موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المجلس الأول - شرح براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من عقيدة الخوارج
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من عقيدة الخوارج لفضيلة عبدالله بن سعد ابا حسين
  
 
شرح براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من عقيدة الخوارج - المجلس الأول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

سبحانك لا عِلْمَ لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم لا حول ولا قوة لنا إلّا بك؛ اللهم فأعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وبعد

فإنَّنا في هذا اليوم - الثلاثاء؛ الرابع عشر مِن شهر شوال؛ عام ألف وأربعمئة وسبعة وثلاثين مِن الهجرة - نتكلم عن موضوع مهم، ونعقد هذا المجلس في تاريخ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وفي براءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مما افتُري عليها خصوصًا الفِرْيَة التي ذُكِرَ في العنوان الذي تعرفونه وهو - براءتها مِن دعوى أنّ أهلها خوارج؛ وأنها دعوة خوارج! - فنقول مستعينين بالله متوكلين عليه:

إنّ بعض الأخوة يتساءل إذا كان في نَجْد علماء - كما ذكرنا في الدرس الماضي - إذا كان في نَجْد علماء في القرن العاشر وعلماء في القرن الحادي عشر فلماذا لم ينكروا الشرك! بينما نَجِد أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب يُصَرِّحُ بأنّه نشأ في بيئة علمية ومع ذلك أدرك أنّ هناك مخالفات تصل إلى الشرك الأكبر؛ ولا تنكر!! والجواب على ذلك يكون بمراجعة ما ذكرناه في الدرس السابق باختصار، نحن ذكرنا في الدرس السابق أنّ هناك معانٍ لا بُدّ مِن أنْ تستحضرها، هذه المعاني هي:

المعنى الأول: أنّ "الإسلام بدأ غريبًا؛ وأنه سيعود غريبًا كما بدأ"(1) وهذا أخبر عنه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ويحتاج إلى تفسير وبيان، وهو أنّ الغربة للإسلام تتجدد، تحصل ثم تنكشف ثم تحصل ثم تنكشف، وهذا أثبتناه في المَثُلَات - المَثُلَات والأشباه - أشباه الحوادث التاريخية؛ ومَثُلَات ما جرى على أهل الإسلام والسُّنَّة وعلى أهل التوحيد على مَرّ التاريخ، النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أخبرنا فقال: «لتتبعن سَنَن مَن قبلكم، قلنا: يا رسول الله؛ اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟!»(2)، آدم عليه السلام كان نبيًا مكلمًا وذريتُه بقيتْ على التوحيد عشرة قرون ثم طرأ عليهم الشرك(3)، وطروء الشرك كان باجتهاد الصالحين، فإنّ وَدّ وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا كانوا أناسًا صالحين ماتوا في زمن متقارب؛ فقال المجتهدون في الصلاح: "لو نَصَّبْنَا لهؤلاء تماثيل؛ فإذا رأينا هذه الأنصاب وهذه التماثيل تذكرنا أولئك الصالحين؛ فتذكرنا طاعاتهم واجتهادَهم؛ فنفعل فعلهم" ونصَّبوا التماثيل وفعلوا ما فعلوا، ثم بعد مدة مات أولئك ثم أعقبهم خَلَفٌ ثم خَلَفٌ ثم بعد ذلك نُسِيَ العلمُ وحدث الشرك، حدث الشرك الأكبر، خالفوا ما كان عليه آدم عليه السلام وما كانت عليه ذريتُه، ثم إنّ الله جلّ وعلا أرسل إلى هؤلاء نوحًا عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك فسخروا منه وكَذّبوه، ثم إنّ الله جلّ وعلا أغرق قومَ نوح ونجا نوحًا ومَن معه في السفينة، وبقي مَن مع نوح على التوحيد جيلًا بعد جيل - الله أعلم كم هو - ثم حدث فيهم الشرك مرة أخرى، وجرى عليهم مَثُلَات ما جرى على التوحيد مِن قَبْلُ، مثال: ما جرى على التوحيد مِن قَبْلُ، أيضًا بقوا ما بقوا وحدث فيهم الشرك فأرسل الله رسولًا، فجاء الرسول وبَيَّنَ التوحيد، وبقي الناسُ بعده على التوحيد، ثم تغيروا عن التوحيد، ثم جاء الله بالرسول الثاني والثالث، أرسل الله إلى ثمود أخاهم صالحًا، وأرسل الله هودًا إلى قومه ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا(4)  كلهم يأمرون بالتوحيد ﴿رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ(5)، هناك رسل جاءوا بالتوحيد لم نعرفهم! لم يقصهم الله جلّ وعلا علينا بالقرآن.

إذن نأخذ مِن هذا أنّ الغربة تحصل على أهل الإسلام، وتنكشف، وتحصل، وتنكشف، هذا قد جرى على الأمم السابقة ويجري على هذه الأمة كما أخبر النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذلك، والذي يَدُلّنا على أنه يحصل في أمة محمد أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ اللهَ يبعث على رأس كل مئة سَنَة لهذه الأمة مَن يُجَدِّدُ أَمْرَ دينها»(6)، وهذا يعني أنّ الدين يعود غريبًا ثم الله جلّ وعلا يبعث لهذه الأمة مَن يجدد الدين، فالغربة تتجدد؛ وتجديد الدين أيضًا يتجدد، وذكرنا مثالًا مِن الأمثلة على ذلك فيما ذكرنا مِن الأشباه - أشباه الوقائع التي جرت على أهل السُّنَّة -، ذكرنا أنّ بغداد كانت دار علم وكان العلم ينتشر فيها ويظهر فيها وفيها علماء، لمّا تولى المأمون سَنَة مئة وثمان وتسعين مِن الهجرة كان يحب العلم وكان شغوفًا بالمعرفة؛ ففتح الباب لترجمة كُتُبِ المنطق وكُتُبِ اليونان؛ فتُرجمت كُتُبُ اليونان وذاع صيطها وشاع سوق الترجمة وتسابق المتكسبون بالعلم في ترجمة هذه الكتب وفي معرفة ما فيها وبَثِّه والتفاخر بذلك، ظهر ذلك وفي مواجهته ضَعُفَتِ السُّنَّةُ لأنه ما تظهر بدعةٌ في محل إلّا ويقابلها ضَعْفٌ في السُّنَّة؛ فمُقِلّ ومستكثر، فما لبثت بغداد سنوات حتى امتُحن الناس بالقول بخلق القرآن، وابتُليَ العلماءُ، ولم يُصَرِّحْ بمواجهة هذه البدعة الشنيعة إلّا الإمام أحمد، مع أنّ البلد فيها علماء! والبلد بلد علم! وفيه معرفة وعلم! إلّا أنّ هذا العلم جاء السلطان والكبراء في البلد يُضَادّون نوعًا مِن أنواع العلم وهو علم السُّنَّة! يصادمونه، لماذا؟ لأنّ علم السُّنَّة دائمًا متميز، الإسلام متميز - متميز عن اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين -، والسُّنَّةُ متميزة عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، بدعة القول بخلق القرآن شاعت وارتفع شأنها بسبب ما حصل مما ذكرته لكم، وابتُلي الإمام أحمد وسُجن وضُرب، توفي المأمون سَنَة مئتين وثمانية عشر مِن الهجرة ثم جاء المعتصم ثم جاء الواثق سَنَة مئتين وواحد وثلاثين مِن الهجرة، كان أئمة المساجد يُمتحنون، أئمة المساجد والمؤذنون يُمتحنون بهذه القضية وبهذه المسألة، ودخلت في الكتاتيب، حتى إنّ العلماء بعض المنتسبين للعلم جاءوا إلى الإمام أحمد وأخبروه بالحال وما هو العمل أنّ أبناءنا في الكتاتيب يُعلَّمون القول بخلق القرآن ويلقنون بخلق القرآن بأمر مِن السلطان والأمراء!! فأوصاهم الإمام أحمد الصبرَ، إذًا القضية هذه المسألة البلد بلد علم ومع ذلك القول بخلق القرآن دخل مناهج التعليم - أصح ما يكون - ونُشِرَ على أئمة المساجد والمؤذنين، ويُؤخذ الإمام والمؤذن ويُمتحنون في هذا! فالبلد بلد علم ومع ذلك العلم يُدافِع مسألةً مِن مسائل الاعتقاد! ويُمتحن ويبتلي العالمَ الذي لا يقول بهذا القول! الإمام أحمد صَبَرَ، هو الوحيد الذي صبر، وأيضًا معه أحمد بن نصر الخزاعي، أحمد بن نصر الخزاعي قتله الواثقُ بالله - نسأل اللهَ أنْ يكون شهيدًا - ذكره الذهبي وقال: الشهيد أحمد بن نصر الخزاعي، وبقي الإمام أحمد ثم كشف اللهُ المحنةَ بخلافة المتوكل، الخليفة المتوكل على الله جاء فرفع المحنةَ، إذًا بعد ذلك صار لأهل السُّنَّة سلطان وقوة، وهذا يدلُّ على أنه في بغداد حصلتْ غربةٌ في أهل الدين ثم حصلت عِزَّةٌ لأهل الدين، حصلت غربةٌ على السُّنَّة ثم حصل عِزَّةٌ للسُّنَّة، فصار علم السُّنَّة ينتشر وعلم الإمام أحمد ينتشر وعلم الاعتقاد الحق للسلف الصالح ينتشر، والذي له السلطان والقوة على الأهواء وعلى دين الأهواء والبدع، وهذا يدلُّ على الحقيقة التي لا بُدّ أنْ ترتكز عندك وهي أنّ الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، هذا المعنى كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يكرره في رسائله، وفي رسالة "فضْل الإسلام" ذَكَرَ هذا، وبَوَّبَ عليه "باب ما جاء في غربة الإسلام" وسبقه باب "ما جاء في التحذير مِن البدع" وكأنه يقول: إنّ غربة الإسلام تحصل بالبدع، غربة الدين تحصل بالبدع، والبدع شَرّها وخيم، وهي لا تصدر في الغالب إلّا مِن أناس ظهروا بمظهر الصلاح، مثلما حصل تمامًا مِن قوم نوح، ناس يريدون الخير ويريدون الاجتهاد في الطاعة، ولذلك محمد بن عبد الوهاب قال: إنّ الرِّدّة - لمّا ذكر قصة قوم نوح - قال: إنّ الرِّدّة قد يكون سببها فعلُ بعض الصالحين، إذًا هذا المعنى لا بُدّ أنْ يكون عندك حاضرًا دائمًا، وذكرها محمد بن عبد الوهاب في أكثر مِن رسالة، إذا لم تعرف هذا المعنى لن تستوعب أنّ العلماء يكونون موجودين ولا ينكرون الشرك، أيضًا في عهد السلاجقة بنو بويه قبل السلاجقة لمّا استولوا على بغداد أظهروا الرفض وسبَّ الشيخين، جاء السلاجقة بعدهم وكانوا ينصرون السُّنَّة في الجملة، وكان عندهم وزير - مثلما ذكرنا في السابق - نظام الملك يحب الخير مجتهد فيها إلّا أنّ القشيري المبتدع - القشيري الأشعري المنتسب إلى الأشاعرة - أظهر فتنته، وظهرت فتنة ما عُرِفَ في التاريخ بفتنة القشيري، وتألب الأشاعرة ضد الحنابلة وأهل السُّنَّة واستفزعوا بنظام الملك، الوزير بنظام الملك كان نفوذه قويًا فدارت الدائرة على أهل السُّنَّة، وحصل لأهل السُنَّةِ الحنابلة في بغداد مَن بُدِّعَ بل كُفِّرَ واستُحل دمُه، وظهرت القوة للأشاعرة في بغداد بعد منتصف القرن الخامس الهجري، إذًا الدائرة دارت على أهل السُّنَّة، عاد غريبًا، ورجع عزيزًا، ثم عاد غريبًا في بغداد، هذا المعنى لا بُدّ أنْ تنتبه له؛ وأنّ سبب الغربة هو بدعُ الصالحين، أيضًا تنتبه إلى أنّ التوحيد - وهذه حقيقة لا بُدّ منها - التوحيد يبقى اسمه، الأنبياء عليهم السلام لمّا جاؤوا لأقوامهم مَن يعارضهم مِن القوم يدّعي أنه تابع لنبيه السابق وأنه على التوحيد! لا يقول: أنا كافر!! يقول: أنا على التوحيد، أدلُّ ما يدل على هذا المعنى أنّ إبراهيم عليه السلام بنى البيت وإسماعيل عليهما السلام وجاءت ذرية إسماعيل ودخل معهم قبيلة جُرْهُم وكانت ذرية إسماعيل على التوحيد وكذلك مَن معه مِن قبيلة جُرْهُم ثم تغير القوم، عمرو بن لُحَي الخزاعي ترأس في مكة، كان دينًا خَيّرًا صاحب مال وصاحب صدقة ومجتهد في الطاعة ورأّسوه وملّكوه عليهم في فترة مِن الفترات فابتدع البدع وجلب التماثيل وهو الذي سَيَّبَ السوائب وجاء في حقه الوعيد المشهور - أقتابه مندلقة -، سيب السوائب، ما هي السوائب؟ السائب جمع سائبة السائبة ناقة تُسَيّب لا يُحمل عليها، ما السبب؟ يُسيّبها قربانًا للآلهة، مَن الذي فعل هذا؟ رجل يجتهد في الصلاح والتقوى والطاعة، العرب في مكة تابعوه على ذلك، تابعوه وتغيروا عن التوحيد إلى الشرك ظنًا منهم أنّ هذا هو التوحيد؛ وانتسبوا إلى إبراهيم عليه السلام ظنًا منهم أنّ هذا هو دين إبراهيم! هذا ليس دين إبراهيم! هذا دين مُبَدّل ومُغَيّر عن دين إبراهيم، غَيَّرَ بماذا؟ بالبدع، مَن الذي أحدث البدعَ؟ أناس ظهروا بمظهر الصلاح، وتمظهروا بمظهر الصلاح والتقوى والتدين، قبل ذلك المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في التوحيد ورفعه الله جلّ وعلا وحدث بعده الشرك، يقول ابن تيمية: "كانوا على التوحيد حتى حدثت فيهم البدع فتغيروا، لذلك دين النصارى يظنون أنهم على التوحيد وهم على شرك!"، ولأجل هذا المعنى أَلَّفَ ابن تيمية كتاب "الجواب الصحيح لِمَن بَدَّلَ دين المسيح" رد على النصارى، وجعل عنوان رَدّه "الجواب الصحيح لِمَن بَدَّلَ دين المسيح"، إذًا اسم دين المسيح باق لكن حقيقته مُغيّرة، كذلك التوحيد يبقى اسمه ويُغيّر، هذه الحقيقة أيضًا لا بُدّ أنْ تكون عندك قائمة؛ أنّ الدين يبقى اسمُه وتُغيّر حقائقُه، وهذا المعنى خَدَمَه محمد بن عبد الوهاب في رسائله بشكل لافت ومتكرر.

