موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمات متعلقة بعلم القواعد الفقهية - شرح القواعد الفقهية للسعدي
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح القواعد الفقهية للسعدي لفضيلة أحمد بن حمد بن عبد العزيز الونيس
  
 
 شرح القواعد الفقهية للسعدي
 مقدمات متعلقة بعلم القواعد الفقهية
 المقدمة الأخيرة: المؤلفات في القواعد الفقهية
 تنبيه
 ترجمة الناظم والتعريف بالمنظومة وشروحها
 مقدمة المنظومة
 قاعدة: الأمور بمقاصدها وتفريعات عليها
 المصالح والمفاسد
 قاعدة المشقة تجلبُ التيسير وتفريعات عليها
 قاعدة الضرورات تبيح المحظورات
 قاعدة اليقين لا يزول بالشك وتفريعات عليها
 قاعدة يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا
 قاعدة العادة محكمة
 قاعدة مَن تَعَجّل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحرمانه
 قاعدة اقتضاء النهي الفساد
 دفع الصائل
 الألفاظ التي تفيد العموم
 قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور
شرح القواعد الفقهية للسعدي - مقدمات متعلقة بعلم القواعد الفقهية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ نبيّنا محمد عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن سار على نهجه واقتفى أثرَه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فأحمد الله عزّ وجلّ على ما يَسَّرَ مِن بَدء هذه الدورة والتي أسأل الله جلّ وعلا أنْ تكون دورة نافعة مباركة، وأسأله سبحانه أنْ يجزيَ القائمين عليها خيرَ الجزاء؛ وأنْ يجعل أعمالنا وأعمالهم خالصة لوجهه الكريم صوابًا على سُنَّةِ سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

سيكون - إنْ شاء الله تعالى - الكلامُ على المنظومة "منظومة القواعد الفقهية" للعلامة الشيخ عبد الرحمن السّعدي رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وسيكون درسي يوميًّا - إنْ شاء الله - في مقدمات متعلقة بعلم القواعد الفقهية، ونشرع - إنْ شاء الله تعالى - مِن الغَد في المنظومة، وهذه المقدمات مهمة لطالب العلم وهي كالمدخل لعلم القواعد الفقهية.

المقدمة الأولى: في التعريف بالقواعد الفقهية، هذا المصطلح مركب مِن كلمتين "القواعد" و "الفقهية"، ولا بُدّ مِن البدء في تعريف كل كلمة مِن هاتين الكلمتين ثم بعد ذلك يُعَرّف هذا العلم.

القواعد جمع قاعدة، وهي في اللغة الأساس، الأساس - أساس الشيء وأصله -، سواء كان هذا الأساس حِسّيًا أو معنويًا، ومنه قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ(1)، وأمّا القاعدة في الاصطلاح فهي قضية كُلّية يُتعرف منها أحكامُ جزئياتها، قضية كلية يعني أنه يندرج تحتها أفرادٌ فتَعُمُّ جميع الأفراد التي تندرج تحت هذه الكلية، مثال ذلك: كل أمرٍ مجرد يقتضي الوجوب، هذه قضية كلية، يعني قاعدة كلية، وهي مِن القواعد الأصولية، كل أمرٍ مجرد عن القرينة أو الصارف فإنه يقتضي الوجوب، مِن جزئيات هذه القاعدة قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ(2)، هذا أمرٌ؛ وهذا الأمر ليس له صارفٌ، إذا طبقنا القاعدة "كل أمرٍ مجرد مِن القرينة يقتضي الوجوب" نقول: إنّ الصلاة واجبة، فنلحظ هنا أنّ هذه الجزئية تدخل في القضية الكلية.

المقصود هنا تعريفُ القاعدة عمومًا، وليس تعريف القاعدة الفقهية، القاعدة الفقهية سيأتي الكلام عليها - إنْ شاء الله -، وأمّا الفقهية فهي نسبة إلى الفقه، وهو في اللغة بمعنى الفهم للشيء والعلم به، ومنه قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي(3) أي يفهموه، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ(4) يعني لا نفهمه، وأمّا الفقه في الاصطلاح فقد كان في صدر الإسلام يعني العلم بجميع الأحكام الشرعية؛ فيدخل في ذلك علم العقيدة والتفسير والحديث والفقه - بمعناه الاصطلاحي - الذي هو الأحكام العملية، ومِن هذا المعنى قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ(5)، وأيضًا منه الحديث المشهور وهو قول عليه الصلاة والسلام «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا؛ يفقهه في الدِّين»(6)، فالفقه في هذه الآية وفي هذا الحديث يُرادُ به جميعُ علوم الشريعة، ثم بعد زمن الصحابة رضي الله عنهم - يعني في عهد التابعين - اختصّ الفقه بالأحكام العملية - وهو الفقه الاصطلاحي -، وتعريفه: "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة مِن أدلتها التفصيلية"، العلم بالأحكام الشرعية: هذا يُخرج الأحكام غير الشرعية كالأحكام العقلية أو الأحكام اللغوية وغيرها، العلم بالأحكام الشرعية العملية، قولنا في التعريف "العملية" يُخرج غيرَ العملية مثل الاعتقاد، فالاعتقاد في الاصطلاح لا يسمى فقهًا، المكتسبة مِن أدلتها التفصيلية: يعني أنّ هذه الأحكام العملية لا تُعَدُّ فقهًا إلّا اذا كانت مستندة إلى أدلة الشرع، والأدلة المراد بها: الكتاب والسُّنَّة والإجماع وغير ذلك مِن الأدلة الشرعية، مثال ذلك: الاستدلال على تحريم الميتة بقول الله عزّ وجلّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ(7) هذا دليل تفصيلي، ويقابل الأدلة التفصيلية الأدلة الإجمالية، وهذه محل نَظَرِ علماء الأصول، يعني مثل "الأصل في الأمر الوجوب" هذا دليل إجمالي؛ محل نظرِ علماء الأصول.

ننتقل بعد ذلك إلى تعريف "القواعد الفقهية"، تعريف هذا العلم، اختلف الفقهاء في تعريف القواعد الفقهية بناء على اختلافهم في مفهومها، هل هي قضية كلية أو قضية أغلبية؟ فمَن نَظَرَ إلى أنّ القاعدةَ الفقهيةَ هي قضيةٌ كليةٌ عَرَّفَها بقوله "قضية كلية فقهية يُتعرف منها أحكامُ جزئياتها" ومَن نَظَرَ إلى أنها قضية أغلبية وذلك لكثرة المستثنيات مِن القواعد، كثير مِن القواعد يوجد لها مستثنيات - كما سيأتي الكلام عليه إنْ شاء الله – فقالوا: إنها ليست قضية كلية وإنما أغلبية أو أكثرية، عرّفوها بقولهم "قضية أغلبية أو أكثرية ينطبق على معظم جزئياتها لتُعرف أحكامُها منها"، هنا فائدة تتعلق بهذا التعريف وهو أنّ هذا التعريف للقاعدة الفقهية إذا انطبق على أيّ عبارة في كلام الفقهاء؛ فإننا نحكم بأنّ هذه العبارة قاعدة، - ولو لم ينصَّ على ذلك أحدٌ مِن المتقدمين -، لا يُشترط في القاعدة الفقهية أنْ تكون منصوصًا عليها مِن قِبَلِ الفقهاء، إذا وجدنا أيّ عبارة للفقهاء تنطبق على هذا التعريف فنقول: هذه قاعدة فقهية، وعلى هذا جرى العمل والدراسات العليا في الجامعات فاستنبطوا القواعد الفقهية مِن كلام العلماء؛ كما استنبطوا مِن كلام شيخ الإسلام قواعد، واستنبطوا مِن كلام ابن القيم قواعد ومِن المغني لابن قدامة وغير ذلك.

