موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أهمية دراسة التاريخ - شرح تاريخ دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح تاريخ دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لفضيلة عبدالله بن سعد ابا حسين
  
 
شرح تاريخ دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - أهمية دراسة التاريخ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

اللهم علِّمْنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وهدى وتقى يا رب العالمين

نبدأ مستعينين بالله متوكلين عليه؛ ونشرع في هذا المجلس في يوم الأحد الثاني عشر مِن شهر شوال مِن عام ألف وأربعمئة وسبعة وثلاثين للهجرة، نعقد هذه المجالس في تاريخ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي؛ وما قام به مِن دعوة مباركة في نَجْد وانتشار هذه الدعوة خارج نَجْدٍ، وهذا الموضوع نعني به دعوة محمد بن عبد الوهاب في الدرجة الأولى وحقيقة هذه الدعوة وحقيقة ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ ونعني به العلماءَ الذين عارضوا دعوةَ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومَحَالّ النزاع بين هؤلاء العلماء والشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ وما أعقبَ ذلك مِن قيام العلماء المعارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالفتنة والبلاء على الشيخ ودعوته لَمّا كان في حريملاء حتى خرج منها وانتقل إلى العيينة؛ ثم عملهم الدؤوب على الشيخ محمد ودعوته واستخدامهم لأدوات وأسلحة حتى أُخْرِجَ الشيخُ مِن العيينة وانتقل إلى الدَّرْعِيّة فحماه أميرُها محمد بن سعود وعاهده المعاهدة المشهورة "الدم الدم؛ والهدم الهدم" وأنه يحمي الشيخَ محمد بن عبد الوهاب مما يحمي منه أهلَ بيته؛ وما أعقب ذلك مِن هجرة أتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مِن العيينة وغيرها مِن البلدان النجدية إلى الدَّرْعِيّة؛ وما جَرَّه العلماء المعارضون على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى الحماية التي قام بها محمد بن سعود مِن ويلات وحروب أذاقتْ الأميرَ محمد بن سعود الشدائدَ، وأذاقت الدَّرْعِيّة الشدائد، وصبروا وصبر الأمير محمد بن سعود، وقُتِلَ اثنان مِن أبنائه في بداية الأمر وهو فيصل وسعود، ثم أعقبه اللهُ جلّ وعلا نصرًا وتأييدًا وملَّكَه البلدان النجدية، ثم توفي عام ألف ومئة وتسعة وسبعين للهجرة، فتولى الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ومَلَّكَه اللهُ بلدانًا أكثر، ووصل ملكُه إلى الأحساء التي كانت مِن أوائل المحاربين للدَّرْعِيّة وللشيخ قبل أنْ ينتقل إلى الدَّرْعِيّة، ثم طبعًا نقول: الأحساء العلماء المعارضين للشيخ ودعوته في الأحساء وما استخدموه مِن أدوات وأسلحة، ثم أيضًا توسع ملك ذرية عبد العزيز – وهو الإمام سعود - فبلغ مُلْكُه عسير والحجاز -، هذا هو الموضوع الذي نتكلم عنه، وهذا موضوع مهم لطالب العلم، فهو ليس مجرد تاريخ وسرد قصص! بل هو موضوع مهم، وتظهر أهميته مِن جهات منها:

أنَّ تَعَلُّمَ ما جرى على دين الإسلام؛ وما جرى على دولة الإسلام لَمّا انتقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدَّرْعِيّة فحمته وأقام الدولة - دولة الإسلام - على التوحيد وعلى إقام الفرائض؛ ما جرى على هذه الدولة يجب على طالب العلم أنْ يقرأ فيه ويتعلمه، لأنَّ الأخطاء التي تصيب الدولة الإسلامية متكررة، فدولة الإسلام في زمن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم حصل عليها أخطار وما بعده في دول الإسلام المتنوعة والكثيرة حصل عليها أخطار؛ وهذه الأخطار متشابهة مِن جهة، وأعداء الإسلام متشابهون مِن جهة، وأدواتهم نفسُ الأدوات وأسلحتهم نفس الأسلحة، فهي متشابهة إلى حَدٍّ كبير، فيجب على طالب العلم أنْ يتعلم ذلك.

