موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح منظومة الشبراوي في النحو
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منظومة الشبراوي في النحو لفضيلة عمر بن حمد الحركان
  
 
شرح منظومة الشبراوي في النحو - مقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه، نسأل الله جلّ وعلا بأسمائه وصفاته أنْ يوفقنا لمرضاته وأنْ يعيننا على طاعته.

علمُ اللغة العربية علمٌ يُعين على فهم كتاب الله وكلام النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فمَن تعلم النحو بهذه النية جديرٌ أنْ يُوفق، والنحو بحرٌ واسعٌ؛ يكفيك منه ما يساعدك على تحقيق هذا الهدف وهو الفهم عن الله وعن رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فجديرٌ بالمسلم إذا أراد يتعلم النحو أنْ يستحضر هذه النيّة، والله الموَفق.

بسم الله

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أمّا بعد

غفر الله لنا ولشيخنا ولجميع المسلمين.

منظومة في اللغة

تأليف: عبد الله بن محمد الشَّبْراوي رحمه الله - مع زيادة العلّامة حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله -.


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

قال: منظومةٌ في اللغة، وكان المفروض أنْ يقول: منظومةٌ في النحو، فلا بأس، لكنْ هي استدراكات البشر على بعضهم.

تأليف الشَّبْراوي، والشَّبْراوي توفي رحمه الله سَنَة ألف ومئة وثلاث وسبعين، وكان شيخ الأزهر في زمنه، وله مؤلفات أخرى، وحافظ بن أحمد الحكمي توفي رحمه الله سَنَة ألف وثلاثمائة - إنْ لم أكن نسيتُ وثمانية وثمانين أو قريب مِن ذلك، إنْ لم أكن نسيتُ -، لأنه عُمِّر فقط خمسة وثلاثين سَنَة! وقد وُلِد سَنَة اثنتين وأربعين، فلو جمعنا هذا إلى هذا لكان سبعة وثمانين تقريبًا.

حافظ أحمد الحكمي شيخُ مشايخ الجنوب رحمه الله، وهو تلميذٌ للشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي المولود سَنَة ألف وثلاثمائة وخمسة عشر في عُنيزة، والشيخ القرعاوي رحمه الله له سيرة عطرة يَحسُن أنْ آخذ منها ما يَحسن في مثل هذا المقام، وُلِدَ الشيخ القرعاوي في عُنيزة سَنَة ألف وثلاثمائة وخمسة عشر، وقد وُلد قبله في عُنيزة عالمٌ هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي حيث وُلد سَنَة ألف وثلاثمائة وسبعة أو ثمانية رحمه الله، فالفرق بينهما فقط سبع أو ثمان سنوات، كلاهما عالمٌ، ويتميز الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله بالحِلم، ويتميز الشيخ القرعاوي بالحزم، رحم الله الجميع.

ذكر لي الوالد رحمه الله مِن سير القرعاوي - الوالد وُلد خمسة وأربعين - أي بعد ثلاثين سَنَة مِن ولادة القرعاوي، يقول: كان القرعاوي يُعَلِّمُنا كيف نتوضأ، مما يدلُ أنه كان له جهود في مسقط رأسه في عُنيزة، ولكنْ المتأملُ أحوالَ عُنيزة بلد صغير سكانها خمسة آلاف وإنْ كثُر عشرة آلاف في ذلك الزمن، وفيها عالم يتصف بالحِلم، فوجود عالمٍ آخر في مجموعة صغيرة يعني كأنّ فيه نوع مِن المنافسة التي ينبغي أن يُجاهد العبدُ نفسَه أنْ تكون لله، وهذا الظنّ بالشيخ القرعاوي أنه كان كذلك، وَجَد الشيخُ القرعاوي أنّ أخاه يسبقه في المجالات العِلمية والاجتماعية وإلّا في المجالات العلمية الصَّفيّة لا تستطيع أنْ تقول إنّ هذا يسبق هذا، فما كان منه رحمه الله إلّا أنْ كان ترك البلد وذهب يطلب المزيد مِن العلم، وهذا هو الظنّ بطالب العلم، منافستُك لأخيك إسقاطٌ لكل منكما، فما الداعي لذلك؟ ما دام أنّ أخاك يكفي فنشر العلم في مثل هذه الحالة أصبح في حقك فرض كفاية لأنه قام به غيرك، فينبغي للمسلم أنْ يتفطن أنّ للنفس حظًا في منافسة الأقران، انصرف الشيخ القرعاوي إلى طلب العلم وطوّف البلاد واستقرّ عند الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في الرياض، الشيخ محمد بن إبراهيم وُلد سَنَة ألف وثلاثمائة وأحد عشر، أي بينهما أربع سنوات، ولكنّ قُربَ الشيخ محمد بن إبراهيم مِن وليّ الأمر رفعه، وهذه صفة طيبة، فإنّ القربَ مِن ولاة الأمور - قربُ العلماء مِن ولاة الأمور - سببٌ في رفعتهم عند الناس، وهذا يمكّنهم مِن أنْ ينفعوا أكثر، وليس معنى ذلك أني أنصح طالبَ العلم أنْ يكون قريبًا! ولكنْ إنِ ابتليت فلتكن هذه نيتك، ومَن عُوفيَ فليحمد الله، الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله كان حريصًا على نشر العلم، وكان يُرسل رجاله يسألون عن الآفاق ما أحوال الناس فيها، فكان حريصًا على بعث العلماء، وهذا هو السبب الرئيس لاستتباب الأمن في بلادنا؛ أنّ المفتي في ذلك الزمن كان حريصًا على نشر العلم، فإذا عرف الناسُ حقوقَهم وواجباتهم كفّوا عن دماء بعضهم وأعراضهم وأموالهم واستقامت أحوال الناس، وهذا مما أعان - بفضل الله - على وجود الأمن الذي نعيشه، هذا الأمن الذي يعيشه المسلمون في هذه البلاد تحقق - ولله الحمد - بهذا العلم، لذلك لو نظرتَ كم شخصًا أقيمَ عليه الحَدّ منذ قامت الدولة السعودية إلى الآن؟ وكم شخصًا قُتلَ لأجل استتباب الأمن؟ لربما وجدت أنّ العدد محدودٌ جدًا! قد لا يصل إلى خمسين ألف شخص خلال مئة سَنَة بل قد لا يصل ولا إلى عشرة آلاف، إذًا العدد يعتبر محدود جدًا في تحقيق الأمن الذي نعيشه، وها أنت ترى البلاد مِن حولك في غارة مِن الغارات قد يموت عشرة آلاف ولم يتحقق لهم أمنٌ، لماذا؟ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ(1)، أي مِن الجهل إلى العلم ومِن الغفلة إلى الذِّكْر ومِن الإهمال إلى العمل، فلا بُدّ مِن نشر العلم، ومَن أراد الأمن فلا بُدّ ذلك.