ننتقل إلى المقدمة الثانية وهي: الفروق بين القواعد الفقهية وما يشابهها، القاعدة الفقهية يشابهها عدة أشياء، أولًا الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي، يذهب بعض الفقهاء إلى إطلاق لفظ الضابط على القاعدة الفقهية، يعني عندهم أنّ الضابط والقاعدة لا فرْق بينهما، لكنّ أكثرَ الفقهاء على التفريق بين الضابط الفقهي والقاعدة الفقهية، وهذا الذي عليه استعمالُ كثيرٍ مِن الفقهاء.

قبل أنْ نذكر الفرْق لا بُدّ أنْ نعرف الضابط، الضابط الفقهي: هو قضية كلية فقهية تنطبق على جزئياتها التي مِن باب واحد، هذا هو الغالب - كما تقدم - في كلام الفقهاء، إلّا أنهم أحيانًا – وهذا قد تنتبه إليه فيما يَمُرُّ بك في كُتب الفقهاء - قد يطلقون الضابط على غير ما تقدم مِن التعريف! فمِن ذلك قولهم "ضابط الركوع المجزئ"، في شرح المنتهى للبهوتي رحمه الله قال: وقال المجد - يعني ابن تيمية -: "وضابط الإجزاء الذي لا يختلف: أنْ يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل" سماه ضابطًا؛ مع أنه في الحقيقة هو تحديد لهذا الركوع المجزئ، أيضًا في "العدة شرح العمدة" لبهاء الدين المقدسي رحمه الله يقول: "وفي ضابط الغنى روايتان" هو الآن يريد أنْ يُحدد ما المراد بالغنى؟ يعني في باب الزكاة، إذا عرفنا أنه غني لا يستحق الزكاة! ما هو الضابط؟ قال: "في ضابط الغنى روايتان، إحداهما أنه الكفاية على الدوام لصنعة أو لكسب أو أجرة أو نحوه، والرواية الثانية أنه الكفاية" إلى آخر كلامه، فنلحظ هنا أنه أطلق الضابط على غير القضية الكلية التي تندرج تحتها جزئيات، إنما هو كالتحديد أو التعريف، وهذا لا إشكال فيه، لكنّ الغالبَ أنّ الفقهاء إذا أطلقوا الضابط أرادوا بها القضية الكلية كما تقدم، إذا تبيّن هذا فما الفرْق بين الضابط وبين القاعدة الفقهية؟ لا شك أنّ التعريف المتقدم نستشف منه الفرْق، لَمّا قال: "في باب واحد" معنى ذلك أنّ القاعدة الفقهية تكون فروعها منتشرة في أبواب كثيرة، مثل قاعدة "الأمور بمقاصدها" المأخوذة مِن قوله عليه الصلاة والسلام «إنما الأعمال بالنيات»(8) هذه تدخل في كل أبواب الفقه، بينما نجد أنّ الضابط لا يدخل في باب أو بابين، مِن أمثلة ذلك - يعني فيما يتعلق بالضابط - قول الفقهاء: "كل ميته نجسة إلّا السمك والجراد" لأنّ هذه قاعدة لكن هل هي منتشرة في كتب الفقه كلها أمْ تخصّ بابًا أو بابين؟ هذه تخصّ بابَ الذبائح والصيد وأيضًا باب النجاسات، إذًا فهذه تسمى ضابطًا ولا نقول قاعدة!

أيضًا مِن الفروق بين الضابط والقاعدة أنّ القاعدة في الأغلب متفق عليها بين المذاهب أو أكثرها أمّا الضابط فإنها يختص بمذهب معين إلّا ما ندر عمومه، بل منه - يعني مِن الضوابط - ما يكون مختلفًا فيها في المذهب الواحد، كما هو في قواعد ابن رجب رحمه الله، فكثير مِن القواعد التي يذكرها فيها خلاف وهي داخلة في مذهب الحنابلة، فهو خلاف في المذهب، إذًا الضوابطُ الأصلُ فيها أنها ليست متفقًا عليها بخلاف القواعد.

ثانيًا: الفرْق بين القاعدة الفقهية والكلية الفقهية، الكلية الفقهية: "هي حكم كلي فقهي مُصَدَّرٌ بكلمة كل؛ يشتمل على فرعين أو أكثر"، مِن أمثلة الكليات قول ابن قدامة رحمه الله تعالى في العمدة: "كل ما جاز أنْ يكون ثمنًا جاز أنْ يكون صداقًا قَلّ أو كَثُرَ" هذا نسميه كلية فقهية، مِن الأمثلة أيضًا قول البعلي في "كشف المخدارات": "كل ما صح بيعه صح قرضه" فهذه كلية فقهية، ما الفرْق بين الكلية الفقهية والقاعدة الفقهية؟ أو أيضًا ما الفرْق بينها وبين الضابط الفقهي؟ يقال في الفرْق بينهما أنّ الكلية الفقهية إن شملت عدة أبواب فهي بمعنى القاعدة الفقهية؛ وإن شملت الكلية الفقهية بابًا واحدًا فهي بمعنى الضابط الفقهي.

ثالثًا: العلاقة بين القواعد الفقهية والأشباه والنظائر، يعني ما الفرْق بين القواعد الفقهية وبين ما يذكره بعض الفقهاء مِن قولهم "الأشباه والنظائر"، هناك عدة كُتب أُلفت في القواعد الفقهية أطلق عليه مؤلفوها "الأشباه والنظائر"، وهذا يحتاج مِنّا أنْ نعرف معنى "الأشباه والنظائر" في اللغة، الشبيه والنظير في اللغة بمعنًى واحد، فالشبيه والنظير كلاهما بمعنى المثيل، لكنّ الفقهاء الذين أَلّفوا في ذلك أرادوا بالأشباه الاشتراك بين مسألتين في أكثر الوجوه، انتبه لهذا حتى نُفَرّق بين الأشباه وبين النظائر، قالوا: الأشباه اشتراك بين مسألتين فقهيتين في أكثر الوجوه، وأرادوا بالنظائر الاشتراك بين مسألتين فقهيتين لكن في بعض الوجوه - ولو كان وجهًا واحدًا -، يعني التشابه في النظائر أضعف، وبناءً على ذلك فإن الأشباه هي الفروع الفقهية التي أَشْبَهَ بعضُها بعضًا في الحكم، يكون الحكم فيها واحدًا، وأمّا النظائر فهي الفروع الفقهية التي بينها أدنى شَبَه لكن قد يكون الحكم فيه واحدًا وقد لا يكون الحكم فيه واحدًا، ولهذا لجأ الفقهاء إلى الفروق الفقهية، والفروق الفقهية هي النظائر المتحدة تصويرًا ومعنًى؛ لكنها مختلفة مِن جهة الحكم والعلة.

طيب ما السبب في كون الفقهاء لَمّا أَلّفوا بعض الكتب القواعد سموها بـ "الأشباه والنظائر"؟ يقال: السبب في ذلك أنّ بعض كُتب القواعد - التي سميت بالأشباه والنظائر" نَجِدُ أنها تشتمل على فروع متشابهة تجمعها القواعد والضوابط؛ وفروع أخرى متشابهة في الصورة لكنها مختلفة في الحكم، وهذه التي تسمى بالنظائر، يعني هناك تداخل بين المؤلفات في القواعد وفي الفروق، يأتي معنا - إنْ شاء الله تعالى – "الفروق" للقَرَافي رحمه الله، وكثير مِن كُتب الفروق تندرج فيها قواعد؛ فهناك تداخل بين هذين العلمين.

