موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة - شرح الفوائد المستنبطة من كتاب الحج من عمدة الأحكام
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الفوائد المستنبطة من كتاب الحج من عمدة الأحكام لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
شرح الفوائد المستنبطة من كتاب الحج من عمدة الأحكام - مقدمة

الحمد لله، وصلّى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهداه

الحمد لله على مَن يَسَّرَ مِن هذا اللقاء المبارك - نفعنا الله وإياكم فيه - ويَسَّرَ لنا ولكم العلم النافع وهدانا صراطَه المستقيم.

لا يخفى أنّ مِن نِعَمِ الله وجود هذه النشاطات العلمية والدورات العلمية في مختلف البلاد وفي مختلف المساجد - ولله الحمد -، وهذا يُعتبر مِن أسباب حفْظ الله لدينه الذي وعد الله به في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(1) فالعناية بالعلم الشرعي المستمد مِن كتاب الله وسُنَّة رسول الله هذا مِن أسباب حفْظ الله لكتابه وسُنَّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، ومِن سعادة العبد أنْ يكون مِن المشاركين في هذا الأمر - اللهم لك الحمد - أنْ يكون مِن المشاركين في حفْظ الله لدينه وفي نشرِ العلم الصحيح؛ العلم النافع؛ العلم النبوي؛ العلم الموروث عن النَّبيِّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهذا ميراث الأنبياء وهو العلم بدينه سبحانه وتعالى، والعلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنّما ورثّوا العلم، فالصحابة هم الورّاث الأولون لميراث محمد صلّى الله عليه وسلّم، ثم التابعون لهم الذين حملوا العلم عنهم، ثم التابعون ثم مَن بعدهم على مَرِّ الأجيال، كل جيل يحمل العلم عمّن قبله كما جاء في الحديث المشهور «يحمل هذا العلم مِن كلّ خَلَفٍ عُدُوْلُه، ينفون عنهم تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين»(2) يحمل هذا العلم مِن كل خلف - الله أكبر - مِن كل خلف عُدُوْله، هم العدول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا(3) يعني خيارًا عُدْولًا، فكل مَن شارك إما بالتعليم أو بالتعلّم أو بالتدبير بالرأي أو بالدعم بالمال كلهم لهم نصيب مِن ذلك الفضل لأنّ الله سبحانه وتعالى حكيم يجزي العاملين بأعمالهم ويُنزل كلًّا منزلتَه، ويجزي كلًّا بحسب ما قَدّمَ - نسأل الله أنْ يجعلنا وإياكم مِن الموفقين.

وهذه الدورة في هذا المسجد -مسجد شيخ الإسلام رحمه الله- هذه مِن الدورات التي حازت وتميزت بالاستمرار وتواصل النشاط، ومعلوم أنّ هذه الدورة هي الثالثة والعشرين أي مَرَّ على هذا الجهد وهذا النشاط ثلاث وعشرون سَنَة -الحمد لله رب العالمين.

لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، أوصيكم ونفسي بتقوى الله وبالجِدّ والاجتهاد بطلب هذا العلم لتنالوا مِن فضْلِه بقَدْر ما يَسَّرَ الله لكم ولتكونوا مِن الحُفّاظ والمحافظين على هذا الدين؛ ولتكونوا مِن الطائفة المنصورة كما في الحديث: «لا تزال طائفة مِن أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم مَن خذلهم ولا مَن خالفهم حتى تقوم الساعة»(4).

وهذه الحياة ميدان لابتلاء الخَلْق - كما أخبر الله -، والصراع بين الحق والباطل قائم منذ قامت هذه الدنيا، منذ أهبط اللهُ آدم ثم بعث اللهُ الرسل - والصراع قائم بين الحق والباطل - كما هو مشاهد الآن، الصراع بين الحق والباطل على أشدّ ما يكون لِمَا ابتُلي به البشرُ مِن قوة الكفار وتوفّر الإمكانات لديهم وهذه الحضارة عَظُمت الفتنةُ وعَظُم الابتلاءُ، فهذا التقدم المادي أوجب للكفار استكبارًا وتسلطًا وظلمًا للناس؛ وأوجب لجهّال المسلمين الانبهار والافتتان بهم والإعجاب بهم، أما أهل البصائر فلا ينخدعون، أهل البصائر يعرفون الحقيقة، يعرفون أنّ هؤلاء الكفار مهما بلغوا في التقدم فإنّهم في الحضيض ساقطون، مهما بلغوا في التقدم المادي فالذلُّ والخسار والبوار لا يفارقهم، يقول الحسن رضي الله عنه ورحمه عن الفجّار والأشرار مهما بلغوا: "إنّهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين؛ فإنّ ذلَّ المعصية لا يفارقهم، أبى الله إلّا أنْ يذلَّ مَن عصاه"(5) فالكفار يعيشون حياة الانحطاط، كيف وقد مثلّهم الله بالبهائم السائمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(6) لأنهم لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، شأنهم واهتمامهم بالأكل والشرب والشهرة والدعاية والمصالح المادية، أما أهل الإيمان فإنّ هممهم عالية وطموحاتهم كبيرة، يؤمنون بالله، ويؤمنون بما جاءت به الرسل مِن الأخبار ومِن الشرائع فهم على صراط مستقيم، الصراط المستقيم هو دين الله الذي بعث به رسلَه وأكمل ذلك ما بعث به محمدًا صلّى الله عليه وسلّم، أكملُ الشرائع شريعةُ محمدٍ عليه الصّلاة والسّلام: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا(7).