أيضًا مما يُظهر أهميةَ هذا الموضوع أنه لا يمكن فهم رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ وفهم عبارات الشيخ ومراده مِن كلامه إلّا بفهم الواقع الذي قال فيه هذا الكلام، الواقع الذي قال فيه الشيخ هذا الكلام هو تاريخ الدعوة، هو تاريخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، مَن لا يعرف أسباب كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأسباب رسائله وأسباب بعض العبارات سيكون جاهلًا بمراد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ وبالتالي سيكون جاهلًا بما يُضَادُّ دعوة الشيخ؛ وجاهلًا بكلام العلماء المعارضين لدعوة الشيخ، وبالتالي فإنه لن يقرأ مؤلفات الشيخ قراءة صحيحة، فَهْمُ واقعِ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعرفة هذا الواقع أداةٌ لمعرفة رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومؤلفاته، هذا ليس فقط للشيخ محمد بن عبد الوهاب! كل علماء الإسلام إذا لم تعرف أسباب تآليفهم وأسباب عباراتهم ضد المخالفين لهم أو في أزمنتهم؛ إذا لم تعرفها؛ فإنك لم تعرف حقيقة مراده؛ وماذا يريد بهذا الكلام، لأنَّ ذهنك سيتصور صورة أخرى وواقع آخر غير الواقع الذي كَتَبَ فيه العالم مِن علماء الإسلام ما كتب، إذا لم تعرف مَن هو الإخنائي الذي رَدّ عليه الإمام ابن تيمية وماذا قال؟ لن تعرف ماذا يريد أحمد بن تيمية وما مقصوده مِن عباراته وما أسباب عباراته، إذا لم تعرف مثلًا رَدّ الدارمي على المرّيسي؛ إذا لم تعرف مرادَه مَن هو هذا؟ وما الواقع الذي عاشه؟ لن تستطيع أنْ تفهم عبارات هذا الكتاب العظيم! وهكذا، موقف علماء الإسلام وأهل الإسلام مَن المختار بن عبيد، إذا لم تعرف مَن هو المختار بن عبيد ولم تعرف ما الذي قاله؟ وما الذي فعل؟ فإنه لا يمكنك فهم شرعية الموقف الحقيقي تجاهه وهكذا، المرتدون زمن أبي بكر الصديق، لَمّا توفي النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم ارتدَّ مَن ارتد - مسيلمة الكذاب ومَن معه - إذا لم تعرف واقعهم، ومَن هم؟ وماذا يقولون؟ وماذا يفعلون؟ فإنه سيقصر فهمُك ومعرفتُك لهذه الحقيقة لهذه الواقعة التي حصلت على دولة الإسلام وأهل الإسلام في حين مِن الدهر.

بعض طلاب العلم يقرأ رسائل الشيخ وعباراته وفي ذهنه صورة غير الصورة التي يتكلم عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومِن هنا يحصل اللبس والخلط، بعض طلاب العلم أو القُرّاء والمثقفين يقرأ أنَّ الشيخ تكلم على أحد المعارِضين؛ فلا يتصور ذهنُه حقيقةَ المعارِض؛ وما هي المسألة التي يتكلم عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ وإنما يتصور مسألة أخرى! فيحصل اللَّبس وينشأ الخلط فيتكلم هذا الطالب أو هذا القارئ أو هذا المثقف بما فهمه وتصوره حصلَ شبهةٌ وحصل أَخْذٌ ورَدٌّ في هذا الفهم، ثم يأتي المتربصون بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيأخذون ويتلقفون هذا الكلام فيقولون: انظروا! هذا مِن أتباع دعوة الشيخ! انظروا ماذا يقول! هذا هو الذي قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب! وهذا هو الذي يُنتجه الشيخ محمد بن عبد الوهاب! وهذه هي دعوته! فيفرحون بهذا الخلط وبهذا اللبس.