رابعًا: الفرْق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية، القواعد الأصولية وضعها الأصوليون لاستنباط الأحكام للنصوص، كما تقدم معنا قبل قليل، فالأصل في الأمر الوجوب، هذه قاعدة أصولية نستفيد منها في استنباط الحكم مِن الكتاب والسُّنَّة، تشترك القاعدة الأصولية مع القاعدة الفقهية في أنّ كلًا منهما قضية كلية متعلقة بالفقه، ويدخل تحتها جزئيات أو فروع كثيرة، وتفترق القاعدة الأصولية عن القاعدة الفقهية فيما يلي:

أولًا: أنّ القواعدَ الأصولية قواعدُ كلية لا استثناء فيها، بمعنى أنه لا يخرج جزئية أو فرد مِن الأفراد عن هذه القاعدة الأصولية؛ بخلاف الأمر في القاعدة الفقهية فقد تقدم معنا أنّ هناك مستثنيات مِن القواعد الفقهية، مثال ذلك: قاعدة "كل أمرٍ لا يوجد له صارف؛ فإنه يفيد الوجوب" هذه قاعدة أصولية، هل لها مستثنيات؟ ما لها مستثنيات، طيب لو نظرنا في قاعدة "الأمور بمقاصدها" هل لها مستثنيات أو لا؟ نعم، لها مستثنيات، يأتينا - إنْ شاء الله تعالى - مِن الأمثلة في هذا أنّ الإنسان لو حَجّ عن غيره قبل أنْ يحجَّ عن نفسه الفريضة؛ هذه الحجة تكون عن مَن؟ تكون عنه، هل نوى؟ ما نوى! إذا ما انطبقت عليه القاعدة "الأمور بمقاصدها" هو لم يقصد! فمع ذلك الحَجّة تكون له، إذًا هذا مستثنى مِن القاعدة، ودليل الاستثناء وسبب الاستثناء هو النص – كما سيأتي -، إذًا الفرْق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية أنّ القاعدة الأصولية لا يَرِدُ عليها الاستثناء بخلاف القاعدة الفقهية فإنه يَرِدُ عليها الاستثناء.

الفرق الثاني: أنّ القاعدة الفقهية تُستخرج منها أحكام الجزئيات الفقهية مباشرة بدون توسط الدليل؛ أمّا القاعدة الأصولية فتُستخرج منها أحكام الجزئيات الفقهية بواسطة الدليل، وهذه يتضح بمثال، عندنا مِن القواعد الفقهية الكبرى قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" تفيد أنّ مَن تَيَقَّنَ الطهارة وشك في الحدث؛ فما حكمه؟ تَيَقّن الطهارة وشك في الحدث؛ فالأصل أنه متطهر، لا يُلتفت إلى الشك في الحدث، إذًا أخذنا الحكم مِن القاعدة مباشرة، هل احتجنا إلى توسط دليل؟ ما احتجنا إليه، بخلاف القاعدة الأصولية "الأمر المجرد عن القرينة يفيد الوجوب"، هل يمكن أنْ نأخذ مِن هذه القاعدة الأصولية الحكمَ؟ كأن نأخذ حكم وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة؟ ما يمكن! لا بُدّ مِن وجود الدليل وهو قوله جلّ وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ(9) هذا الدليل، فنأتي بالقاعدة الأصولية ونطبقها على الدليل ثم نستخرج الحكم؛ بخلاف القواعد الفقهية، مباشرةً إذا وُجِدَ فرع فقهي ينطبق على هذه القاعدة مباشرة نستخرج منها هذا الحكم، هذا ما يتعلق بالفروق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية.

ننتقل بعد ذلك إلى الفرْق بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية، مصطلح "النظرية" مِن المصطلحات الحادثة، جاء تعريفه في بعض الكتب المعاصرة بأنّ النظرية "فرض علمي، يربط عدة قوانين بعضها ببعض، ويردها إلى مبدئ واحد، يمكن أنْ نستنبط منه أحكامًا وقواعدَ" هذا تعريف النظرية عمومًا، دراسة النظريات في نطاق الفقه الإسلامي استخلصه الفقهاءُ المعاصرون الذين جمعوا بين الدراسة القانونية والدراسة للفقه الإسلامي - كما هو الحال في كثير مِن الكليات التي تجمع بين الفقه والقانون والتي تسمى بكليات الحقوق - هذا فنّ جديد وطريقة جديدة مبتكرة في صياغة الفقه الإسلامي، وهذه النظريات الفقهية الغرضُ منها إبرازُ أحكام الشريعة الغرّاء فيما يتعلق بالجانب الحقوقي؛ ومقارنة هذه النظريات الفقهية بالنظريات القانونية؛ وبيان تَمَيّزِ الشريعة على هذه القوانين؛ بل وبيان ما في هذه القوانين مِن النقص والخلل.

بعض الفقهاء يَعُدُّ النظريات الفقهية مِن قبيل القواعدِ الفقهية! وهذا ليس بصحيح، بل بينهما فروق، وقَبْلَ ذِكْرِ الفروق لا بُدّ مِن تعريف النظرية الفقهية وبيان مثال عليها حتى يتضح الأمر، النظرية الفقهية عُرّفت بعدة تعريفات، والحقيقة أنه لا تخلو هذه التعريفات مِن إشكال، لكنْ أذكرُ تعريفين.

التعريف الأول: "هو موضوع كلي فقهي يدخل تحته موضوعات فقهية عامة متشابهة في الأركان والشروط والأحكام العامة مع اختصاص كل موضوع منها بأركانه وشروطه الخاصة يعني مثل نظرية العقد، نظرية الحق، نظرية الملكية، وغيرها مِن النظريات.

عَرَّفَها بعضُهم أيضًا بأنها "موضوع يشتمل على مسائل فقهية، حقيقتها أركان وشروط وأحكام متصلة ببعضها تجمعها وحدة موضوعية".

أنا أكاد أجزم أنّ النظرية لم تضح مِن هذين التعريفين! ولهذا نأتي بمثال مِن هذه النظريات ونعرف ما الذي يندرج تحته فيتضح الأمر بإذن الله، مِن أمثلة النظريات "نظرية العقد" هذه النظرية يمكن أنْ تُدرس مِن الجانب القانوني البحت، ويمكن أنْ ندرسها مِن الجانب الفقهي على ضوء الفقه الإسلامي، كيف ندرسها على ضوء الفقه الإسلامي؟ يبدأ مَن كَتَبَ في النظريات أولًا بتعريف العقد في اللغة والاصطلاح، ثم بعد ذلك يذكر أركان العقود إجمالًا، يعني النظر الآن نظر عام؛ ليس لعقد دون عقد، يقولون مثلًا: "أركان العقود: العاقد، والمعقود عليه، والصيغة" ثم يُفَصِّلون في هذه الأركان، يذكرون أيضًا تحت هذه النظرية شروط العقد، مِن شروط العقد مثلًا الرضى مِن الطرفين، مِن شروط العقد أنْ يكون مباحًا، مِن شروط العقد أهلية العاقد، ونحو ذلك مِن الشروط، ويُفَصّلون في هذه الشروط أيضًا، قد يوجد خلاف في بعض هذه الجزئيات بين الفقهاء فيُذْكَرُ في موضعه، أيضًا مما يُذْكَرُ تحت هذه النظرية الشروطُ في العقود، وأظنه لا يخفى الفرْق بين شروط العقد والشروط في العقد، شروط العقد هي التي وضعها الشارع، وأمّا الشروط في العقد فهي التي يضعها المتعقدان أو أحدُهما، كما لو اشترط أحدهما رهنًا أو اشترط أنْ يكون الثمن مؤجلًا، هذه شروط في العقد، هذه تُذكر في النظرية ويُبين ما هو فاسد منها وما هو صحيح منها، أيضًا يُذكر مِن المسائل ما هو الأصل في العقود والشروط؟ هل الأصل فيها الإباحة أو الأصل فيها التحريم؟ كذلك يُذكر في هذه النظرية أنواع العقود، عقود معارضات وعقود تبرعات وعقود توثيقات، أيضًا عقود صحيحة وعقود فاسدة، وغير ذلك مِن التفصيلات، إذا تأملتَ في هذه النظرية هذا الكلام كله مِن أين أُخِذَ؟ مِن كلام الفقهاء؛ لكنه صياغة جديدة وتركيب جديد للفقه الإسلامي؛ فلا إشكال حينئذ في هذا الترتيب.

