , ومالك : البيوع (1315) , والدارمي : البيوع (2577).
17 : البخاري : البيوع (2202) , ومسلم : المساقاة (1593) , والنسائي : البيوع (4553) , ومالك : البيوع (1314).
18 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:275
19 : البخاري : الوكالة (2312) , ومسلم : المساقاة (1594) , والنسائي : البيوع (4557) , وأحمد (3/62).
20 : سورة الزمر (سورة رقم: 39)؛ آية رقم:30
21 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:144
22 : البخاري : المناقب (3670) , وابن ماجه : ما جاء في الجنائز (1627) , وأحمد (6/219).
23 : البخاري : الطب (5729) , ومسلم : السلام (2219) , وأبو داود : الجنائز (3103) , وأحمد (1/194) , ومالك : الجامع (1657).
24 : سورة آل عمران (سورة رقم: 3)؛ آية رقم:159
25 :
26 : سورة البقرة (سورة رقم: 2)؛ آية رقم:279
27 : مسلم : المساقاة (1587) , والترمذي : البيوع (1240) , والنسائي : البيوع (4563) , وأبو داود : البيوع (3349) , وابن ماجه : التجارات (2254) , وأحمد (5/320) , والدارمي : البيوع (2579).