فالحمد لله على نعمة الاسلام ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ(8) لابُدّ أن نتذكّر ونتفكّر ونستشعر نعمةَ الإسلام ونعمةَ السُّنَّة ونعمةَ العلم الذي يَسَّرَه الله بتوفيقه وهدايته سبحانه وتعالى، فسيروا بارك الله فيكم على هذا الطريق واطلبوا المزيد مِن هذا العلم، الله يقول لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(9)  زدني علمًا، مهما بلغ الانسان مِن التحصيل فإنّه بحاجة إلى المزيد مِن هذا العلم وهذا الخير الكثير - نسأل الله أنْ يرزقنا مِن فضله - ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(10).

أيّها الإخوة قد اخترتُ لكم في هذه الدورة ما علّقْتُه وكتبتُه على عمدة الأحكام مِن الاستنباطات - الفوائد المستنبطة - ولعلكم تعلمون أنّي بدأت هذا المنهج في الأربعين النووية، ثم وجدتُ له فائدة وأهمية وهو يُعِيْنُ المتعلمين والمعلمين مِن جهة شرح هذه الأحاديث، اخترتُ لكم قراءة الفوائد المستنبطة مِن أحاديث كتاب الحَجّ مِن عمدة الأحكام، وقد بدأتُ ذلك مِن أولها والآن نوشك أنْ نفرغ منها، واخترتُ لكم كتاب الحَجّ لمناسبة الوقت، فنحن الآن في شهر شوال وهو أول أشهر الحَجّ، وهذه الفوائد والتعليقات موجودة بين أيديكم إنما نقرأها ومقصودنا في هذه الجلسة التوضيح لِمَا قد يُشكل وزيادة البيان لهذه الفوائد - الفوائد المستنبطة -، ويُعَبِّرُ عنها البعض يعني الذي يأخذ بهذا المنهج بـ "مسائل" يذكر آية يقول: فيها مسائل؛ إذا ذكر حديثًا يقول: فيها مسائل يعني فوائد، فالفوائد هي مسائل، تكون فقهية وتكون عقدية، يعني مسائل تتعلق بالأحكام العملية أو مسائل تتعلق بالأمور العقدية أو غير ذلك.

والشيخ المؤلف لعمدة الأحكام عَلَمٌ مِن أعلام أهل السُّنَّة والحديث، وهو الإمام العالم العلامة عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله، مِن أعلام العلماء في القرن السادس مِن الهجرة، لأنّه وُلد في عام واحد وأربعين وخمسمئة وتوفي رحمه الله عام ستمائة، وخَلَّفَ مؤلفات أعظمها "الإكمال في أسماء الرجال" كتاب عظيم، هذَّبَه العالم العلامة أبو الحَجّاج المِزِّي ثم هذَّبَه الحافظ ابن حجر بالكتاب الذي الآن يعرفه كل الدارسين "تهذيب التهذيب" ثم قرّبه بـ "التقريب"، ومِن مؤلفاته العمدة "عمدة الأحكام" مؤَلف في الحديث ومختصر، لأنّه لم يتوسع في جمع الحديث لأنّه شَرَطَ شرطًا لا يمكن معه أنْ يَستوعب كثيرًا مِن الأحاديث، وهو أنْ لا يذكر إلّا ما اتّفق عليه البخاري ومسلم - هذا شرطه -، هذا شرطه وقد وفّى به في أكثر ما ذكر، فهذا الشرط يعني قصّره على أحاديث معينة، ولهذا عمدة الأحكام مِن المؤلفات المختصرات في الحديث المتوسطات، إذن كلُّ أحاديث الأحكام صحيحة - أعني كل أحاديث عمدة الأحكام - كلها صحيحة، لأنّها منتخبة مِن الصحيحين صحيح البخاري وصحيح مسلم.


(1) الحجر: 9.
(2) صحيح. البيهقي في الكبرى (20911) من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْرِي رضي الله عنه مرفوعًا. تحقيق المشكاة (248).
(3) البقرة: 143.
(4) صحيح البخاري (3640) عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) مجموع الفتاوى (15/ 426).
(6) محمد: 12.
(7) المائدة: 3.
(8) الحجرات: 17.
(9) طه: 114.
(10) الحديد: 21.