يُلحظ مما تقدم أنّ الكلام في العقد على وجه العموم، لا تَجِدُ في نظرية العقد مثلًا يقول لك: "مِن شروط عقد البيع" أو "شروط عقد الإجارة" لا يذكرون هذا! وإنما المقصود ذِكْرُ ما يتعلق بالعقود إجمالًا، أيضًا في هذه النظريات الفقهية تتم المقارنة بين أحكام الشريعة الإسلامية وبين القوانين الوضعية؛ وبيان تَمَيّزِ الفقه الإسلامي وسَبْقِه لهذه القوانين؛ وبيان ما في هذه القوانين مِن خلل أو نقص، أيضًا في النظريات الفقهية تَجِدُ أنّ مَن كَتَبَ فيها يذكرون المستحبات والمكروهات في العقود، هذا ما نجده في النظريات القانونية! يعني مثل الإقالة، الإقالة إذا تم العقد بين طرفين ثم حصل التفرق - مثلًا في عقد البيع - فإن العقد يكون لازمًا، لكن لو أنّ أحدهما نَدِمَ على هذا العقد فأتى إلى الطرف الآخر وقال: أقلني! يعني افسخ هذا العقد الذي تَمّ بيني وبينك؛ فإنه يستحب للطرف الآخر أنْ يُقيلَه مِن هذا العقد، لأنه عليه الصلاة والسلام قال: «مَن أَقَالَ مسلمًا؛ أقال اللهُ عثرتَه يوم القيامة»(10) فهذا الأمر المستحب أو الأمور المكروهة إنما تُذكر في النظريات الفقهية ولا تُذكر في النظريات القانونية.

إذا تبيّن هذا فما الفرْق بين النظرية الفقهية والقاعدة الفقهية؟ يقال في الفرْق بينهما: أنّ القاعدة الفقهية تتضمن حكمًا فقهيًا في ذاتها، وهذا الحكم الذي تضمنته القاعدة ينتقل إلى الفرع المندرج تحتها، مثلًا "قاعدة اليقين لا يزول بالشك" تضمنت حكمًا أو لا؟ تضمنت حكمًا، فكل مسألة اجتمع فيها يقين وشك فإنها تندرج تحت هذه القاعدة ونأخذ منها الحكم، لكن هل هذا يوجد في النظريات؟ لا يوجد في النظرية الفقهية، "نظرية العقد" هل نأخذ منها حكمًا؟ "نظرية الملكية" وغيرها مِن النظريات؟

أيضًا مِن الفروق أنّ بين النظرية الفقهية والقاعدة الفقهية عموم وخصوص وجهيّ، وذلك أنّ النظريات الفقهية تُعَدُّ أعمَّ وأوسعَ مِن القواعد الفقهية مِن جهة أنّ القواعد الفقهية يمكن أنْ تدخل تحت النظرية وتخدمها، مَرَّ معنا قبل قليل "نظرية العقد" وذكرتُ قاعدة مندرجة تحت هذه النظرية وهي قاعدة "هل الأصل في العقود الإباحة أو التحريم" يعني على الراجح نصيغ قاعدة في هذا فنقول: "الأصل في العقود وفي الشروط الإباحة" هذه قاعدة اندرجت تحت النظرية الفقهية وخدمتها، بخلاف القواعد الفقهية فإنها تُعُدّ أعمَّ مِن النظرية الفقهية مِن جهة أنّ القاعدة لا تتقيد بموضوع، فهي تشمل موضوعات كثيرة جدًا، يعني قاعدة "الأمور بمقاصدها" هل هي منحصرة في موضوع معين؟ في الطهارة أو في الصلاة أو في البيوع؟ لا، بخلاف النظريات الفقهية، "نظرية العقد" منحصرة في العقد، "نظرية الضمان" منحصرة في الضمان، وهكذا.

أيضًا مِن الفروق أنّ فروع القاعدة الفقهية حكمُها واحد بخلاف النظرية الفقهية؛ فإنما يندرج تحتها مِن فروع له أحكام مختلفة، قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" كل ما يندرج تحت هذه القاعدة مِن أحكام فالحكم فيها واحد؛ بخلاف النظريات الفقهية فإنما يندرج تحتها يختلف في حكمه.

آخر فرق أذكره بين النظرية الفقهية والقاعدة الفقهية: هو أنّ القواعد الفقهية لا تَجِدُ فيه إشارة إلى المقارنة مع القوانين الوضعية؛ بخلاف النظريات؛ فإنه يوجد فيها شيء مِن ذلك.

المقدمة الثالثة: أنواع القواعد الفقهية:

تتنوع القواعد الفقهية إلى عدة أقسام - تبعًا للحيثية التي يُنظر إليها منها -:

أولًا: مِن حيث سعة القاعدة وشمولها، فتنقسم القواعد إلى خمس قواعد يطلق عليها "القواعد الكلية الكبرى"، وهي خمس قواعد: قاعدة "الأمور بمقاصدها"، وقاعدة "اليقين لا يزول بالشك"، وقاعدة "المشقة تجلب التيسير"، وقاعدة "الضرر يُزال" أو "لا ضرر ولا ضرار"، وقاعدة "العادة مُحَكَّمَة"، بعضهم يضيف إليها قاعدة "إعمال الكلام أَولى مِن إهماله"؛ فتكون ستًا.

هذه القواعد تشتمل على فروع فقهية كثيرة في جميع أبواب الفقه، ولهذا قالوا إن الفقه مبنيّ على هذه القواعد الخمس.

تقدم أنه يندرج تحت هذه القواعد عدد كثير جدًا مِن الفروع الفقهية في أبواب مختلفة، وأيضًا يتفرع عن هذه القواعد قواعد أخرى تابعة لها، أمّا هذه القواعد فإنها أصلية ليست تابعة لغيرها، هذه القواعد الخمس الكبرى متفق عليها بين المذاهب الفقهية، لم يختلف فيها أحد، إذًا القسم الأول مِن القواعد هي القواعد المتفق عليها بين المذاهب وهي القواعد الخمس الكبرى.

ثانيًا: قواعد شاملة لأبواب كثيرة في الفقه ولا تختصُّ بباب معين؛ ولكنها أقل شمولًا مِن القواعد الخمس الكبرى، وهي أيضًا قواعد متفق عليها بين المذاهب المختلفة، منها ما يندرج تحت القواعد الكبرى، ومنها ما لا يندرج تحتها، مِن أمثلة هذه القواعد قاعدة "الاجتهاد لا يُنقض بمثله" وقاعدة "الإقرار حجة قاصرة" وقاعدة "التابع تابع" وغيرها مِن القواعد.

الغالب في القواعد المتفق عليها أنْ تكون مُصاغة بأسلوب خبري لا بأسلوب إنشائي، هذا مهم في التمييز بين القواعد المتفق عليها بين الفقهاء وبين القواعد المختلف فيها، إذا جاءتك القاعدة أو الضابط بصيغة الاستفهام؛ فتفهم منه أنه محلّ خلاف بين الفقهاء، أمّا إذا جاءت بصيغة الخبر فأنها تفيد الاتفاق.