بعض أتباع الدعوة يدافعون عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب على قاعدة "أنَّ الشيخ لم يأتِ بجديد؛ وأنه لم يخالف علماء الإسلام قَبْلَه" وهذه القاعدة صحيحة لكنها تحتاج إلى زيادة، لماذا؟ لأنَّ هناك فجوة لم تُسَدّ؛ وهناك نقص، ما هو النقص؟ هو الصورة الذهنية للمتلقي لهذا الكلام، المتلقي لهذا الكلام لا يعرف حقيقة واقع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبالتالي إذا قلتَ إنَّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب موافقٌ لدين الإسلام وموافقٌ لعلماء الإسلام؛ وهو متصور أنَّ الناس الذين ظهر فيهم محمدُ بن عبد الوهاب هم مثل الناس في زمانه! يصلون معه في المسجد أو يخالطهم في الأسواق؛ فإنَّ بيان دعوة الشيخ وحقيقة موقف الشيخ وأنه متابِع لِمَا قَبْلَه يبقى ناقصًا في ذهن هذا المتلقي.

أيضًا مما يُبيّن أهمية الموضوع أنَّ تاريخ دعوة الشيخ أو تاريخ نَجْد ودعوة الشيخ فيه لا يمكن أنْ تقرأه قراءة صحيحة إلّا إذا عرفت المرتكزات التي متى ما قرأناها قراءة صحيحة وأشبعناها بالأدلة والبراهين فإننا سنفهم تاريخَ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهمًا صحيحًا، وسننطلق في مؤلفات والكتب التي كُتبت فيه تاريخ الشيخ وسنقرأها قراءة صحيحة؛ وإلّا فإنَّ قراءتك لدعوة الشيخ سيكون فيها خلل، ماذا أعني بالمرتكزات في دعوة الشيخ وتاريخ نَجْد؟ وإذا قلتُ تاريخ نَجْد يعني تاريخ نَجْد والدعوة في نَجْد، المرتكزات طبعًا هذا استنتاج بعد استقراء مني.

أولًا: الواقع الذي ظهر فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ما هو الواقع؟ تعرفون دائمًا يتكرر أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب خرج في نَجْد وظهر في نَجْد وكان في نَجْد شرك، هذه ركيزة مهمة إذا لم تُخدم بالأدلة والبراهين؛ إذا لم تخدمها بالأدلة والبراهين ولم تقتنع بها؛ فإنك ستدخل على رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومؤلفاته وعندك نقص في أداة لفهم ما رسائل الشيخ وفهم عباراته، هذه ركيزة.

الركيزة الثانية: حقيقة مَحَالّ النزاع بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والعلماء المعارِضين له، على ماذا اختلفوا؟ ما هي المسائل التي اختلفوا فيها؟ لا بُدَّ أنْ تتبين ما هي، هذه ركيزة.

الركيزة الثالثة - التي أعني -: موقف علماء نَجْد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مِن الواقع الذي ذكرنا أنَّ الواقع الذي ظهرت فيها دعوة الشيخ أنّ فيها شرك أكبر وفيها بدع؛ ما هو موقف العلماء مِن هذا الشرك قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ هذا أيضًا مرتكز، إذا لم تعرفه فإنّ أداة فهم كلام الشيخ وأداة فهم حقيقة المعارضة ضده ستبقى عندك فيها خلل وعندك فيها لَبْس.

وهناك مرتكزات أخرى إنْ شاء الله ستأتي معنا، لكن هذا ما أريده بالمرتكزات، هذه الأمور إذا لم تشبعها بالأدلة والبراهين سينشأ عندك لَبْس في قراءة تاريخ نَجْد والدعوة فيه، بمعنى أنّ التاريخ لا بُدَّ أنْ نقرأه كما هو وكما وقع، فكون الشيخ محمد بن عبد الوهاب يحصل عليه تكفير أو نَجِدُ عبارة للشيخ محمد بن عبد الوهاب فيها تكفير ولا نعرف ما هي المسألة التي يتكلم عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب! ولا نعرف حقيقة موقف العالِم الآخر مِن هذه المسألة! فإنه سيكون عندنا خللٌ في فهم مراد الشيخ مِن كلامه وعباراته.