المعنى الثالث: أنّ هذه الأمة - أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم - ليست استثناءً؛ يعني استثناءً مِن سنن التاريخ ومِن المتغيرات على البلدان! قد يعتز أهل البلد وقد يذلون، يضعفون ويقوون، قد تحصل فيهم غربة الإسلام وقد لا تحصل، لأسباب تحصل لهذا ولأسباب تحصل لهذا، لذلك قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم محذرًا: «لتتبعن سَنَن مَن كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جُحْرَ ضبّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمَن»(7) هذا المعنى أيضًا خَدَمَه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وبَوَّبَ عليه البخاري قَبْلَه "باب ما جاء أنّ بعض هذه الأمة يعبد الأوثان"(8)، هذا الباب موجود في حديث للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لكنه ليس على شرط البخاري وهو «لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام مِن أمتي الأوثان»(9)، استدل البخاري على هذا المعنى بحديث آخر على شرطه وهو «لا تقوم الساعة حتى تضطرب ألياتُ نساء دوس عند ذي الخلصة»(10) وذو الخلصة صنم أو وثن مِن الأوثان قضى عليهم صلّى الله عليه وسلّم، وأخبر أنه لا تقوم الساعة حتى يحصل عنده تَعَبّد لغير الله جلّ وعلا، إذًا هذه الحقيقة تنتبه لها؛ ويجب أنْ تكون قائمة في ذهنك قبل أنْ تجيب على هذا السؤال: هل يعقل أنّ هناك علماء وعندهم علم ولا ينكر الشرك؟؟

المعنى الخامس - أيضًا هذا المعنى خَدَمَه محمد بن عبد الوهاب وبَوَّبَ عليه في "كتاب التوحيد" "باب ما جاء أنّ بعض هذه الأمة يعبد الأوثان" مشابه لتبويب البخاري واستدل بالحديثين الذي ذكرتهما لك وغيرهما.

المعنى الذي يليه - وهذا معنى خاص ودقيق -: أنه قد يحصل حراك علمي في بلد ولكن يغيب فيه مسألة مِن مسائل العلم، ليست كل السُّنَّة غريبة! لا، مسألة مِن مسائل السُّنَّة غريبة، وما الدليل على هذا؟ روى البَرْبَهَارِيّ في شرح السُّنَّة عن عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك توفي سَنَة مئة وواحد وثمانين في خلافة هارون الرشيد؛ وهارون الرشيد استقبل العزاء في عبد الله بن المبارك؛ فقيل له: كيف تفعل هذا وأنت خليفة؟؟ قال: أليس هو القائل: "لولا الخلافة لم تُؤمن لنا سُبُلٌ"(11)؟؟ متمسك بالسُّنَّة، متمسك بالمذهب الحق والسمع والطاعة للإمام، حتى لو كان مَن كان، قال: "أليس هو القائل لولا الخلافة لم تؤمن لنا سُبُل"؟؟ لولا عبد الله بن المبارك وأمثاله - يعني مِن أهل العلم بالسُّنَّة - لَمَا استقرت لنا الأمور، وفتح الباب واستقبل العزاء، عبد الله بن المبارك توفي عام مئة وواحد وثمانين، يقول - في ما رواه البَرْبَهَارِيّ عنه: "لا تأخذوا الإرجاء عن أهل خراسان، ولا تأخذوا عن أهل الشام في السيف شيئًا، ولا تأخذوا عن أهل البصرة في القَدَر شيئًا"(12) لاحظ، معناه أنه نأخذ مِن خراسان غير الإرجاء، ونأخذ مِن البصرة غير مسائل القَدَر، ونأخذ مِن الشام غير مسائل السيف، مسائل السيف يعني مسألة الخروج على السلطان، كانوا يقولون عنها مسألة السيف، إذًا الغربة لمسألة مِن مسائل العقيدة، لمسألة مِن مسائل التوحيد، قد يكون في تفسير "لا إله إلّا الله" التفسير الحق قد يحصل في بلد دون بلد، إذا تبيّنت لك هذه المعاني التي ذكرتُها لك ندخل على جواب هذا السؤال، العلماء في نَجْد والعلم في نَجْد ليسوا استثناءً مِن السَّنَن ومما جرى مِن المَثُلَات على العلم وأهله وعلى كل مَن يشتغل بالعلم وينتسب إليه، نَجْد ليست استثناءً مِن البلدان، نَجْد بعد موت النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم خرجَ فيها مسيلمة الكذاب وحصلت الرِّدّة، ونَجْد بعد أنْ طُهِّرَتْ مِن الرِّدّة بعد سنوات ليست بالطويلة خرج بها الخوارج وساق إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقطع دابرَهم وصار عنده سبيٌ مِن سبي بني حنيفة مشهور وعنده ابن اسمه محمد بن علي بن طالب يقال له: ابن الحنفية، يعني مِن جَرّاء أنْ علي بن أبي طالب قاتل الخوارج هناك، أو بمعنى أدق: قاتل المرتدين وحصل له سبي مِن بني حنيفة - وليس الخوارج -، وهذا أُنَبِّهُ عليه الآن، ذكرتُ في الدرس الماضي أنهم الخوارج؛ لا، الصواب أنه المرتدين، وهم مِن بني حنيفة، إذًا الموضوع في الرِّدّة، نترك الخوارج في نَجْد، الموضوع متعلق بالرِّدّة، الرِّدّة حصلت في نَجْد، فنَجْد ليست بعيدة عما يجري في سائر البلدان، إذا تبيّن لنا هذا نقول: إنّ محمد بن عبد الوهاب ولد في بلدة العيينة مِن بلدان نَجْد، وتحديدًا مِن إقليم العارض، ونَجْد فيها أقاليم، إقليم العارض، وفيه مِن البلدان العيينة والدَّرْعِيّة وغيرها وإقليم المحمل، وفيه مِن البلدان صادق والبير وغيرها والشين فيه مِن البلدان مركز حريملاء، وسدير فيها روضة سدير وغيرها، والوشم فيها شقرا وأشيقر وغيرها، والقصيم فيها بلدان القصيم، هذه الأقاليم كلها أقاليم نجدية، أيضًا ندخل على الجنوب - جنوب نَجْد - الذي هو الخرج والحوطةحوطة بني تميم وغيرها -، كل هذا داخل في نَجْد، ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العيينة، والعيينة بلد علم وكان فيها علماء، وهو مِن أسرة علمية، نشأ نشأة علمية وطلب العلم حتى صار الناس يعرفونه بالعلم، وبعدها شَبّ ونشأ في العلم وأدرك وكانت له رحلة، رحل إلى الأحساء، رحل إلى المدينة والحرمين، ورحل إلى البصرة، ورحل إلى الأحساء، وكان قد عَزَمَ إلى الرحلة إلى الشام لكن انقطعت به النفقة فلم يستطع الرحيل إلى الشام، لمّا نشأ في العلم أدرك أنّ هناك فيما يدور حوله مخالفات تصل إلى الشرك الأكبر ولا تُنكر! ولا أحد يُنَبّه عليها! مِن أهم ما أدرك الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجود مخالف للتوحيد أو مخالف للدين الإسلامي وجودُ طواغيت، هؤلاء الطواغيت - يعني لا نريد أنْ نعيد كل ما تقدم! التفصيل فيهم ترجعون له - هؤلاء الطواغيت باختصار يَدْعُون إلى عبادة أنفسهم، يحكون لهم الحكايات التي تزين للناس أنْ يتوجهوا إليهم بالعبادة كالنذر والدعاء، ويُزينون للناس أنْ يعتقدوا فيهم اعتقادًا، كان الناس في السابق في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقولون: فلان فيه سِرّ! أنتم تلاحظون دائمًا في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول: الذي يخاف مِن المخلوق خوف السِّرّ، لماذا قال: خوف السِّرّ؟ هذا مصطلح جديد، السبب في جِدَّتِه أنه طرأ على أهل نَجْد، أهل نَجْد يقولون: فلان فيه سِرّ، يعني عنده خصوصية ليست في الآخرين، هذه الخصوصية تُجيز لنا أنْ ندعوه! لماذا ندعوه؟ لأنّ فيه خصوصية، ندعوه وهو غائب عنا، ندعوه في الأسفار، فإذا دعوناه قلنا مثلًا: يا فلان أغثنا؛ رفع الدعاء إلى الله فاستجاب الله لدعائه لخصوصيته فتنكشف عنا الكربات!! هذه حيلتهم في تزيين الشرك، أيضًا يقول هذا الطاغوت: لأجل أنْ أستجيب لدعائك وارفع دعاءك إلى الله لا بُدّ أنْ تنذر لي نذرًا! لذلك ينذرون نذورًا لهم حتى إذا دعوهم في الشدائد رفعوا دعاءهم – في ظنهم - رفعوا دعاءهم إلى الله لأجل الخصوصية التي فيهم، فهذه حقيقة الطواغيت في الشرك الدائر، وتجد بعض المصطلحات في كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب لن تفهمه إلّا إذا فهمت هذه الصورة، هؤلاء الطواغيت رآهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وضعُهم مخالف جدًا وصريح لـ "لا إله إلّا الله" الكلمة التي مِن أجلها بُعِثَ محمدٌ صلّى الله عليه وسلّم، هذا أحد المخالفات، للأسف كان هناك علماء وفتاوى وأجوبة وقضاة ولم يكن هناك مَن أنكر على هؤلاء الطواغيت قَبْلَ الشيخ محمد بن عبد الوهاب!