الثالث مِن أنواع القواعد: القواعد المذهبية: وهي التي تختصّ بمذهب دون مذهب، أو تُنسب لإمام معين مع شمولها لعدة فروع، مِن أمثلة ذلك قاعدة "الرخص لا تُناط بالمعاصي" وأيضًا قاعدة "هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها" نلحظ أنها جاءت بصيغة الاستفهام فدلَّ على أنها ليست مِن القواعد المتفق عليها.

الرابع مِن أقسام القواعد: القواعد التي تختص باب واحد أو بأبواب محدودة مِن الفقه، وهذه تقدم أنها تسمى الضوابط الفقهية - وقد تقدم الكلام عليها -.

المقدمة الرابعة: فوائد دراسة القواعد الفقهية، ما هي الثمرة مِن دراسة هذا العلم؟ وما هي فائدته؟ تظهر فائدة دراسة هذا العلم فيما يلي:

أولًا: القواعد الفقهية تضبط فروع الأحكام العملية، وتربط بينها برابطة تجمعها، وتُبرز مِن خلاها العللَ الجامعة لها وإنِ اختلفت موضوعاتها وأبوابها، يعني قاعدة "المشقة تجلب التيسير" تندها تدخل في الطهارة وفي الصلاة وفي الحج وفي غير ذلك مِن أبواب الفقه، يندرج تحت هذه القاعدة فروع كثيرة، ما الذي يربطها؟ وما الذي يجمعها؟ هذه القاعدة "أنه متى ما وجدت المشقة؛ فإن الحكم هو التيسير في الشريعة"، أنقل كلام العلامة ابن رجب رحمه الله في مقدمة كتابه "القواعد" قال رحمه الله: "أمّا بعد؛ فهذه قواعد مهمة وفوائد جَمّة تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه مما مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتُقَيّد له الشوارد، وتُقَرّب عليه كل متباعد؛ فليُمْعِن الناظر فيه النظر وليوسع العُذْرَ - إن اللبيب مَن عَذَر -، فلقد سَنَحَ بالبال على غاية مِن الإعجال كالارتجال أو قريبًا مِن الارتجال في أيام يسيرة وليال" رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

أيضًا مِن فوائد القواعد الفقهية: أنها تُسهل حِفْظَ الفروع الفقهية، وتغني طالب العلم عن حفظ أكثر الجزئيات، مِن المعلوم أنّ مسائل الفقه لا تنتهي، وهناك مسائل حادثة وستحدث إلى أنْ يشاء الله عزّ وجلّ، ما الذي يضبط هذه المسائل؟ مهما بلغ الإنسان مِن قوة الحفظ والفهم فإنه لا يمكن أنْ يُحيط بهذه الجزئيات كلها، لكن إذا ضبط القواعد فإنه يَرُدّ هذه الجزئيات إلى قواعدها، يقول القَرَافِي رحمه الله في مقدمة كتابه "الفروق": "وهذه القواعد مهمة في الفقه؛ عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يَعْظُمُ قَدْرُ الفقيه ويَشْرُف؛ ويظهر رونق الفقه ويُعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف" ثم قال: "ومَن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حِفْظِ أكثرِ الجزئيات لاندراجها في الكليات".

مِن فوائد دراسة القواعد الفقهية: أنها تُكوّن ملكة فقهية عند الباحث في هذا العلم - يعني في الفقه الإسلامي - تُنِيْرُ أمامَه الطريقَ لدراسة أبواب الفقه ومعرفة أحكامه.

أيضًا مِن فوائد دراسة هذا العلم: أنها تُعِيْنُ الفقهاء على استنباط الأحكام وإيجاد الحلول الشرعية للنوازل الفقهية - خاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه النوازل -، ولهاذا إذا رجعت إلى فتاوى المعاصرين وقرارات المجامع الفقهية كثيرًا ما تَجِدُ أنهم يَرُدّون هذه النوازل إلى بعض القواعد الفقهية.

أيضًا مِن فوائد دراسة هذه العلم: أنّ مراعاة القواعد الفقهية يُجنب الفقيهَ مِن التناقض الذي قد ينتج عن الحكم في بعض الجزئيات المتشابهة بأحكام مختلفة، إذا لم يكن عنده تقعيد فقهي ربما يكون يفتي في هذه المسألة بكذا ثم تأتي مسألة مشابهة لها فيفتي بفتوى مخالفة! لكنْ إذا كان يضبط القواعد فإنه يَرُدّ الجزئيات إلى هذه القواعد؛ فتنضبط عنده المسائل.

أيضًا مِن فوائد هذا العلم: أنّ القواعد - خاصة القواعد الخمس الكبرى - تُعين على إدراك مقاصد الشريعة، مثلًا قاعدة "المشقة تجلب التيسير" نستنبط منها نصًّا شرعيًّا وهو رفع الحرج عن الناس والتيسير إذا وُجدت المشقة، أيضًا قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" نستنبط منها مقصدًا شرعيًّا هو أنّ الشريعة جاءت برفع الضرر عن المكلف.

انتقل بعد ذلك إلى المقدمة الخامسة: وهي شروط تطبيق القاعدة الفقهية، يعني هل كل ما مَرّت بنا مسألة فقهية نَرُدّها إلى القاعدة مباشرة أو لا بُدّ مِن شروط متى ما توفرت حينئذٍ نطبق الفرع على القاعدة؛ وإلّا فإنه لا يُعمل بالقاعدة، يقال في هذا أنه لا بُدّ مِن شروط:

الشرط الأول: أنْ يتوفر في الواقعة - يعني في المسألة الحادثة؛ الفرع الفقهي - أنْ يتوفر فيه الشروط الخاصة التي لا بُدّ منها لانطباق القاعدة عليها، كل قاعدة إذا رجعنا إلى شروح القواعد في كتب القواعد الفقهية نَجِدُ أنهم يذكرون لهذه القاعدة شروطًا؛ فلا بُدّ أنْ يتوفر في هذا الفرع الفقهي الشروط التي يذكرها الفقهاء، مثال ذلك: قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" هذه القاعدة لا يُعمل بها إلّا إذا توفرت فيها شروط معينة.

مِن هذه الشروط قالوا: أنْ تكون الضرورة محققة لا مُتَوَهّمة! وهذا واقع الآن، يأتيك بعض الناس ويقول أنا مضطر إلى كذا وكذا، عند الاستفصال منه يتبين أنه ليس هناك ضرورة متحققة؛ وإنما أمرٌ متوقع أو متوهم! فحينئذ لا نطبق عليه القاعدة، أيضًا مِن شروطها أنْ لا يؤدي إزالة الضرر إلى إلحاق ضرر أكبر منه! فحينئذ لا نطبق القاعدة، أنْ لا يترتب على إزالتها إلحاقُ الضرر بغيره مِن الناس، نعم نرفع الضرر عنه لكن ما نلحقه بغيره! كما هو الحال فيما لوجاءه شخص وهدده بالقتل؛ قال: تقتل فلان وإلّا قتلتك! هل نقول: الضرر يُزال؟ اقتل فلان! نقول: لا، لأنه يترتب عليه إلحاق الضرر بالغير؛ فلا نطبق القاعدة.

أيضًا مِن شروطها: أنْ تُقَدَّرَ الضرورةُ بقدرها، مثاله: لو كان الإنسان في الصحراء وليس معه طعام وخشي الهلاك ووجد ميتة؛ يجوز له الأكل، لكن يأكل كم؟ هل يأكل ليشبع؟ أو يأكل بقَدْر ما يحصل به سَدُّ الرمق وبقاء الحياة؟ إذا لا بُدّ مِن شروط لتطبيق القاعدة، إذا توفرت هذه الشروط في القاعدة حينئذ نطبقها ونعمل بها؛ فإنِ اختل منها شرط فإننا لا نطبق القاعدة، وهذا يجعلك تتأمل في النظر في شروط القواعد، يعني لا بُدّ أنْ ترجع إلى شروح الفقهاء في كتب القواعد على هذه القواعد، لأنّ القواعد أكثرها مشروح.