جاءت الأخبار أنّ منطقة جازان بحاجة إلى عالم ينشر فيها العلم، فعرضَ الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله على مجلس العلماء عنده وطلاب العلم أنّ جازان بحاجة، يقول الشيخ القرعاوي - كما يروي الشيخ أحمد النجمي رحمه الله - يقول: فقلتُ في نفسي لعلّي أتكلم، ثم ترددتُ وعلمتُ أنّ الشيخ محمد بن إبراهيم لن يأذن لي فسكتُّ، انفضّ المجلس ولم يقرر الشيخ محمد بن إبراهيم مَن سيذهب إلى جازان، قال القرعاوي: فذهبتُ فنمتُ في تلك الليلة فرأيتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يشير بيده إلى ناحية الجنوب – هكذا إشارة يعني -، قال: فلمّا أصبحنا أتيتُ للشيخ محمد وقلتُ له: يا شيخ هذا الذي رأيتُ، قال: قد فسّرت نفسَها، انطلق إلى الجنوب، انطلق الشيخ رحمه الله إلى الجنوب وأغدق عليه الملك سعود رحمه الله المبالغَ الطائلةَ، تأملْ، الملك سعود رحمه الله كان آخرَ ولايتِه سَنَة أربعة وثمانين، وقد أغدق عليه المبالغ الطائلة، وصلت في بعض الروايات إلى خمسة ملايين ريال، تأملْ خمسة ملايين ريال يغدقها الملك على عالم واحد، نتيجتها ماذا؟ كان نتيجتها قرابة مئة ألف طالب علم وطالبة، خمسة وسبعين مِن الطلاب وخمس عشر أو يزيد مِن الطالبات، لذلك كان الشيخ عبد الله القرعاوي قريبًا مِن أصحاب القرار، فكان صاحب القرار يسأل: هل يمكن أنْ نجد قاضيًا؟ فيقول الشيخ: عندي، هل نجد خطيبًا؟ عندي، هل نَجِد؟ عندي، إذًا كانت هذه المبالغ قد أوجدت موارد بشرية نافعة، مما يدلك على بُعْدِ نظرِ الملك سعود رحمه الله، ولولا أنّ الله مَنَّ على هذه البقعة - جازان - بهذه المبالغ لكانت مع أزمة الحوثيين تحتاج إلى كم مِن المبالغ لكي تهدأ؟ لا ندري! لا ندري! ربما لا يكفيها ولا عشرة أضعاف هذا المبلغ، ولكنْ هكذا كانت السياسة الموفقة: "نشر العلم سبب في الأمن"، ثم نعود إلى القرعاوي رحمه الله، لو أنه بقي في عُنيزة وعَلَّم خمسة آلاف، قد عَلَّمهم قبله أخوه الشيخ عبد الرحمن بن السعدي، هل ستكون النتيجة مثل هؤلاء قرابة مئة ألف - ما بين طالب وطالبة - كلهم مُؤَهّل أنْ يكون عالمًا؟ لا شك أنّ هذا فرْق كبير، وهنا يتبين لك النية الحسنة في تعلّم العلم وتعليمه، أنا لا أزكي على الله أحد! ولكنّ النتائج تتكلم، ونحسب الشيخ القرعاوي ممَن حسُنت نيّته، رحم الله الجميع.

ولِيَعْلم العالم حسن النية أنّ عِلْمَه لن يذهب، إنْ وجد ثمرة - كما وجدها القرعاوي وابن باز رحمهم الله وغيرهم - فالحمد لله، وإلّا فلن يعدم عند الله ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(2)، فإنّ بعض الأنبياء ذهب وليس له ذكرٌ! ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ(3)، ولكنْ يأتي النَّبِيُّ يوم القيامة وليس معه أحد؛ فهل هذا قادحٌ في إخلاصه أو في دعوته؟ الجواب: لا، إذًا ليس الكثرة هدفًا! ولكنّ الهدف الذي ينبغي أنْ يسعى له طالب العلم أنْ يكون طلبه للعلم خالصًا لله، مِن طلاب القرعاوي كان حافظ بن أحمد الحكمي وهو الذي جاءنا بهذه السيرة العطرة لذلك الرجل، ولدعوة الشيخ القرعاوي آثار طيبة لا تزال إلى الآن، ونسأل اللهَ المزيدَ مِن فضله.

نسمع المنظومة مِن أخيكم، تفضل..


(1) الرعد: 11.
(2) يوسف: 56.
(3) غافر: 78.