المسالة الثانية التي أدركها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجودُ بناء على بعض القبور – قُبَب! –وأيضًا الطواف على هذه القبور وكان يؤتى إلى قبر زيد بن الخطاب، وذكرنا ما يتعلق به وكيف دُفِنَ في نَجْد، كان هناك مَن يطوف بقبر زيد ويأتي محمد بن عبد الوهاب إلى القبر ويسمع الناس، الواحد مِن الناس يقول: يا زيد! يا زيد! يدعوه مِن دون الله!! فمحمد بن عبد الوهاب لا يزيد أنْ يقول: الله خير مِن زيد، الله خير مِن زيد، الذي ذَكَرَ هذا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عبد الرحمن بن حسن في رسالته في المقامات، رسالة المقامات مهمة كما ذكرنا في السابق لِمَن يريد معرفة تاريخ دعوة الشيخ، إذًا هذا أيضًا مخالفة مِن المخالفات ولا يوجد مَن ينكر هذا، وأيضًا يوجد أشجار معظمة وذكرناها وذكرنا الصور التي كانت تُفعل عليها، أيضًا مِن الأشياء التي رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب خللًا فيها الجهلُ في تفسير "لا إله إلّا الله" التفسير الصحيح، تُفسر بأنه لا مالك إلّا الله! وأثبتنا ذلك، هنا تحتاج إلى دليل، قد يقول قائل: ما الدليل أنّ العلماء يرون الشرك ولا ينكرونه؟؟ ذكرنا لكم ثلاثة شهادات واعترافات، الاعتراف الأول: محمد بن عبد الوهاب نفسه يقول: "إني أدركت في العلم وأنا لا أعرف "لا إله إلّا الله""، هذا الاعتراف الأول، الاعتراف الثاني الشيخ عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن - قاضي الدَّرْعِيّة - يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "هذا أعلم مَن نعرفه في العارض، وأرسل له الكلام هذا أنه لا يعرف "لا إله إلّا الله" وعلماء نَجْد لا يعرفون "لا إله إلّا الله"! فأيده الشيخ عبد الله بن عيسى وقال: إنّ كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب صحيح، هذا التاريخ الذي يبحث عن التاريخ، هذا التاريخ وهذه أدلة التاريخ، هذا الدليل الثاني، اعتراف ثالث لسليمان بن عبد الوهاب وكان يَرُدّ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويُجَوِّزُ الشرك! ثم اعترف في آخره، سليمان بن عبد الوهاب أخو الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكان مِن أعداء الدعوة، ورَدّ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو الذي سَبَّبَ كتاب "مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد" "مفيد المستفيد" هذا كتاب لمحمد بن عبد الوهاب ألَّفَه في "1060" يعني ألف ومئة وستين وبعدها، فيما بعدها، ثمانية وستين وحولها، أَلَّفَه ردًا على أخيه سليمان بن عبد الوهاب، سليمان بن عبد الوهاب كان مِن المعارضين للشيخ محمد بن عبد الوهاب لكنه تاب في آخر عُمُرِه وكتب رسالة في هذا، والذي ذَكَرَ الرسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في كتابه مصباح الظلام، هذا الاعتراف الثالث، أيضًا نضيف اعترافًا رابعًا ذكرنا أحمد بن إبراهيم السِّنَاني مِن أهل عنيزة، وذكرنا أنه كان يسمي "كشف الشبهات" بـ "جمع الشبه"!! وكان لا يقرأ هذا الكتاب، وتوفي سَنَة ألف ومئتين وأربعة وستين مِن الهجرة، ولا نعيد الكلام فيه، الاعتراف الخامس: حسن بن عيدان وابن غيهب، حسن بن عيدان بن مشرف كان قاضيًا في أشيقر مِن بلدان الوشم وابن غيهب كان أظنه في شقراء، اعترفا أنهما مِن القضاة وأنهما كانا يأتيان الكهان وأنهما كانا يفعلان الشرك الأكبر وأنه لا يعرفون أنّ أحد ينكر هذه المنكرات مِن العلماء!! واعترفا أنّ في خطبة الجمعة يقول الخطيب: "اللهم صلّ على سيدنا ومولانا ومَعَاذنا وملاذنا وملجئنا محمد"!! وهذا لا يجوز، الملجأ والمعاذ والملاذ هو الله وحده لا شريك له، يقول حسن بن عيدان وابن غيهب أنهما كانا يسمعان هذا في خطبة الجمعة؛ ولم يكن هناك أحد ينكر هذا!! إذًا هذا دليل خامس على أنّ الشرك ضارب أطنابه في نَجْد، ويُفعل في نَجْد وعلى مرأى ومسمع مِن العلماء ولا ينكر! إلى الان نحن لم نذكر لكم شيئًا عن ابن غنّام ولا عن ابن بِشْر، فإذا ذكرتَ هذا لشخص وقال لك: ابن غنّام يبالغ أو ابن بِشْر يبالغ! قل له: لم نتكلم بَعْدُ عن ابن غنّام وعن ابن بِشْر! نحن نتكلم عن محمد بن عبد الوهاب، هل كذب علينا أم لا، لأنّ كثرة الأسئلة في السابق "تاريخ ابن غنّام" يُشكك فيه وكذا وكذا، موضوع تاريخ ابن غنّام نأتي عليه في وقت واسع يعني نحتاج إلى كلام طويل، نحن نتكلم في محمد بن عبد الوهاب هل هو صادق أم لا؟ خصوم الدعوة يقولون: هو صادق، ويُعَدِّلُونه - أعداء الدعوة يعدلونه - بعض أعداء الدعوة المنصفون، فهذا أمرٌ يجب أنْ يكون منك على بينة، تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب لو كانت رسالة محمد بن عبد الوهاب فيها شك كانوا بيّنوه، وتلاميذ تلاميذهم إلى اليوم، وإلّا فإنّ علماءنا وعلماءهم مِن محمد بن عبد الوهاب كذبوا علينا! هذا الاعتراف موجود، هذا تنتبه له كقاعدة وركيزة لكي تدخل على رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتفهم ماذا يريد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأنك إذا شككت في الواقع الذي كان الشيخ يعانيه ومِن أجله كَتَبَ الرسائل وبَيَّنَ التوحيد فإنك ستشك في كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لن تفهم كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذا كنت شاكًا في الواقع الذي كان يعيشه محمد بن عبد الوهاب، لن تفهم حقيقة معارضة الشيخ وحقيقة العلماء وما كانوا عليه مِن دين إذا كنت تقول: إنهم لم يخالفوه لأجل التوحيد؛ وإنما خالفوه لأجل أمرٍ آخر! لا، هم ردوا على محمد بن عبد الوهاب في شأن "لا إله إلّا الله" التفسير الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم وعارض به التفسير الذي يفهمه كفارُ قريش ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ(13)، كفار قريش كانوا يقولون: "لا رب إلّا الله ولا مالك إلّا الله!" لكنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بَيَّنَ لهم أنه لا يُعبد إلّا الله؛ أنه لا رب إلّا الله وأيضًا لا يستحق العبادة إلّا الله، هذا التفسير الخاطئ دخل على علماء الكلام، تفسير "لا إله إلّا الله" بأنه لا ربّ إلّا الله، دخل على علماء الكلام، وبعض الناس يظن أنّ الأشعرية خاصة بالشافعية! لا، ليس بصحيح، الأشعرية عقيدة نخرت في كافة المذاهب الفقهية - المالكية والشافعية حتى الحنابلة - وقد ذكرنا أنّ السَّنوسي المالكي مِن تلمسان في المغرب له "أمّ البراهين" أو العقيدة المشهورة له وفَسّر "لا إله إلّا الله" أنه لا مستغنيًا عن كل ما سواه ولا مفتقرًا إليه كل مَن عداه إلّا الله! هذا تفسير للربوبية، تفسير "لا إله إلّا الله" بالربوبية، أيضًا ابن رسلان الشافعي صاحب "الزُّبَد" وتتابعت الشافعية على شرح زبده كان نظم اسمه "الزبد" يفسر "لا إله إلّا الله" بأنه لا ربّ إلّا الله! وأنّ واجب على المكلف معرفة الربوبية، يقول في زُبَدِه: "وأول واجب على الإنسان معرفة الإله باستيقان" هذا المعنى دخل حتى على الحنابلة - الحنابلة في الشام – قلنا: الحنابلة في الشام نحن أثبتنا ونُذَكِّرُ أنّ المدرسة الحنبلية في الشام متصلة بالمدرسة الحنبلية في نَجْد، أحمد بن عطوة سافر - وهو مِن أهل القرن العاشر، مِن علماء القرن العاشر في نَجْد - سافر إلى الشام، ومِن مشايخه المرداوي صاحب "الإنصاف" الذي توفي سَنَة ثمان مائة وخمس وثمانين مِن الهجرة وصاحب "التنقيح" ومِن تلاميذه عُدَّ مِن تلاميذه موسى بن شرف الحجّاوي صاحب "الإقناع" ومِن مشايخه أيضًا العسكري الشيخ العسكري، ومِن أقرانه الشويكي، كل هؤلاء حنابلة موجودون في الشام، بعد أحمد بن عطوة الشيخ زامن بن سلطان آل مقرني، المقرني نسبة إلى مقرن - بلدة مقرن -، الرياض كانت في السابق محلتين معكال ومقرن، كل محلة يمكن أنْ تقول بلدة صغيرة، كل محلة عليها سور يخصها، وأثبتنا ذلك مِن بيت مِن الشعر الشابي في هذا المعنى، زامل بن سلطان تولى القضاء في مقرن ورحل إلى الشام وأخذ العلم مِن حنابلة الشام، ومِن مشايخه موسى بن شرف الحجَّاوي، ورحل إلى مصر وتلقى العلم عن ابن النجار، وأجازه ابن النجار، هذا زامل بن سلطان، أيضًا من عشيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب آل مشرَّف هناك مَن رحل إلى مصر وهناك مَن رحل إلى الشام - قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب - مثل عبد الله بن عبد الوهاب بن مشرف رحل في العلم وغيره، أحمد بن شرف أيضًا رحل إلى البهوتيمنصور البهوتي - وأخذ مِن منصور البهوتي وتلقى هناك، إذًا المدرسة الحنبلية في الشام والمدرسة الحنبلية في مصر متصلة بالمدرسة الحنبلية في نَجْد، دخل علمُ الكلام على الحنابلة في الشام، ما الدليل على أنَّ علم الكلام دخل على الحنابلة في الشام؟ أو تأثروا به - ولو بنسبة قليلة - نحن إذا أثبتنا التأثر لا يعني التأثر في كل المسائل! في بعض المسائل، الدليل على هذا السّفاريني الحنبلي توفي عام ألف ومائة وثمان وثمانين مِن الهجرة كان معاصرًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب، السّفاريني له نظم "الدرة البهية" نظمٌ مشهور وشرحه هو في كتابه "لوامع الأنوار البهية"، قبل قليل ذكرنا أنَّ الزبد لابن رسلان يقول: "أول واجبٍ على الإنسان معرفة الإله باستيقان"، يقول السفاريني: "أول واجبٍ على العبيد معرفة الإله بالتسديد" لاحظ قال: "معرفة" "الواجب الأول معرفة الإله بالتسديد" وشرح هذا في لوامع الأنوار بما يتضمن فهمَ الأشاعرةِ وهو أنَّه يُعْرَفُ الإله بالربوبية، أول واجب معرفة ربوبية الله جلّ وعلا، السّفاريني مع أنَّه حنبلي ويحب ابن تيمية وينقل عنه كثيرًا، يقول: أهل السُّنَّة ثلاثة أهل السُّنَّة ثلاث طوائف، الماتريدية والأشاعرة وأهل الأثر أهل الحديث، فإذًا حنابلة وينتسبون إلى الإمام أحمد ويحبون ابن تيمية وفي عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويقولون: أهل السُّنَّة ثلاثة طوائف! هذا يدل على وجود خلل سببه ماذا؟ علم الكلام الذي كان عند الأشاعرة وغيرهم، الذي يثبت لنا أنهم تأثروا - علماء نَجْد - يثبت لنا أنَّهم تأثروا بتفسير المتكلمين لـ "لا إله إلّا الله" أنَّ الشيخ محمد بن عبّاد كان متوليًا للقضاء في سرمدة - بلدة سرمدة مِن بلدان الوشم - وكتب رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول له: "إنَّ أول واجب على العبد المكلف كذا كذا" فرَدّ عليه وأجابه الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقال: إنَّ هذا الكلام كلام علماء الكلام! أول واجب على العبد لا يُقال أول واجب على العبد المعرفة! إنَّما هذه عقيدة علماء الكلام، ويثبت أيضًا الدليل الثاني على أنَّ هذه العقيدة دخلت على حنابلة نَجِد أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذَاكَرَ أهلَ بلدة مِن البلدان "لا إله إلّا الله" يقول - وهي بلدة حَرْمَة – يقول: "سألنا فيها كلَّ مَن جاءنا منكم مِن مُطَوّع" مُطَوّع هو مثل إمام مسجد مثل حافظ للكثير مِن القرآن ويعرف الكتابة وينسخ، ومَن يعرف الكتابة في ذلك الوقت؟ قليل الذي يعرف يكتب، يقول: "ذاكرنا فيها كل مَن جاءنا منكم مِن مُطَوّع؛ فتارةً يقول: ما لها معنى!" "لا إله إلّا الله" يقول: ما لها معنى! "وتارةً يقول: معناها لا ربّ إلّا الله! ولا مالك إلّا الله! وهذا هو تفسير "لا إله إلّا الله" بالربوبية" هذا التفسير - تفسير "لا إله إلّا الله" بالربوبية - هو التفسير الذي كان عند كفار قريش! ومِن أجله بعث اللهُ محمدًا صلّى الله عليه وسلّم؛ وهو التفسير الذي نخر في الشافعية في القرون الخامس وما بعده وربما قبله أنّ تفسير "لا إله إلّا الله" بأنَّه لا رب إلّا الله! وهو الذي رَدّ عليه ابن تيمية في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامِن الهجري وتجدونه في آخر كتاب التدمرية وفي رَدّه على البكري أو ابن البكري وغيره، والشيخ محمد بن عبد الوهاب إنما جاء بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا وهذا وبَيّنَ لهم تفسير "لا إله إلّا الله" كما سيأتي.