أيضًا مِن شروط تطبيق القاعدة - وهذا مهم -: أنْ لا يُعارض القاعدةَ ما هو أقوى منها أو مثلها، فلو ورد في الفرع الفقهي الذي نريد إدراجه في القاعدة لو ورد فيه نصّ شرعيّ خاصّ مُعْتَدّ به أو ورد في هذه المسألة إجماع أو ورد فيها قاعدة فقهية متفق عليها أَولى مِن هذه القاعدة التي نريد إلحاق الفرع بها؛ فحينئذ لا نعمل بالقاعدة الفقهية، مثال ذلك: قاعدة "الأصل في الميتات التحريم" يعني أي ميتة فإنها محرمة، هذا أصل يعني قاعدة، هذه القاعدة إذا نظرنا إلى بعض جزئياتها كالجراد والسمك نَجِدُ أنه ورد فيه حديث بخصوصه؛ فماذا نعمل حينئذ؟ هل نعمل بالقاعدة في الجراد والسمك؟ نقول: لا، لا نعمل بالقاعدة في هذه الجزئية، لماذا؟ لورود النص، فالنص مُقَدّمٌ على القاعدة، والنص معروف «أُحِلَّتْ لنا ميتتان ودمان، أمّا الميتتان فالجراد والحوت»(11)، مثال آخر: الاحتجاج على تجويز التعامل بالربا في هذا العصر بقاعدة "المشقة تجلب التيسير"، لو جاءنا شخص وقال: أنتم الآن تُحرمون الربا في هذه المصارف؛ إذا قلتم بتحريم الربا فسيلحقنا حرج ومشقة! هل تطبق القاعدة؟ نقول: ما نطبق القاعدة، لماذا؟ لوجود النصوص الخاصة في تحريم الربا، وأيضًا لوجود الإجماع، فاجتمع عندنا النص الخاص في المسألة الذي يُحَرّم الربا وأيضًا الإجماع على تحريم الربا؛ فلا يُعمل بقاعدة "المشقة تجلب التيسير" وهذا للتوضيح؛ وإلّا فلا يوجد مشقة إنْ شاء الله.

أيضًا مِن شروط تطبيق القاعدة: أهلية المستدِل بالقاعدة الفقهية، يعني أنْ يكون أهلًا للتطبيق، يكون مِن أهل الاجتهاد في هذا، وذلك - كما تقدم - أنّ القواعد له شروط ولها قيود وله أيضًا مستثنيات كما سيأتي؛ فمَنِ الذي يمكنه أنْ يُنظر في هذه الشروط وهذه القيود؛ وهل هذا الفرع مستثنى أو ليس مستثنى؟ هذا يحتاج إلى أهلية، يحتاج إلى أنْ يبلغ الفقيه درجة تؤهله إلى الإلحاق - يعني أنْ يُلحق الفرع الفقهي بهذه القاعدة -.

هذه الشروط إذا توفرت فإننا حينئذ نعمل بالقاعدة.

المقدمة السادسة: الاستثناء مِن القواعد الفقهية: وهذا الموضوع مهم لأنه له تَعَلُّقٌ بالاحتجاج بالقاعدة الفقهية - كما سيأتي -، هل القاعدة الفقهية حجة أو ليست بحجة؟ هذا متعلق تعلقًا كبيرًا بموضوع الاستثناء في القواعد، المراد بالاستثناء في القواعد الفقهية إخراجُ مسألة فقهية يَظهر دخولُها في القاعدة الفقهية مِن حُكْمِ تلك القاعدة بأيّ عبارة تدل على ذلك، إخراج مسألة فقهية يظهر - يعني عند النظر الأولي - دخولُها في القاعدة الفقهية نُخرجها مِن حُكْمِ هذه القاعدة بأيّ عبارة تدلُّ على ذلك.

المستثنيات مِن القاعدة الفقهية سَلَكَ الفقهاء فيها منهجين - يعني كيف نعرف هذه المستثنيات:

المنهج الأول: حَصْرُ هذه المستثنيات مِن كل قاعدة، وهذا سار عليه بعضُ الفقهاء، يقول: قاعدة كذا وكذا يستثنى منها هذه المسائل، ثم يسرد بقدر ما يستطيع مِن حصرٍ لهذه المسائل المستثناة، ما فائدة ذلك؟ حتى يقال: أيّ مسألة تنطبق على القاعدة وليست مِن المستثنيات فإنها تدخل في القاعدة ونعطيها نفس الحكم، لكن هذه الطريقة في الحقيقة لا تكفي؛ لأنه مهما حُصِرَت المسائل المستثنيات فسيأتي عالم آخر ويستدرك، وقد تَجِدُّ مسائل نازلة؛ ولهذا سلك الفقهاء مسلكًا آخر في بيان هذه المستثنيات، وهو ضبط المستثنيات عن طريق بيان أسباب الاستثناء، قالوا: نضبط أسباب الاستثناء، إذا عرفنا السبب؛ فإننا حينئذ ننظر في هذا الفرع الفقهي هل هو مِن الأسباب فنستثنيه مِن القاعدة أو ليس فيه سبب مِن هذه الأسباب فإننا لا نستثنيه، أُنَبِّه هنا الى أنّ بعض الفروع الفقهية قد تُذكر على أنها مِن المستثنيات مِن القاعدة لكن في الحقيقة هي ليست مِن المستثنيات، لماذا؟ لأنها في الأصل لم تدخل في القاعدة، لكنْ في الصورة الظاهرة يظن بعض مَن ينظر إليها أنها تابعة لقاعدة كذا وكذا، لكن عند التحقيق نَجِدُ أنها لا تندرج في القاعدة لاختلال شرط أو قيد مِن قيودها.

إذا كان الفرع الفقهي يدخل في القاعدة حقيقة؛ فإنه يمكن أنْ يكون مستثنى مِن هذه القاعدة بأحد أسباب، ومِن هذه الأسباب:

أولا: النص الشرعي، مثال ذلك: عندنا قاعدة تقول: "الأصل في الضمان لأن يُضمن المثلي بمثله"، مثال ذلك: لو أن إنسانًا أتلف صاعًا مِن البُرِّ لشخص آخر؛ فنقول: يلزمك ضمانُ صاع مِن البُرِّ، هذا هو الأصل، لا نلجأ إلى القيمة، الأصل أن يُضمن المثلي بمثله، هذه قاعدة، نَجِدُ أنه في حديث المُصَرّاة؛ المُصَرّاة هي الشاة التي حُبِسَ لبنُها في ضرعها وتُرك عدة أيام حتى يجتمع فيها اللبن ثم يأتي مالكها ويبيعها؛ فيظن المشتري أنها كذلك – يعني أن هذا هو الوصف الدائم فيها -؛ فإنه إذا اشترى هذه الشاة المُصَرّاة وبعد أن يحلبها يتبين له أنّ فيها عيب وأنّ اللبن لا يجتمع فيها بكثرة! فهذا له الحق في أنْ يَرُدّ هذه الشاة، لكنْ إذا رَدَّها هل يَرُدُّ معها لبنًا أو يَرُدُّ تمرًا؟ جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا تُصَرّوا الإبل والغنم، فمَنِ ابتاعها بَعْدُ؛ فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إنْ شاء أمسك؛ وإنْ شاء رَدَّها وصاعَ تَمْرٍ»(12) - والحديث متفق عليه -، لاحظ هنا أنّ ضمانَ اللبن لم يكن بمثلي، إذًا خالف القاعدة أو لا؟ طيب ما السبب في الاستثناء هنا؟ النص الشرعي، كما تقدم معنا في تطبيق القاعدة أنّ النص الشرعي مُقَدَّمٌ على القاعدة.