أضيف هنا إضافة أنَّ هناك تشكيك - مِن المرتكزات التي ذكرتُها - هناك تشكيك في قضية وجود الشرك قبل دعوة الشيخ، وهذا التشكيك كَثُرَ وتكرر، هناك تشكيك في أنَّ العلماء لم ينكروا الشرك! تشكيك في هذه القضية التي أنا سميتها: مرتكز مِن مرتكزات القراءة الصحيحة لتاريخ دعوة الشيخ، هذا التشكيك دخل علينا مِن عشرات السنين باسم البحوث التاريخية والدراسات التاريخية الحيادية، هذه أحدثتْ مشكلة، ما هي المشكلة؟ المشكلة أنَّ التشكيك في هذه المرتكزات أو في هذه المسائل التي ذكرتُها انعكست على قُرَّاء ومثقفين ومؤرخين ثم انعكست على بعض مجالسنا الخاصة، فصرنا نسمع مَن يشك في هذه القضايا! مع أنه في السابق لم يكن يشك فيها! هذا جانب، انعكس هذا الشك والريب إلى بعض طلاب العلم حتى! بعض طلاب العلم صار يشك في أنه فعلًا كان فيه شرك وأنه حقيقة هذه الدعوة قامت على التوحيد وحرب الشرك؛ صار يشك في هذا! فحصلت حيرة واضطراب حتى على أتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب! حتى على بعض طلاب العلم! وهذا واقع ملموس رأيناه وأدركناه.

إذًا هذا هو موضوعنا وهو موضوع عميق، ليس مجرد تاريخ وقصص! وإنما هو موضوع عميق واهتممتُ فيه بالمرتكزات التي ذكرتُها لكم، هذا جانب، الجانب الثاني أنني سأدخل فيه بتمهيد، وهذا التمهيد يهيئ الأذهان للدخول في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ثم سأدخل في ولادة الشيخ والواقع العلمي الذي كان في البلد التي ولد فيها الشيخ وفي أوساط البلدان النجدية حوله، ثم سأدخل بعد ذلك إلى إدراك الشيخ - وهو مِن أهل العلم - إدراكه أنه وقع منه مخالفات ومِن مشايخه - وقعت منهم مخالفات - ثم بعد ذلك بدء دعوة الشيخ وثم ظهورها في نَجْد؛ وما جرى على الشيخ وهو في حريملاء، ونأتي على بقية الأمور بحسب ما يتيسر لنا، الموضوع طويل جدًا، الموضوع طويل، تاريخ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم ينتهِ، بدأت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نَجْد في تاريخ معين لكنه لم ينتهِ! استمر ولله الحمد إلى اليوم.

نسأل الله لنا ولكم ولعامة أهل هذه البلاد مِن العلماء والولاة على هذا الأمر الثبات على هذا الأمر والاستمرار عليه؛ وأنْ يحفظنا جميعًا مِن شَرّ الأشرار وكيد الفجار؛ إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

قبل البدء بهذا الموضوع المهم أودّ أنْ أتوجه بالشكر الجزيل إلى فضيلة الشيخ فهد الغراب إمام جامع ابن تيمية والأخوة الفضلاء في إدارة الجامع على عقد هذه المجالس النافعة وعلى تنظيمهم لها بحيث تتلاءم مع الأوقات التي تناسب طلابَ العلم الذين يرغبون في حضور الدروس لكن لا يتسنى لهم إلّا في أوقات الإجازات وأوقات الفراغ، فأتوجه إليهم بالشكر الجزيل، وأسألُ الله لهم مزيدًا مِن التوفيق والبركة في العلم والعمل؛ وأنْ يجزيهم عنا وعن العلم وأهله خير الجزاء، وأبدأ في هذا الموضوع المهم مستعينًا بالله جل وعلا متوكلًا عليه هو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ونبدأ بالتمهيد.