إذًا أمامك الآن حقائق وركائز يجب قبل البحث التاريخي لدعوة الشيخ ومعرفة أنَّ العلماء كانوا ينكرون أو ما كانوا ينكرون أو هل يُعقل أنَّ العالم يُنكر أو لا؟ يجب عليك أنْ تكون عندك هذه الركائز، هذه الركائز لم يهملها الشيخُ محمد بن عبد الوهاب، كررها كثيرًا في مؤلفاته، إذا تبيّن هذا فإنَّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذًا أدرك هذه المخالفات كلها، ثم إنَّه حصل عليه لمّا أظهر الدعوة ابتداء ظهور الدعوة في نَجْد لاحظْ أنا أقول في نَجْد، ما أقول: امتداد الدعوة فقط! لا ابتداء الدعوة في نَجْد، لأنَّ الشيخ مِن حين ما أدرك وهو ينكر الشرك الأكبر، هذه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، محمد بن عبد الوهاب يرى الشرك الأكبر فيقول: هذا شركٌ أكبر يخالف دينَ محمد صلّى الله عليه وسلّم، هذه دعوته، الشيخ رحل إلى البصرة وكان في البصرة يحضر المجالس ويأتي مَن يستغيث بغير الله ويصيح بنداء الأولياء وينكر عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حتى إنّ واحدًا ممن حضر مجالسه في البصرة يقول: "والله إنْ كان هذا الشيخ على حق؛ فإننا ومشايخنا لسنا على شيء!" أننا نحن ومشايخنا لسنا على دين! هذا كان يحصل للشيخ وهو بالبصرة، أُذي في البصرة وحصلت عليه الأذية وخرج منها، لمّا وصل إلى نَجْد وصلها بعد ألف ومائة وتسعة وثلاثين كما بيناه لكم بالأدلة ولا داعي للاستطراد فيها.

بعد ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب أُذِيَ في حريملاء، متى أُذِيَ في حريملاء؟ هل لأنَّه مِن عشيرة غير العشيرة التي في حريملاء؟ هل لأنَّه الذي يتكلم شافعي وغيره حنبلي؟ لا، وإنما لأنَّه بَيَّنَ "لا إله إلّا الله" وأوضحها، ظهرتْ دعوتُه في نَجْد وهو في حريملاء، والذي ذَكَرَ هذا ابن عبد الشكور في تاريخ له مخطوط أَخَذَ منه الكثير الأستاذ حمد بن جاسر وخرج بمطبوع، وابن عبد الشكور أصله هندي وهو نزيل مكة وهو مِن المعارضين لدعوة الشيخ، إذًا ظهرت دعوة الشيخ عام ألف ومائة وثلاث وأربعين وتقدم معنا هذا، احفظ هذا التاريخ، إذا أردت أنْ تدخل في تاريخ دعوة الشيخ انتبه للتواريخ، عام كم؟ وعام كم؟ إلى الآن ما دخل محمد بن سعود والدولة السعودية، لأنَّ بعض الناس يدخل وكأنَّ الدعوة ابتدأت بالدَّرْعِيّة، لا، لم تبدأ بالدَّرْعِيّة، عام ألف ومائة وثلاث وأربعين هذه بشهادة ابن عبد الشكور، متى انتقل إلى الدَّرْعِيّة؟ في أواخر سَنَة ألف ومائة وسبع وخمسين أو أوائل سَنَة ألف ومائة وثمانية وخمسين، يعني كم؟ وقت طويل جدًا، في هذه الفترة ما الذي فعله الشيخُ محمد بن عبد الوهاب؟ وما الذي هو الذي يهدف له؟ قبل أنْ تدخل في تاريخ الدعوة بعد انتقاله للدَّرْعِيَّة، أيضًا ما الذي حصل للشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ مَن هو محمد بن عبد الوهاب الذي إذا دخل إلى الدَّرْعِيّة؛ فإنّ ما يمثل محمد بن عبد الوهاب كله داخل للدَّرْعِيّة، إذا طُرِدَ مِن بلد محمد بن عبد الوهاب فالذي يُمثل محمد بن عبد الوهاب كله طُرِدَ مِن هذا البلد كله، مَن هو محمد بن عبد الوهاب؟ ماذا فَعل؟ ماذا فُعِلَ ضده؟ الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حريملاء كان له تلاميذ ويدرسهم "كتاب التوحيد"، لأنّ الشيخ صنف "كتاب التوحيد" بالبصرة وقيل في حريملاء، طبعًا استفاد في البصرة مِن كتب الحديث، لاحظ مراجع محمد بن عبد الوهاب في "كتاب التوحيد" ليست موجودة في نَجْد! كله كتب حديث، لماذا؟ كتب الحديث كانت في المدن الكبار، المدن الكبرى وغيرها لأنّ البصرة وغيرها في الشام فيها دمشق وفيها مدارس وفيها أوقاف وفيها ازدهار وبلد متمدن وفيه الخير الكثير وفيه حراك علمي مزدهر ومتصل بالحراك العلمي في القرون السابقة - خصوصًا الشام -، إذًا "كتاب التوحيد" كَتَبَهُ في البصرة، هذا قاله عبد الرحمن بن حسن وذَكَرَ ابن غنّام أنه كَتَبَهُ وهو في حريملاء، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن يقول: كَتَبَهُ وهو في حريملاء، والذي يظهر - والله أعلم - أنّ الشيخ كتبه وسوده مسودًا في البصرة وانتهى مِن تبييضه وهو في حريملاء، وكان يدرسه وهو في حريملاء لتلاميذه، وكان ينهى عن الشرك وهو في حريملاء، وظهرت دعوته وهو في حريملاء، وعارضه علماء وهو في حريملاء، وذَكَرَ أنّ العلماء الذين عارضوه - ممن ذَكَرَ هذا ابن غنّام - أنه حصلت عليه معارضة وهو في حريملاء مِن قِبَلِ علماء، والذي يثبت لنا أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب حصلت على دعوته معارضة وهو في حريملاء أنه كَتَبَ رسالة للشيخ عبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى، والشيخ عبد الوهاب بن عبد لله بن عيسى مِن أهل بلدة الدَّرْعِيّة، إذا ذكرنا عالمًا يا إخوان مباشرة اعرف إين مكان العالم؟ لكي تعرف متى كُتبت الرسالةُ أو تستعين بهذا متى كُتبت الرسالة؟ عبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى كان في الدَّرْعِيّة وكَتَبَ له الشيخ رسالة وهو في الدَّرْعِيّة، وهذا يعني أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب أين؟ هل يكتب العالم لعالم مجاور له ما بينه وبينه عشرات الخطوات ويصل إليه؟ لا يكتب، كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العيينة وعبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى في الدَّرْعِيّة، انظروا ماذا قال في رسالته قال: "إنْ كنت مِن قَبْل خمس سنين وإذا جاءك الواحد ممن نعلمه "لا إله إلّا الله" قمتَ تستهزأ به! وتسخر به!" يعني تضادّه وتجادله في هذا المعنى، معناه انَّ هناك عالم خارج بلدة حريملاء يعارض دعوة الشيخ لمّا كان الشيخ أين؟ في حريملاء، الشيخ محمد بن عبد الوهاب انتقل إلى العيينة عام ألف ومئة وأربعة وخمسين، إذا كان أرسل الرسالة بعد ألف ومئة وأربعة وخمسين وقَبْلَ أنْ يخرج مِن العيينة؛ متى خرج مِن العيينة عام سبعة وخمسين إذًا معناه أنه كَتَبَ الرسالة وهو في العيينة معناه أنه بين مئة وأربعة وخمسين وبين مئة وسبعة وخمسين، أليس كذلك؟ لنفترض أنها في المنتصف سَنَة ألف ومئة وستة وخمسين وقال الشيخ: "إنْ كنت قبل خمس سنين إذا جاءك مَن نعلمه "لا إله إلّا الله" قمتَ تستهزأ به!" متى معناه حصل هذا الاستهزاء والسخرية والمضادة للدعوة؟ واحد وخمسين، عام ألف ومئة وواحد وخمسين بالاتفاق الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان في حريملاء، إذًا هذا دليل قوي ظاهر على صحة ما ذكره ابن غنّام أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان له تلاميذ وعارضه علماء في أُسِّ دعوته في "لا إله إلّا الله"، إذا تبيّن لك ذلك وعرفتَ أنَّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب انتشرت دعوته وعورض وهو في حريملاء؛ فإنّ الشيخ محمد خاف على نفسه وهو في حريملاء وانتقل إلى عثمان بن معمر، وتفاجئنا عبارة لابن غنّام يقول عن عثمان بن معمر يقول عن هذا الانتقال يقول: "إنّ الشيخ عرف وعلم أنّ عثمان بن معمر أحبّ الدعوة وقَبِلَها" هذا معناه ليس كما يتبادر لأذهان كثيرين أنّ الشيخ ذهب إلى أمير العيينة وعرض الدعوة عليه فقبل الدعوة! لا ابن معمر كان قد قَبِلَ الدعوة، وهذا يدل على انتشار دعوة الشيخ في بلدان نَجْد وهو في حريملاء، هناك دليل آخر على أنّ ابن معمر قَبِلَ الدعوة والشيخ في حريملاء، هناك عالم مِن علماء الإحساء كان يَرُدّ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمّا كان الشيخ في العيينة وله رسائل لعثمان بن معمر نفسه وهو الشيخ محمد بن عفالق الإحسائي رَدّ على عثمان بن معمر - أمير العيينة - في خصوص دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ فأجابه ابن معمر بقوله: "إننا كنا" وهذه الرسالة والردّ عليها مخطوطة؛ يقول: "كنا على هذا الأمر ومحبين هذا الدين الذي يدعو إلى محمد بن عبد الوهاب قبل أنْ يأتينا محمد بن عبد الوهاب" جيد؟ وهذا دليل آخر، إذا تبيّن لك ذلك فإنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمّا انتقل إلى العيينة قام بعملين جليلين، العمل الأول: أنه كاتب العلماء بالرسائل، وهذا ذكرناه في السابق ولا نعيد فيه، العمل الثاني: أنه أزال وطرح الشرك الأكبر وهو البناء على القبور والأشجار، ذكرناه ولا نعيد الكلام فيه، طبعًا هناك معارضة على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نَجْد وفي الرياض بشكل قوي متمثلة بالشيخ سليمان بن سحيم ووالده الشيخ محمد بن سحيم، الشيخ عبد الله البسّام ذَكَرَ أنّ محمد بن سحيم والد الشيخ سليمان بن سحيم له رَدّ على الدعوة، وهذا يدل على أنّ هذا الرد مبكر، الشيخ سليمان بن سحيم كَتَبَ رسالة إلى علماء الأمصار، هذه أيضًا مسألة تنتبه لها تكون ركيزة عندك إذا أردتَ أنْ تقرأ تاريخ الشيخ، سليمان بن سحيم كَتَبَ رسالة إلى علماء الأمصار، بتاريخ هذه الرسالة توصلنا إلى أنها كُتبت والشيخ محمد بن عبد الوهاب في العيينة، ما الدليل؟ أنه كتبها في البصرة ووصلت البصرة الشيخ أحمد بن علي القباني البصري وصلتْه الرسالة ورَدّ عليها، وهو مِن أوائل مَن رَدّ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وذَكَرَ في رَدّه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ورَدُّه مخطوط - ذَكَرَ في رَدّه على الشيخ أنه أتتنا مكاتيب مِن بعض علماء نَجْد تشتكي مِن هذا الرجل، وسماه باسمه قال: سليمان بن سحيم، وهذا يعني أنّ رسالة سليمان بن سحيم متى كُتبت؟ لمّا كان في العيينة، ما هي مضامين رسالة سليمان بن سحيم؟ لا نريد المضامين الشرعية العقدية، لا درسنا تاريخ، نريد المضامين العقدية، ما هو محلّ النزاع بينك يا سليمان بن سحيم وبين محمد بن عبد الوهاب؟ لنكن حكمًا عدلًا، سننظر في رسالتك، مادام أنّ هذه الرسالة أرسلتها إلى البصرة والحرمين يستنهضهم ليردوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ما الذي أخذتَه على محمد بن عبد الوهاب؟ يقول: إنه ينكر الذبح للجن! الذبح للجن ما هو حكمه؟ شرك أكبر، والشيخ سليمان بن سحيم عالم أم ليس بعالم؟ عالم، إذًا هناك عالم نجدي معاصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب يدافع عن قضية الذبح للجن، وقوله: إنه ينكر الذبح للجن معناه أنه منتشر، هو الذبح للجن بلا إنكار! هذا واحد، أمرٌ ثانٍ أنه قال: إنه يقول عن سادة عندنا، هم يسمون الطواغيت سادة يعني ينتسبون إلى آل النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يقال له: السيد! يقال له السيد، طبعًا اسم الطاغوت بعض الذين كانوا يشركون بالله لم يكونوا يقولون: هؤلاء طواغيت! لا يقولون: هذا شيخ؛ لكن يعتقد أنه فيه سِرّ - فيه السِّرّ الذي فسرتُه لكم – أو يقول: هذا سيد مِن السادة، يعني نسبه مثلًا بالنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ومحمد بن عبد الوهاب ذَكَرَ بعض الطواغيت: شمسان وأولاده، وأولاد إدريس، وتاج، وهناك مطيوية وأبو حديدة وغيرهم في القصيم في نَجْد عامة العارض والخرج - والخرج بشكل كبير والعارض بشكل كبير -، وأيضًا ذَكَرَ محمد بن عبد الوهاب أنَّ هناك السائح الأعرج في القصيم يشاهدونه بعض العلماء في القصيم وتنطبق عليه أحكام الرِّدّة التي في كتاب الحجَّاوي "الإقناع" باب حكم المرتد، ومع ذلك يعتقدون فيه الولاية والصلاح! فالطواغيت موجودون، وكان يقال لأحدهم: السيد، إذًا سليمان بن سحيم كان ينكر يقول - يعني مِن المآخذ على محمد بن عبد الوهاب - يقول أنَّه قائل بكفر سادة عندنا مِن آل النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لأجل أنَّهم يأخذون النذور! يعني معناه أنَّهم يُنذر لهم مِن دون الله؛ فكفَّرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يقول سليمان بن سحيم أنَّه يُكفّر هؤلاء، إذًا هذه قضية التكفير التي أزعجت سليمان بن سحيم، هذه قضية التكفير لدى سليمان بن سحيم، وأقول لكم: مَن دعا إلى عبادة نفسه قال ابن تيميةابن تيمية نقل الإجماع على أنَّ مَن دعا إلى عبادة نفسه فإنَّه كافر -، ونقل هذا الحجَّاوي في الإقناع، واحد يقول للناس: ادعوني مِن دون الله! انذروا لي! فهذا كافر، ومَن شكَّ في كفره فهو كافر، هذا كلام ليس محمد بن عبد الوهاب! هذا نقله محمد بن عبد الوهاب، وهو موجود عند الحنابلة مِن قَبْلُ، وكتاب "الإقناع" موجود عند علماء نَجْد يدرسونه ويتناقلونه وينسخونه ويشرحون فيه ويُعلّقون عليه، فهذه هي أيضًا المسألة الثانية التي أخذها سليمان بن سحيم على محمد بن عبد الوهاب متى؟ بعد أنْ انتقل إلى الدَّرْعِيّة أم قبل؟ قبل أنْ ينتقل إلى الدَّرْعِيّة، هذه هي المسألة الثانية.