طيب قد يقول قائل: ماهي الحكمة مِن المخالفة للقاعدة؟ يعني لِمَ لَمْ يقل: يَرُدُّ بقدر ما حلب! ممكن هذا أو لا؟ ممكن، لكن قالوا في الحكمة مِن ذلك أنه قد يَرِدُ النزاعُ بين الطرفين، كيف يَرِدُ النزاع؟ قالوا: إنه إذا حَلَبَ هذه الشاة؛ فإنّ هذا اللبن المجتمع في الضرع أكثره كان قبل عقد البيع - وهو الذي يجب ضمانُه – كان في ملك البائع وبعد العقد تَجَمّعَ أيضًا شيء مِن اللبن في هذا الضرع؛ فاختلط ما يجب ضمانُه وما لا يجب ضمانُه؛ فهذا يؤدي للنزاع بين الطرفين؛ فجاءت الشريعة وحسمت الأمر فقالت: يَرُدُّ صاعًا مِن التمر.

أيضًا مما يُستثنى بالنص مِن القواعد: ما أشرتُ اليه قبل قليل في قاعدة "الأمور بمقاصدها" يُستثنى مِن ذلك عدةُ مسائل في الحج، لهذا يذكر بعض الفقهاء أن الحج يخالف غيرَه مِن المسائل في مسألة النية - في أكثر مِن مسألة -، مِن ذلك ما ذكرتُ مِن حج الإنسان عن غيره قبل أنْ يَحُجّ الفريضةَ عن نفسه، فهذا يكون لنفسه، مع أنه لم ينوِ ذلك! هذا مستثنى مِن القاعدة، ما سبب الاستثناء؟ هو النص الشرعي، وهو حديث شُبرُمَةَ، لَمّا حج قال: لبيك عن شُبرُمَةَ، قال عليه الصلاة والسلام: «مَن شُبرُمَةَ؟» قال: أخ لي أو قريب لي، قال: «حُجَّ عن نفسك ثم حُجَّ عن شُبرُمَةَ»(13)، فالسبب هنا هو النص.

أيضًا مِن أسباب الاستثناء: الإجماع، وهو أنْ يكون الفرع الفقهي مندرجًا تحت القاعدة لكن يستثنى مِن هذه القاعدة بالإجماع، مثال ذلك: قاعدة "بيع المعدوم لا يجوز" الشيء المعدوم هل يجوز بيعه؟ لا يجوز بيعه لِمَا في ذلك مِن الغرر والجهالة، لكن استُثني مِن ذلك مسألة بيعُ الاستصناع، الاستصناع: هو أنْ يتفق شخص مع صانع أنْ يصنع له شيئًا على أنْ تكون المواد مِن الصانع، مثال ذلك: النجار، تذهب إلى النجار وتقول: اصنع لي هذا الكرسي - ويكون الخشب مِن النجار -، هذا العقد نسميه عقد استصناع، أيضًا لو ذهبتَ إلى الخياط وطلبتَ منه أنْ يخيط منه ثوبًا - والقماش مِن الخياط -، فهذا يسمى عقد استصناع، إذا تأملت فيه تَجِدُ أنه بيعٌ لشيء معدوم، هل الكرسي موجود لَمّا أبرمنا العقد مع هذا النجار؟ معدوم! هل الثوب موجود لَمّا أبرمتَ مع الخياط؟ هو معدوم! إذا القاعدة تقول: "بيع المعدوم لا يجوز" ومع ذلك أجازه العلماء، طيب ما سبب الاستثناء هنا؟ قالوا: سبب الاستثناء هو الإجماع، ما هو الإجماع؟ قالوا: الإجماع العملي مِن غير نكير، هل يوجد أحدٌ الآن ينكر عليك أنْ تذهبَ إلى النجار وتقول: اصنع لي هذا الكرسي أو هذا السرير ونحو ذلك؟ لا أحد ينكر عليك، إذًا هذا إجماع عملي منعقد بين الناس عمومًا - علمائهم وعامتهم -، فيكون السبب في الاستثناء هنا هو الإجماع.

أيضًا مِن أسباب الاستثناء مِن القواعد: الضرورة، مِن أمثلة ذلك: قاعدة "ما حَرُمَ أخْذُه حَرُمَ إعطاؤه" معنى هذه القاعدة: أنّ الشيء إذا كان مما يَحْرُمُ على الإنسان أنْ يأخذه فأنه يَحْرُمُ عليه أيضًا أنْ يعطيه غيره، قالوا: يُستثنى مِن هذه القاعدة دفعُ الرشوة حال الضرورة، لو أنّ الإنسان ابتُلي بقاطع طريق وقال: لا بُدّ أنْ تدفع هذه الرشوة وإلّا فإنك لا تنجو، فهنا الآن يجوز الدفع مع أنّ الرشوة منطبقة على القاعدة "ما حَرُمَ أخْذُه حَرُمَ إعطاؤه" لكنّ الذي أجاز الاستثناء مِن هذه القاعدة هو الضرورة.

أيضًا مِن أسباب الاستثناء: الحاجة، والحاجة هي مرتبة دون مرتبة الضرورة، مِن أمثلة ذلك: أنّ عقود المعاوضات لا تصح مع الجهالة والغرر، هذه قاعدة، كل عقد معاوضة فإنه لا يصح مع الجهالة والغرر، يُستثنى مِن ذلك دخول الحمام، والمراد بالحمام عند الفقهاء هو مكانٌ يُغتسلُ فيه - ليس مكانًا تُقضى فيه الحاجة! -، وكان هذا في السابق ما كانت البيوت مهيأة يوجد فيها أماكن للاغتسال؛ فكان الناس يذهبون إلى هذه الحمامات لأجل الاغتسال بأجرة، طيب إذا نظرنا إلى هذه الحمامات هو يدفع مبلغًا من المال لأجل أنْ يغتسل في هذا الحمام، هذا العقد لو نظرنا إليه نَجِدُ أنّ فيه جهالة وفيه غرر، وجه الجهالة والغرر فيه أنّ قَدْرَ الوقت في هذا الحمام غيرُ معلوم، قد يبقى ربع ساعة أو ثلث ساعة أو نصف ساعة! وهذا له أثرٌ بالنسبة للمالك، أيضًا قَدْرُ الماء المستعمل فيه جهالة! ومع ذلك نَجِدُ أنّ الفقهاء يقولون: يجوز دخول الحمام وبذل العوض فيه، طيب ما هو سبب الاستثناء؟ قالو: الحاجة، لأنه لو قلنا بعدم الجواز لَحِقَ الناسَ حرجٌ ومشقة.

المقدمة السابعة وهي: حجية القواعد الفقهية، وهذه مسألة مِن الأهمية بمكان، يعني هذه القواعد هل يمكن أنْ نجعلها دليلًا نُرجع إليه الفروع الفقهية ونحتج بها في المسائل النازلة والمشكلة أو لا؟ قبل بيان حجية القواعد الفقهية أذكر تحرير محل النزاع، فيقال في تحرير محل النزاع: إذا كانت القاعدة الفقهية مأخوذة مِن نصّ شرعيًا فهي حجة يُستدل بها تبعًا للاحتجاج بالنص الشرعي - سواء أُخذت مِن لفظ النص أو مِن معنى النص -، مثال ذلك: قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" هذه نصّ شرعي، فكون الإنسان يحتج بقاعدة "لا ضرر ولا ضرار" لا إشكال، لأنه في الحقيقة إنما يستدل بحديث النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام، أيضًا قاعدة "المشقة تجلب التيسير" هذه ليست نصًا وإنما أُخذت مِن معنى النص في مثل قوله جلّ وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(14) فهي أُخذت مِن معنى النص فهي أيضًا حجة؛ لأنّ في الاحتجاج بها هو في الحقيقة هو احتجاج بالنص الشرعي، وهذا محل اتفاق، يعني الأمر الأول في تحرير محل النزاع: إذا كانت القاعدة الفقهية مأخوذة مِن النصوص الشرعية، فهذه يُحتج بها بالاتفاق.