المسألة المهمة الثالثة التي نستفيدها مِن المضامين التاريخية في رسالة سليمان بن سحيم: أنَّ سليمان بن سحيم بدأ رسالته بقوله: "خرج في قطرنا رجل مبتدع ضالّ مُضلّ" إذًا التبديع ممن صدر؟ التبديع على الشيخ محمد بن عبد الوهاب والتضليل حصل على الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمّا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدَّرْعِيّة ولاَّ قبل أنْ ينتقل إلى الدَّرْعِيّة؟ قبل أنْ ينتقل إلى الدَّرْعِيّة، ونضيف إلى هذا المضمون التاريخي مضمون آخر نأخذه مِن رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب كتبها وهو في العيينة، هناك الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود كان في الدَّرْعِيّة، لمّا ناهز الاحتلام - كان صغيرًا – لمّا ناهز الاحتلام يعرف أنَّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عالم؛ فكتب إليه وهو في العيينة يطلب منه أنْ يفسر له سورة الفاتحة، وهذا دليل على معدن ومحبة عبد العزيز بن محمد وهو ابن الأمير محمد بن سعود محبته للعلم، يقول: يطلب منه أنْ يفسر له الفاتحة، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب فسّر له الفاتحة وقال في التفسير وذكر البوصيري والشرك الذي حصل في بعض الأبيات للبوصيري مثل قول البوصيري: "يا أكرم الخلق - يعني محمدًا - يا أكرم الخلق ما لي مَن ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم" فحَذّر الشيخ محمد بن عبد الوهاب مِن أبيات البوصيري، ثم قال: "إذا عرفتَ ذلك عرفتَ غربةَ الدين، وعرفتَ أنَّ استحلال دمائنا وأموالنا ونسائنا ليس عند التكفير والقتال!" ما هو أننا كفَّرنا وقاتلنا! "لا، بل لأجل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(14) بل هم الذين بدأونا بالتكفير والقتال" لاحظ هذه الكلمات، الشيخ محمد بن عبد الوهاب كَتَبَها قبل ألف ومائة وسبع وخمسين مِن الهجرة، معناه الشيخ صدر فيه فتاوى تكفير واستحلال الدم وهو أين؟ في الدَّرْعِيّة أم في العيينة؟ في العيينة، مَن الذي يصدر فتاوى التكفير أمير أم تاجر؟ عالم، إذًا صدر في حق الشيخ محمد بن عبد الوهاب تبديعٌ وتضليلٌ وتكفيرٌ واستحلال دمّ ومال وهو في العيينة، بعد ذلك زاد نشاط علماء السوء المعارضين لدعوة التوحيد حتى أَغْرَوا حاكمَ الأحساء - وكان مِن أقوى الحكام - وأَمَرَ عثمان بن معمر أنْ يطرد هذا الشيخ أو يقتله، خرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب مِن العيينة ودخل الدَّرْعِيّة لا بدعوى مِن محمد بن سعود ولا بدعوى مِن أحد مِن أهل الدَّرْعِيّة، خرج مطرودًا طريد شريد، فيه فتاوى بحلّ دمه، فتاوى بحلّ ماله، فتوى بحلّ ماله وفتوى بحلّ دمه، وخرج مِن العيينة إلى الدَّرْعِيّة، خروج شخص بهذه الصورة منتشرةٌ دعوته لها فترة طويلة مِن يوم كونه في حريملاء واضطرب الناس وانقسم الناس بشأنه وهو في حريملاء، لا شك أنَّ خروجه حَدَثٌ رهيبٌ وحدثٌ يتسامع به أهلُ البلدان النجدية، فما الظن بأهل الدَّرْعِيّة؟ دخل وذهب إلى بيت الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن سويلم - وهذا أحد علماء الدَّرْعِيّة أيضًا سبق أنْ كاتبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب بما كاتب به العلماء لمّا كان في العيينة - خاف الشيخ عبد الله بن سويلم، فنام الشيخ محمد بن عبد الوهاب تلك الليلة في بيت عبد الله بن سويلم ولمّا أصبح انتقل إلى بيت تلميذه أحمد بن سويلم، هذا ابن عم عبد الله، وأحمد بن سويلم مِن العرينات مشهور مِن أقوى تلاميذ الشيخ، وصابر في الدعوة، ومعلم للتوحيد، لكن سيرته لم تُخْدَمْ، يعني لشحّ المصادر ولأسباب، انتقل إلى بيته عند أحمد بن سويلم، سمع به محمد بن سعود، تعرفون محمد بن سعود كان له إخوان، مشاري وفرحان وثنيان، وثنيان ضرير، كان محبًا للعلم، سبق أنه كان يكاتب الشيخ وتأثر بالشيخ جدًا وهو مِن أهل العلم، ثنيان بن سعود أخو محمد بن سعود، مشاري وفرحان مِن القيادات التي كان يعتمد عليها محمد بن سعود، حتى إنّ دهام بن دواس في الرياض عام ألف ومئة وواحد وخمسين أراد أنْ يتملك على الرياض فما قَبِلَه أهل الرياض وحاصروه في قصره، إذا قالوا القصر في السابق أشبه ما يكون بالقاعدة العسكرية، لا أحد يقدر أنْ يدخله، فيه الزاد والأكل وما يكفيه للكل والشرب والسلاح حتى يضعف الخصوم أو يستغيث ويستعين، دهام بن دواس استنجد بمحمد بن سعود في الدَّرْعِيّة، ومحمد بن سعود مشهور بحسن الخلق وأنه يُغيث مَن يستغيث به؛ وأنه يُجير مَن استجار به، فأرسل لدهام بن دواس أخوه مشاري ومعه بعض الرجال، وبقوا في الرياض أربعة أشهر حتى توطد ملكُ دهام بن دواس ثم رجع مشاري، مشاري بن سعود ممن شارك مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في قلع الأوثان لمّا بدأ قلع الأوثان، مشاري وأحمد بن سويلم قلعوا شجرة قريوة في الدَّرْعِيّة، كانت تُعبد مِن دون الله، وأزالوا مواضع الشرك، إذًا هذه الصورة التي دخل بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب الدَّرْعِيّة، محمد بن سعود كان عنده أناس يعرفون مَن هو محمد بن عبد الوهاب، أيضًا زوجته كان لها أثرٌ، فكلموا محمد بن سعود قالوا له تأتي له، أنت بنفسك تأتيه، هذا عالم جليل، فجاء إليه بنفسه وهو أمير، وهذا يدل على حسن خلقه وتواضعه محمد بن سعود، دخل على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجاء إلى بيت أحمد بن سويلم ودخل عنده وعاهده "الدم الدم، والهدم الهدم" أحميك مما أحمي به أهلَ بيتي، فجاء الفرج للشيخ محمد، سمع الناس بهذا العهد أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب الأمير محمد بن سعود تعهد بحمايته، ويعرفون أنّ محمد بن سعود إذا قال فَعَلَ، الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان له طلاب واتْبَاع وحصلت عليهم غربة بسبب علماء السوء - العلماء الذين ينصرون الشرك ويُضادّون دعوة التوحيد - لمّا سمعوا به فتابعوه إلى الدَّرْعِيّة، وازدحمت الدَّرْعِيّة بطلاب العلم، ازدحمت الدَّرْعِيّة بمَن خرج مِن بلاده يريد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويريد دعوته - دعوة التوحيد - ولا يرضى بأنْ يرتفع سلطان علماء السوء في بلده، العلماء الذين ينصرون الشرك الأكبر أو يسكتون عنه، أول مَن أتى مِن أهل العيينة جاء رجال مِن آل معمر يريدون هذا الشيخ ويريدون دعوته، لذلك عثمان بن معمر لمّا رأى هذا الاضطراب في بلده وفي نَجْد ندم وهرع إلى الدَّرْعِيّة يريد أنْ يسترجع الشيخ، فقال له الشيخ: إني عاهدتُ محمد بن سعود، الأمر عند محمد بن سعود، فذهب إلى محمد بن سعود فرفض، الشيخ يبقى عندي، عاهدتُه، عثمان بن معمر عاهد أنْ يكون مِن أهل هذه الدعوة ويحميها وينصرها، لاحظ معاهدة عثمان بن معمر ما هي؟ أنْ يكون تحت إمامة محمد بن سعود، لاحظ معاهدتَه لأجل حماية هذه الدعوة؛ وأنْ لا يُفتن أحد ممن يقول: "لا إله إلّا الله" في البلد التي كان رئيسًا عليها، فتكاثر الناس في بلد الدَّرْعِيّة، كثروا، وازدحمت الدَّرْعِيّة بهؤلاء، بعد ذلك الشيخ استمر في تعليم الناس والتوحيد وفرائض الإسلام، ثم إنه قام علماء السوء - كما ذكرنا - بوسائل جديدة لمضادة هذه الدعوة، إذًا هاجر مِن البلدان النجدية مهاجرون خصوصًا العيينة، هناك بلدان بايعتْ الدَّرْعِيّة على هذه الحماية - حماية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته – مَنْفُوحَة، طبعًا مَنْفُوحَة الآن ترون أنها حيّ مِن الأحياء كانت بلدة مستقلة، مَنْفُوحَة وحريملاء والعمارية وعرجة، فازداد شَرّ العلماء المعادين للدعوة وزينوا لأمير الرياض دهام بن دواس أنْ يحارب الدَّرْعِيّة، فبدأ دهام بن دواس الذي كان حليف لمحمد بن سعود ولولا الله ثم محمد بن سعود ما توطد ملكه في الرياض وبدأ الحرب على مَن يحالف الدَّرْعِيّة، أول ما بدأ الحرب قام ابن دواس على مَنْفُوحَة، بلدة مَنْفُوحَة كانت معاهدة لمحمد بن سعود، ثم حارب محمد بن سعود، وقُتِلَ اثنان مِن أبناء محمد بن سعودفيصل وسعود -، يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن هذا الرجل محمد بن سعود: سبحان مَن ثَبَّتَ قلبَ هذا الرجل، يُقتل اثنان مِن أبنائه ويَثبتُ على هذا الأمر! السبب في هذا أنّ الدعوة دخلت قلبَه وهو على يقين بها، يقول هرقل وسأل أبا سفيان لمّا جاءه سأله عن محمد صلّى الله عليه وسلّم وأتباعه قال: "هل يرتدُّ أحد منهم رغبة عن دينه؟ قال: لا، قال: كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشتُه القلوبَ"(15) الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب يحصل اليقين فيحصل الثبات، محمد بن سعود ثبت على هذا وصبر، الدَّرْعِيّة صبرت كثيرًا على الأهوال والشدائد، خصوصًا في السنوات الأولى، الدَّرْعِيّة ما هي الدَّرْعِيّة مقابل البلدان إذا تحالفت ضدها أو مقابل ابن عريعر حاكم الأحساء؟ لا شيء، لكن اليقين الذي عند محمد بن سعود وعند رجال الدَّرْعِيّة وعند الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه ومَن هاجر إليه جعلهم يصبرون فأعقبهم الله جلّ وعلا العزّ والنصر، دهام بن دواس عارض، وذكرتُ لكم أنّ بعض العلماء يقول لدهام بن دواس: إنك قمت مقام الأنبياء، يقولون له: إنك قمت مقام الأنبياء لماذا؟ لأنه حارب الدَّرْعِيّة، الدَّرْعِيّة أليست تصلي؟ ألا تقوم الليل؟ أليسوا مسلمين؟ لماذا تقولون عنه أنه قام مقام الأنبياء؟؟ لماذا لا تقولون: والله هذا عداء لأجل الملك؟؟ العداء لأجل الملك هذا لا يُقال له أنك قمت مقام الأنبياء! السبب في هذا أنه هناك مَن يزين الشرك ويحميه مِن علماء السوء، فقالوا لدهام بن دواس: إنك حميت الصالحين وحميت مقام الصالحين؛ وهذا الرجل يسبّ الصالحين ويُكَفّر الصالحين!! وكانوا يظنون أنّ الطواغيت صالحون!! مع أنهم يشهدون عليهم بالأفعال المشينة، المهم هذا أمرٌ.

الأمر الثاني: أنّ البلدان التي عاهدت الدَّرْعِيّة صدرت في حقها فتاوى أنه يجوز لكم نقضُ العهد؛ ويجوز لكم إنْ كان عندكم وديعة لواحد مِن أهل الدَّرْعِيّة أنكم تأكلون هذه الوديعة!! هذا ذكره أيضًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودللنا عليه.

أيضًا هناك نشاط للعلماء المعارضين النجديين، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في إحدى رسائله: "فمَن عرفَ هذا عرفَ غربة الإسلام، خصوصًا إنْ أحضر في قلبه ما فعل الذين يَدَّعُون أنهم مِن العلماء مِن معاداة هذه المسألة وتكفيرهم مَن دان بها وجهادهم" جهاد مَن؟ علماء، يُكَفّرون يقول: "وجهادهم مع عباد قبة أبي طالب" قبة أبي طالب في الحجاز "وأمثالها، وقبة الكواز" وقبة الكواز في البصرة "وفتواهم لهم بحلّ دمائنا وأموالنا لتركنا ما هم عليه، ويقولون لهم" يقولون لأهل قبة الكواز وأهل قبة أبي طالب: "إنه ظهر أناس ينكرون قببكم وينكرون دينكم!" هذه ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسائله بعنوان "خمس مسائل" رسالة مشهورة، تجدونها في الدُّرَر السَّنِيّة المجلد الأول صفحة مئة وواحد وعشرين، وقال أيضًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "أفتوا لِمَن عاهدنا بعهد الله ورسوله أنْ ينقض العهد وله في ذلك ثواب عظيم! ويفتون مَن عنده أمانة لنا أو مال يتيم أنه يجوز له أكلُ أمانتنا لو كانت مال يتيم!!" إلى آخر كلامه، هذه تجدونها في مختصر سيرة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم صفحة ثمانية وثلاثين.

دهام بن دواس كان مِن أشد وأشرس المحاربين - صاحب بلدة الرياض أميرها – مِن أشرس المحاربين لبلدة الدَّرْعِيّة وللدعوة، وحرب دهام بن دواس لم تبدأ بمَنْفُوحَة، لا، بدأت في الداخل، أولًا وطّد أموره، لأنه في الرياض كان هناك أتباع للدعوة، فقَرَّبَ مَن يعادي الدعوة وأبعد مَن هو موافق للدعوة، هذا واحد، صادر أموال بعض الناس الذين كانوا مِن رعيته يحبون الدعوة، وأعلا مقام أعداء الدعوة فصارت البلدة كدولة مصغرة، النفوذ والكبار وأصحاب الرئاسة كلهم يحملون نفسَ التوجه وهو عداء الدَّرْعِيّة لأجل أنها حَمَتْ محمد بن عبد الوهاب، فساس البلد داخليًا ثم اشتغل على الخارج، أيضًا دهام بن دواس استعان ببعض الأعراب، وهذه طبيعة بلدان نَجْد، يستعينون في الحروب بالأعراب، هذا بشكل دائم، ثم بعد ذلك ابتدأت الحروب بشكل لافت سَنَة ألف ومئة وتسعة وخمسين مِن الهجرة، وجرتْ حروب، وأقام دهام بن دواس ثلاثين سَنَة وهو يحارب الدَّرْعِيّة، وتخللها بعضُ الهُدَن والمصالحات، انظر الدليل على أنّ الحربَ حربُ دين شرطُ الهدنة أنه إذا أراد الصلح يقول محمد بن سعود: شرطُ الهدنة أنّ معلم التوحيد يدخل الرياض ويعلم التوحيد، هذا شرط لا بُدّ منه، إذا قَبِلَ هذا الشرط عُقدت الهدنة وإلّا فلا تعقد، لا تعقد هدنة على غير التوحيد، لا يوجد مسالمة ولا مهادنة، ومكث على هذا، صالح ثلاث مرات، وكان إذا نقض العهد مباشرة يخرج مِن بلده معلم التوحيد، هذه حرب دينية مئة في المئة، لا شك فيها، ما الذي يخرج مُطَوّع مسجد أو معلم أو داعية يدعو إلى التوحيد، ما شأنه في الموضوع؟ إلّا لأجل أنّ هذا البلد حارب هذه القضية، تطورت الأمور بين الدَّرْعِيّة والرياض إلى قضية مهمة تنتبهون لها فتعرفون المسائل التي يذكرها محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه بعده أو مَن يشكك في بعض القضايا العقدية كالولاء والبراء وغيرها، تطورت الأمور بين الدَّرْعِيّة والرياض إلى تحالف عدد كبير مِن البلدان كالوشم وسدير والقصيم مع دهام بن دواس، حالفوا دهام بن دواس وهو بهذا الوضع في حرب على الدَّرْعِيّة حرب على التوحيد تحالف معه بلدان مِن الوشم وسدير والقصيم، ثم تحالفت تلك البلدان لوحدها ضد الدَّرْعِيّة، تحالفت هذه البلدان ومَن يتابعها أو يحميها، كل الحروب التي دارت الصورة العامة للحروب التي دارت أنها حرب مضادّة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويدل على ذلك ثلاثة أمور نذكر فيها:

الأول: عمل العلماء المعادين للدعوة مِن غير بلدة الرياض وما جاورها، عمل بلدة الرياض وغير بلدة الرياض، فقد رحل الشيخ عبد الله المويس وخواص أصحابه إلى قبة الكواز في البصرة، وأهل قبة الزبير في الزبير، وحرضوهم على الدعوة وأتْبَاعها، وأيضًا رحل ابن ربيعة والشيخ ابن إسماعيل إلى أهل قبة أبي طالب، كل هؤلاء العلماء مِن غير الرياض، ابن إسماعيل في الوشم، وابن ربيعة، كلهم مِن خارج الرياض، المويس مِن أهل بلدة حَرْمَة كما ذكرنا، وأغروهم بأتْبَاع الدعوة - دعوة الشيخ -.

الدليل الثاني على أنها حرب دينية غير ما تقدم: حوادث قتل معلمي الدين وأهله المعروفين، هناك حوادث قتل على معلمي الدين، تتزامن هذه الحوادث مع محاربة البلد التي قُتِلَ فيها معلمون إذا حاربت الدَّرْعِيّة، أو تنضم إلى مَن يحارب الدَّرْعِيّة، سَنَة ألف ومئة وأربعة وستين نقض أمير برمة العهد وقتل رجالًا عنده كانوا دعاة دين وأصحاب أموال، هذا ذكره حسين بن غنّام في روضة الأفكار وذكره ابن بِشْر، وفي سَنَة ألف ومئة وخمسة وستين نقض أهل بلدة حريملاء العهدَ بعد أنْ تمالؤا على قتل مَن عندهم مِن أهل التوحيد والإيمان، هذا أيضًا ذكره ابن غنّام وابن بشر.