ثانيًا: يقال: إذا كانت القاعدة الفقهية مبنية أو مجمعًا عليها؛ إذا كانت القاعدة الفقهية مما أجمع عليه الفقهاء فإنها أيضًا حجة تبعًا لحجية الإجماع، وهذا مهم أنع إذا مَرّ بك حكاية إجماع على قاعدة مِن عالم مُسْتَقْرِئ مُطَّلِعٍ على أقوال الفقهاء؛ فإنك تتمسك بهذا الإجماع لأنه يُفيدك في الاحتجاج.

أيضًا مما يقال في تحرير محل النزاع: إذا كانت القاعدة الفقهية مبنية على استقراء تام فهي حجة تبعًا لحجية الاستقراء التام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأمّا الاستقراء فإنما يكون يقينًا إذا كان استقراء تامًا".

رابعًا - وهو محل النزاع -: إذا كانت القاعدة الفقهية لم تُبْنَ على نص شرعي؛ ولم يُجمع عليها؛ ولم تُبْنَ على استقراء تام؛ وإنما بُنيت على استقراء ناقص؛ فهذه محل خلاف بين الفقهاء، هل تكون حجة أو ليست بحجة؟ ذهب بعض الفقهاء إلى عدم الاحتجاج بهذه القواعد الفقهية، وأقوى ما تمسكوا به مسألة "الاستثناء مِن القواعد" قالوا: إنّ القواعد الفقهية أغلبية وليست كلية؛ وأنّ المستثنيات فيها كثيرة؛ ويحتمل أنْ يكون الفرع الفقهي - المراد إلحاقه بهذه القاعدة - مِن المستثنيات؛ وليس من مما لم يستثنى! قالوا: هذا محتمل، والحقيقة هذا أقوى الحجج، لكن هذه يمكن الجواب عنه بعدة أجوبة، فمما يُجاب عن هذا الدليل أنْ يقال: إنْ كون القاعدة الفقهية أغلبية وفيها مستثنيات هذا لا يمنع مِن الحجية! كالنص العام الشامل لجميع أفراده ثم ورد عليه الاستثناء بنص آخر استثنى بعض الأفراد، ما بقي مِن أفراد عام هل يحتج به أو لا؟ نعم، يحتج به ولا إشكال في ذلك، فليُقَل مثل ذلك أيضًا في القواعد الفقهية، أيضًا ما تقدم معنا مِن أنّ الذي يطبق هذه الفروع على القواعد لا بُدّ أنْ يكون أهلًا فيَنْظُر في أسباب الاستثناء وينظر في القيود والشروط لهذه القواعد؛ فإذا توفرت هذه كلها أمكن الإلحاقُ؛ وإلا فإنه لا يمكن الإلحاق، أيضًا مما يقال في الجواب عن هذا الدليل: أنّ قُصارى هذا الدليل أنْ يقال: إنّ هذه القاعدة أغلبية؛ والأغلب الأعمّ معمول به في الشرع، يعني لا يلزم في الشرع أننا لا نعمل إلّا باليقين! اليقين إنما يكون في أشياء؛ ولكن لا يكون في كل شيء! فكون هذه القاعدة تفيد الأعمّ الأغلب هذا كافٍّ في الاستدلال بحمد الله، يعني مِن أقوى ما يُستدل به لحجية القواعد أنّ هذا عمل الفقهاء قديمًا وحديثًا، يوردون هذه القواعد ويحتجون بها في كتبهم، أيضًا مما يُحتج به في حجية القواعد أنّ هذه القواعد أَولى مِن الاحتجاج بالقياس، القياس محتجٌّ به عند جمهور الفقهاء؛ فنقول: القواعد أَولى مِن القياس، ما وجه الأولوية؟ قالوا: إنّ القياس هو إلحاق فرع بأصل، يعني يُقاس على مسألة واحدة على الأصل، بينما القاعدة الفقهية يندرج تحتها مسائل كثيرة، فكأنك في الحقيقة تقيس على عدد مِن المسائل لا على مسألة واحدة! فقالوا: إنّ الاحتجاج بالقواعد الفقهية أَولى مِن الاحتجاج بالقياس.

المقدمة الثامنة - قبل الأخيرة: وهي العلوم التي استُمدت منها القواعد الفقهية: مِن هذه العلوم: القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية، مَرَّتْ معنا قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" وقاعدة "الخَرَاج بالضمان"، هاتان القاعدتان عبارة عن نصين لحديثين نبويين، وأيضًا قاعدة "المشقة تجلب التيسير" مأخوذة مِن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(15)، قاعدة "الأمور بمقاصدها" مأخوذة مِن حديث «إنما الأعمال بالنيات»(16)، قاعدة "العادة مُحَكّمة" مأخوذة مِن قوله جلّ وعلا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ(17) وهكذا في بقية القواعد، أيضًا يقال: هذا في الضوابط التي تكون في باب أو في أبواب محدودة مثل "البَيِّنَةُ على المُدّعي واليمين على مَن أنكر"، أيضًا "ما أسكر كثيرُه فقليله حرام"، هذان ضابطان وهما عبارة عن أحاديث نبوية، لكن يُنَبّه هنا إلى أنّ القاعدة التي تُؤخذ مِن النصوص يُشترط أنْ يكون النصّ معتبرًا في الدلالة، يعني لا نبنيه على حديث ضعيف! لا بُدّ أنْ يكون الحديث صحيحًا، أيضًا مما استُمدت منه القواعد الفقهية آثار الصحابة رضي الله عنهم، مِن ذلك قول عمر رضي الله تعالى عنه: "مقاطع الحقوق عند الشروط"(18) هذا عَلَّقَه البخاري في الصحيح مجزومًا به، أيضًا مما تُستمد منه القواعد الفقهية آثار التابعين رحمهم الله تعالى، مِن ذلك قول شريح - القاضي رحمه الله -: "مَن شَرَطَ على نفسه طائعًا غير مُكْرَهٍ فهو عليه"(19) فهذه قاعدة، ذكره البخاري وعَلَّقَه في الصحيح، أيضًا مما تُستمد منه القواعد الفقهية أقوال بعض الأئمة المجتهدين مما استنبطوه مِن الفروع الفقهية مما يجري مجرى القواعد.


(1) البقرة: 127.
(2) البقرة: 43.
(3) طه: 27، 28.
(4) هود: 91.
 (5) التوبة: 122.
(6) صحيح البخاري (71) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما مرفوعًا.
 (7) المائدة: 3.
(8) صحيح البخاري (1) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(9) البقرة: 43.
(10) صحيح. الطبراني في الأوسط (1 / 140 / 2) من حديث أبي شريح رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (2614).
(11) صحيح. أحمد (5723) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا. الإرواء (2526).
(12) صحيح البخاري (2148) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(13) صحيح. أبو داود (1811) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا. الإرواء (994).
(14) الحج: 78.
(15) الحج: 78.
(16) سبق تخريجه.
(17) الأعراف: 199.
(18) صحيح البخاري (3/ 190).
(19) صحيح البخاري (3/ 198).