الأمر الثالث: حوادث الهجرة، حوادث الهجرة في نَجْد بين البلدان النجدية تكررت، تتزامن هذه الحوادث مع تحالفات البلدان ضد الدعوة، مَنْفُوحَة مثلًا سَنَة ألف ومئة وستة وستين نقضت العهد، وكان فيها الشيخ محمد بن صالح، محمد بن صالح مِن أخصّ تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب وداعية توحيد وكان يصادم سليمان بن سحيم وكان ينصر الدعوة مبكرًا، لمّا نقضت مَنْفُوحَة العهد عام ألف ومئة وستة وستين خرج محمد بن صالح مِن مَنْفُوحَة وخرج معه ناس مِن أتباع الدعوة وهاجروا مِن مَنْفُوحَة إلى الدَّرْعِيّة، ما السبب الذي يُحَرّكُ هذا الجمع الغفير مِن مَنْفُوحَة إلى الدَّرْعِيّة لو كانوا آمنين على أنفسهم ولو كانت الحرب لا تتعلق باعتقادهم ودينهم؟؟

بعد ذلك إذا تبينت لنا الأمور الثلاثة فنقول: إنّ الدَّرْعِيّة حاربت مَن حاربها قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته لابن السويدي العراقي: "وأمّا القتال فلم نقاتل أحدًا إلى اليوم إلّا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنًا".

فهذا ما يتعلق بوضع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدَّرْعِيّة في تلك الفترة، استمرت الدَّرْعِيّة تحارب مَن قصدها بالحرب، فمَلَّكَ اللهُ محمد بن سعود البلدان التي حاربته، تَمَلَّك البلدانَ التي حاربته، حريملاء وغير حريملاء مِن البلدان، صار يملكها، فما دام الأمر هكذا يأتي إليّ يحاربني لأجل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولأجل دعوته أتركه لا أحاربه! لا، أتركه في بلده! لا، أترك الوضع كما كان! لا، وهذا شيء متفق عليه عند العقلاء، بلد تحاربك مجاورة لك تتركها هكذا؟ شغلك فقط تدافع تدافع! لا، ذهب إليها واستولى عليها، وأَمَّرَ عليها أميرًا مأمونًا، بعض البلدان تدخل في الطاعة ثم تنقض العهد وتنصر ما كانت عليه مِن قَبْلُ، ولاقتِ الدَّرْعِيّةُ الشدائدَ في هذا الأمر، شدائد طويلة وكثيرة ومتعددة، ومرت عليهم فترات يصفها المؤرخون ابن غنّام وابن بشر مثل غزوة الأحزاب، يحصل عليهم حصار وضيق وتبلغ القلوب الحناجر، مرت على محمد بن سعود وعلى ابنه عبد العزيز وأهل الدعوة وأهل الدولة أنهم أحيانًا يهزمون وأحيانًا ينتصرون، وانتصاراتهم - ولله الحمد – كثيرة، أحيانًا يَقتلون مِن أعدائهم وأحيانًا يُقتل مِن رجالهم، كَثُرَ الأرامل في الدَّرْعِيّة وكَثُرَ الأيتام في الدَّرْعِيّة، وجرت خطوبٌ وشدائد أعرضنا عن تفاصيلها، ونحيل في التفاصيل إلى كتاب عثمان بن بِشْر لأنه سهل جدًا، يمكنكم الرجوع إليه، توفي محمد بن سعود سَنَة ألف وتسعة وسبعين مِن الهجرة وتولى عبد العزيز وفتح الرياض بعد ذلك، فتح الرياض كان سَنَة ألف ومئة وسبعة وثمانين، وتوالت بعد ذلك بلدان نَجْد، واستقامت لهم نَجْد العارض والمحمل والشعيب وسدير والوشم والقصيم كلها تحت طاعة عبد العزيز بن محمد بن سعود، وكذلك الخرج والبلدان التي تأتي في الخرج إقليم، وكذلك الترع والفرع – ما أضبطها أنا - إقليم فيه حوطة سدير وفيه حوطة بن تميم وفيه بلدة الحلوة وفيه بلدة الحريق وفيه بلدة نعام، أيضًا بعد ذلك دخلت الأفلاك أيضًا والواديوادي دواسر - وشارفت الدولة بحدودها المدينةَ، وبينها وبين المدينة فيافي وعرب، وكان أكثر وأهل تلك الفيافي قبيلة حَرْب، فجاء آل مضيان مِن قبيلة حرب وجاءوا للشيخ وبايعوه وطلبوا معلم توحيد، وأخذوا معلمًا عندهم وقاضٍ وانتشر عندهم التعليم - تعليم التوحيد ونواقض الإسلام - وصاروا سدًا منيعًا على الدولة في تلك الجهات.

الاعتداء كان يدخل على الدولة مِن جهات عدة، أيضًا مِن مكة كان يدخل عليهم اعتداءات كثيرة، مِن الشريج مِن أشراف مكة، كانوا في عمل مستمر ضد الدعوة، أَتْبَاع الدعوة أهل الدَّرْعِيّة حُرِموا الحج، وأتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حُرِموا الحج، مِن حينما ظهرت دعوة الشيخ وحُمِيَ الشيخُ في الدَّرْعِيّة وربما قَبْل والشريف - شريف مكة - يمنعهم مِن الحج، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يكاتبه مرة بعد مرة ويطلب منه لو يحجّ أهل الدَّرْعِيّة وأتباع دعوته لو بمال! كان يرفض، ومرة أرسل له وفدًا ومعهم مِن أهل العلم الذين يناقشونه يقولون: إذا عندك أي ما تريد النقاش فيه؛ اجمع العلماء وناظرهم، فأرسلهم فجاء بعض العلماء فناظروه؛ فأفتى العلماء عنده بكفر أتباع الدعوة؛ فحُبِسوا، يسمونها "سَنَة الحبس" حبسوا عام ألف ومئة واثنين وستين أو عام ألف ومئة وأربعة وستين، حبسوا ومات فيهم مَن مات في الحبس وفَرّ مَن فَرّ، إذًا هذا أيضًا مِن العداء الذي كان على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى الدعوة، أيضًا الإمام عبد العزيز تَمَلَّكَ الأحساء سَنَة ألف ومئتين وعشرة ثم جاء سعود طبعًا الإمام عبد العزيز بن سعود يجب أنْ نعلم أنه قُتِلَ شهيدًا، قُتِلَ وهو ساجد في صلاة العصر في الدَّرْعِيّة – مسجد الطريق -، دخل عليه عدو كان متخفٍ في الدَّرْعِيّة ثم فاجأهم في صلاة العصر جاء مِن الصف الثالث فتخطى الناس وهم ساجدون وطعن الإمام عبد العزيز بخنجر كان أعدّه، ثم التفتَ إلى أخيه عبد الله بن محمد بن سعود، عبد الله أبو تركي الذين سيأتينا، عبد الله أخو عبد العزيز، وكلاهما أبناء محمد بن سعود، لمّا انتهى وقتل عبد العزيز التفتَ إلى عبد الله يريد أنْ يقتله فكان الأمرُ قد وَضَحَ فقاومه عبد الله وأصيب بجراحات، وإذا الناس قد انتبهوا وانقضوا عليه وقتلوه وانتهى أمرُه أو قتل نفسه، ونُقل الإمام عبد العزيز إلى قصره وتوفي رحمه الله، عبد الله أيضًا أُصيب بجراحات وشفاه الله، عبد العزيز مآثره كثيرة، مِن مآثره أنه كان يحب العلم والعلماء وكان يبذل في العلم وإقراء القرآن، حتى كان التلاميذ إذا قرءوا وكتبوا في الألواح وهم في مسجد وهو يكون في مكان قريب في علوّ يذهبون إليه ويصعدون إليه ويورونه الألواح وخطوطهم؛ فكان يكافأ الطلاب كلهم، لكن الذي خطه أحسن وتحسن خطُّه يكافئه أكثر مِن أقرانه، كان يحب معلمي القرآن ويبذل لهم الكثير، والعلم ويتصدق بشكل كبير، كان الأمن ضارب بأطنابه على صورة لم يكن لها مثيل مِن قرون في نَجْد، الحجاج يأتون معهم أموالهم والخيل وينام مرتاحًا آمنًا، بل إنّ الذي يجلب الزكاة يجلب الزكاة معه الألوف مِن الأموال فيأخذ بعض الأموال فيتوسد بها ويجعلها وسادة والأخرى عند راحلته ينام ويستيقظ ثم يسوق راحلته وما فيها مِن الأموال، مَن يُصَدِّقُ أنّ هذا يحصل في نَجْد؟ هذا هذه مسيرة الإمام عبد العزيز، الإمام عبد العزيز داعية للتوحيد، له رسالة في الدعوة إلى التوحيد وبيان "لا إله إلّا الله" والتحذير مِن الشرك، ورُدّ عليه في كتاب مخطوط "الصواعق والردود على الشقي ابن سعود" أو "على عبد العزيز بن سعود" واحد عراقي "داود" المهم أنَّه كان داعية توحيد أيضًا، كان يأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، وله رسائل بالأدلة والبراهين في هذا الشأن، توفي فجاء سعود، وكان قويًا، سعود كان قويًا ومرعبًا، إذا سار بجيشه أخاف الجهة التي سيقبل عليها، ورجاله ومَن كان معه مِن القبائل والحاضرة والبادية أهل نَجْد وغيرهم ممن دخل معهم ينصر هذا الدين كانوا أقوياء، وكانوا يقاتلون ديانةً، الإمام سعود وصل العراق ومكث بين البصرة وبغداد فترة عشرين ليلة، ضارب بخيامه هناك ويتحدى عدوًا له، يبحث عن عدو، هناك وزير في العراق اسمه "علي كخية" هذا أصله نصراني، وَلّاه نائب العراق للسلطان العثماني، نائب العراق الباشا سليمان وَلّى على بغداد هذا الرجل علي كخية، يسمونه الوزير علي كخية، لعلي قد نطقت الاسم بشكل صحيح – لأنها ضبطها على نفس البناء صعب -، هذا زمجر وبدأ يهدد ويُخوف ويدعي الادعاءات الطويلة أنَّه سيفعل الأفاعيل، وسار وجمع الجحافل والجيوش مِن الأعراب - أعراب في العراق وفي البصرة وما حول البصرة والزبير وما حول الزبير وسوق الشوخ وبغداد وما حولها وجيشه النظامي – وأتى إلى نَجْد، وذهب إلى الأحساء بعدما فتحت وقد مالأه بعضُ ضعاف النفوس في الأحساء، ثم دخل على الأحساء وتمكن منها بقي قصران، الإمام سعود لمّا فتح الأحساء جعل هناك قصرين فيهما كتائب - رجال مِن رجاله - واحد قصر الهفوف وقصر البطم، هذا عليه واحد مِن ابن عطيفان يعني مِن المعروفين ذاك الوقت، والثاني عليه أحد مِن آل ماجد المعرفين أيضًا، المهم صبروا في القصر، وأحاط بهم جيش الوزير، فصبروا شهرين، مِن سابع رمضان أو سادس رمضان حتى ذي القعدة، وإما أنَّهم يضربونهم بالمدافع الكبيرة - يسمونها القنابر أو الكنابر – جاءت في حملة العثمانيين، يضربونها بالمدافع الثقيلة أو يشعلون بالبارود والنار لعلهم يختنقون ويموتون، ويفعلون الحيل، أو يتسلقون والجنود يقاومونهم، وتعب الذي في القصرين بشكل كبير، واختاروا الثبات وعدم الاستسلام، وأغروهم أنْ يستسلموا ويتركون القصرين فينتهي الأمر، فما تركوه، جاء سعود بجيشه، سعود كان مشغولًا، ما هو تواني! كان مشغول بعدو آخر، الدولة السعودية في حروب مستمرة وفي جهاد مستمر، فجاء سعود، ما إنْ تحرك سعود مِن نَجْد تجاه الأحساء حتى دَبَّ الرعبُ على هذا الوزير وجنوده، وداخَلَهم الفشل، ومِن خوفهم كانوا يأتيهم مثل إشاعات داخلية عندهم، اقتربوا أو ما اقتربوا ربما ذهبوا وتركوا أثقالهم حتى تخف عليهم الأمور وبسرعة يهربون، فصارت أثقالُهم غنائمًا للإمام سعود، وبقي الإمام سعود، وقال لهذا الوزير، يعني يتساءل أين أنت؟ أين الكلام الذي كنت تكذبه؟ وكتب له رسالة قوية تجدونها في "الدُّرَر السَّنِيّة" يقول له: إني أبحث عنك، وأنا جئت وأنا بين بغداد والبصرة وجلست عشرين ليلة، أين ذلك القائد؟ أين الجيش؟ أين أنت؟ ما حَصَّلْتُ أحد!! ويقول: اترك عنك الكذب، الكذب ما هو للرجال، اطلع، إذا أنت تريد القتال وتقول ما تقول اخرج لي، هذه مِن شجاعة الإمام سعود، مرعب، وبقي في ذلك الموضع وقَسَّمَ الغنائم في ذلك الموضع، بالعادة إلى أنْ تنتهي المعركة، يعني إمعانًا في إذلال خصمه، وقال له في آخر رسالته: "أنت تدعي أنك تفعل وتفعل؛ لكن أنا جوابي: إذا سمعتَ المدافعَ في بلدك - وأنت في مكانك - ورأيتَ الحرائقَ في بلدك اخرج لي" يعني أنا واصلٌ حتى في مكانك، لذلك جنح للسلم والصلح، فأجاب سعود وقال: أصالح معك لأنَّ الله جلّ وعلا يقول: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا(16)، أمّا المسالمة على أنْ يُفتن أحدٌ في التوحيد؛ واحد مُوَحّد يُقتلُ أو يُؤذى لأجل توحيده! فلا مسالمة، أنتم حرب، فهذا أيضًا مِن سيرة سعود وقوته، وأَمَرَ بهذه الرسالة في التوحيد، آيات وأحاديث في هذا الأمر.

المهم استقرت في الأحساء، وتوسعت الدولة، وبعد ذلك بعد حروب صاحب الحجاز مَلَّكَ اللهُ الحجازَ لسعود، وكان مُلْكُ الحجاز تقريبًا عام ألف ومئتين وتسعة عشر، طبعًا رسالة الإمام سعود للوزير تجدونها في "الدُّرَر السَّنِيّة" المجلد الثامن صفحة مئتين وأربعة وستين إلى مئتين وتسعة وثمانين، رسالة طويلة، طبعًا هناك حوادث رهيبة حصلت لا نُفَصِّلُ فيها، توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، طبعًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب عاصر محمد بن سعود وعاصر عبد العزيز بن محمد بن سعود، وتوفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب سَنَة ألف ومئتين وستة مِن الهجرة، يعني زمن عبد العزيز بن محمد بن سعود ألف ومئتين وستة؛ فجاء تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب يحملون دعوته، وإذا تكلمنا عن تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب فإننا لا بُدّ أنْ نتعرف على أحوالهم لأنّ حالَ العالم هي الأرض التي تَنبتُ فيها تصرفاتُه رسائلُه ومؤلفاتُه، فكل عبارة تجدها في مؤلفات مِن مؤلفات تلميذٍ مِن تلاميذ الشيخ أو تَصَرُّفٍ مِن تصرفات تلاميذ الشيخ تعرفُ الحال الذي كان عليه أولًا، أنت تعرف لماذا قال؟ ولماذا فعل؟ تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان له تلاميذ أوائل لمّا كان في حريملاء، ذكرنا منهم ثنيان وذكرنا منهم محمد بن صالح، وهناك تلاميذ ظهرت أسماؤهم لمّا كان الشيخ في العيينة، وهناك تلاميذ خارج العيينة، الشيخ محمد بن عبد الوهاب له رسالة تربوية لتلاميذه، لمّا كان في العيينة كَتَبَ رسالة إلى اثنين مِن تلاميذه وهما أحمد بن محمد بن سويلم وثنيان بن سعود، وفيها تنبيههم على مسائل وأنهم ينضبطون في تصرفاتهم، الشيخ محمد بن عبد الوهاب مدرسة، ليس المسألة أنك صرت داعية في التوحيد أنك تدعو كيفما اتفق! لا، هناك ضوابط شرعية، يقول أنه نبّههم إلى تنبيهين، إذًا يحصل لغط وكلام يقولون: فلان فعل! وفلان يحبون يدعي! وفلان لا يحبون يدعو! وفلان يحصل عنده تبرك! أو غير تبرك! مثلما يحصل دائمًا عند طلاب العلم الصغار يصير عندهم حماس ويصير عندهم أشياء؛ فيعلمهم الشيخ الكبير إذا كان مِن العلماء على طريقة الراسخين في العلم وعلى اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة يعلمهم الانضباط وفق أصول أهل السُّنَّة والجماعة، نبههم بتنبيهين:

التنبيه الأول: ترك العجلة، ولا يتكلمون في مسألة إلّا مع التحقيق، انظر ترك العجلة ولا يتكلمون إلّا مع التحقيق، ولا يتكلمون عن أحد إلّا بعد التثبت، كل هذا يحتاجه طلاب العلم دائمًا، لا يتعجل، يتثبت، ولا يتكلم في المسائل إلّا بعلم، هذا هو التنبيه الأول، يشتمل ثلاثة أمور.

التنبيه الثاني: أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يعرف منافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله؛ فإذا ظهر منهم وتحقق ما يوجب جهادَهم جاهدهم.

هذه الرسالة رسالة الشيخ إلى أحمد بن سويلم وثنيان تجدونها في "الدُّرَر السَّنِيّة" المجلد الثامن صفحة اثنين وخمسين.

بعد أنِ انتقل الشيخ إلى الدَّرْعِيّة ظهرت أسماء أولئك التلاميذ الأُوَل: الشيخ عيسى بن جاسم توفي سَنَة ألف ومئتين واثنين، والشيخ حسن بن عيدان ذكرتُه لكم، والشيخ محمد بن صالح - راعي مَنْفُوحَة – ذكرناه، والشيخ أحمد بن محمد بن سويلم ذكرناه، وهناك أيضًا عالم شيخ رابع أو خامس، المهم هؤلاء التلاميذ لم يكن له مؤلفات فيما أعلم ولا رسائل إلّا حسن بن عيدان يظهر لي بأنه قاضٍ وله بعض التصرفات سوف يأتي ذكرها، كان هؤلاء لهم عمل، وهذا الأمر يجب أنْ يتنبه له طلاب العلم، ليس اللازم أنْ نصبح كلنا علماء! وكلنا نصير مؤلفين! وكلنا نصير محاضرين! وكلنا نصير خطباء! لا، هناك أحد يشتغل ويعمل ووفق ما يريده الشيخ ووفق مدرسته ووفق خدمة هذه الدعوة الجليلة، هؤلاء التلاميذ الأُوَل كان عندهم العمل بشكل مستمر - عيسى بن جاسم وأحمد بن سويلم على وجه التحديد ومحمد بن صالح - كانوا لا يفتئتون على مقام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يعني الذين عند الشيخ عبد العزيز بن باز لمّا كان عنده مشايخ أو طلاب العلم الصغار كان هناك إذا جاءه موضوع منكر نعرضه على الشيخ، فيه منكر فقط! أعرض على الشيخ وهو أعرف في الطريق، يعني هناك انضباط، هذا الانضباط عند عبد العزيز بن باز وتلاميذه الشيخ صالح الفوزان وغيرهم هو الانضباط الذي كان عند محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه، ما يفتئتون عليه! ما ينطلق فقط يقول: منكر ويفعل وينطلق! لا، منضبط وفق الضوابط التي يرسمها لهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والضوابط التي عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليست اختراعًا! وإنما هي ضوابط شرعية، وإذا دخلنا في هذه الأمور والضوابط طال بنا المقام.

أيضًا هؤلاء التلاميذ كانوا يرون أنفسهم يُمَثِّلُون الدعوة؛ فيضبطون تصرفاتهم لا تطيش ولا يستعجلون لأنها ستحسب على ماذا؟ على الدعوة التي ينتسبون إليها، ويفرح بها أعداء الدعوة! هذا أمرٌ أيضًا كان مِن منهجهم الواضح، وهذا أيضًا مِن تاريخ الدعوة التي لا بُدّ أنْ ننتبه لها.

كانوا منضبطين بضابط مهم أيضًا هم والتلاميذ الكبار أولئك يدركون أنهم تحت وِلاية إمام - وهو الإمام محمد بن سعود ثم عبد العزيز ثم سعود - يدركون أنهم تحت إمامة إمام، وهذا الإمام يواجه ما يواجه لأجل ماذا؟ لأجل أنه حامِ الدعوة وحامِ حمى الإسلام؛ وأنه يحارب لأجل حماية هذه الدعوة، فهم كانوا يدركون هذه القضية، وبالتالي يدركون أنّ إمامهم ربما يفعل فعلًا إنما هو يقلل المفاسد أو يدفع المفاسد، يعني لا خيار له لأجل أنْ تكون سياستُه شرعية وفق مراد الله جلّ وعلا إلّا أنْ يُقلل المفاسدَ.

أيضًا قضية التعامل مع المنافقين، هذه قضية مهمة جدًا، ما كان تلاميذ الشيخ يقولون: هذا ضد الدعوة فيذهبون إليه ويفعلون شيئًا! لا، كانوا منضبطين تمامًا كما رباهم بالتربية الشرعية، تمامًا كما كان الصحابة، يعلمون أنّ عندهم منافقين فكانوا ينضبطون في التصرفات بتوجيهات وهدي محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم.

إذًا هذا هو أهم ما تنتبهون له إلى إطار طلاب الشيخ الأوائل، كان تلاميذ الشيخ يرفعون الأمور إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الشيخ محمد بن عبد الوهاب له طريقة في الدعوة، يبعث تلاميذه حسن بن عيدان وعيسى بن جاسم وأحمد بن سويلم وغيرهم، أيضًا محمد بن سلطان - نسيته - كان مِن خيرة طلاب العلم وخيرة طلاب الشيخ بل أقواهم علمًا، كان متوليًا للقضاء، يبعثهم إلى البلدان البعيدة وإلى أهل البادية يمكثون فيهم الشهرين والثلاثة والأربعة يعلمونهم التوحيد وفرائض الإسلام ثم يرجعون إليهم ويخبرون الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويخبرون الإمام بما رأوه ووجدوه مِن القَبول ومما يُذكر هناك أو يُفعل أو ما هو خطرٌ على هذه الدعوة أو يُتربص بها كحرب يُتربص بها، هذا أيضًا كان مِن الأشياء التي يقومون بها تلاميذ الشيخ، وكان هذا الإطار الذي يمشون يسيرون وفقه.

على كل حال هؤلاء التلاميذ طبعًا كانوا في هذا الإطار وكان الأئمة يُكثرون مِن حِلَقِ العلم عندهم - عند محمد بن سعود وعبد العزيز بن محمد سعود وسعود - كانوا يُكثرون مِن الأمور العلمية، عندهم الدروس قائمة وعلى محضر منهم، والصوت للمشايخ والعلماء، أيضًا جاء بعد هؤلاء تلاميذ أُخَر هم التلاميذ الكبار محمد بن ناصر بن معمر وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وعلي بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب.

وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


(1) صحيح مسلم (146) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) صحيح البخاري (3456) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا.
(3) صحيح. الحاكم (3654) من كلام ابن عباس رضي الله عنه، وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: (صحيح على شرط البخاري). وانظر (تحذير الساجد) (ص 90).
(4) الأعراف: 65.
(5) النساء: 164.
(6) صحيح. أبو داود (4291) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (599).
(7) سبق تخريجه.
(8) صحيح البخاري (9/ 58) بلفظ: "باب تغيير الزمان حتى تُعبدَ الأوثان".
(9) صحيح. أبو داود (4252) من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (785).
(10) صحيح البخاري (7116) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(11) التمهيد لابن عبد البرّ (21/ 275)، سير أعلام النبلاء (7/ 387).
(12) شرح السُّنَّة للبربهاريّ (ص: 116).
(13) الزخرف: 87.
(14) الجن: 18.
(15) صحيح البخاري (7) من حديث ابن عباس رضي الله.
(16) الأنفال: 61.